Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

قصّتان

قصة قصيرة

 

المنطقة الحمراء
كنتُ كلّما أحسستُ بالجوع، أفكّرُ في شوربة العدس. شيء سحريّ يجذبني إليها.

لأكُن صريحًا؛ فأنا أحبّ أشياءَ كثيرة: النبيذَ والنساءَ والبروباغاندا. وأحبّ اللهَ والتاريخَ والديمقراطيّة والكركديه وتامر حسني وورقَ التواليت ماركة سوان. كما أحبّ التكنوقراط والبرتقالَ ونبيلة عبيد. ولا أنسى القهوة وبرتراند راسل واليبرق.
لكنّي أحبّ شوربةَ العدس أكثر منها جميعًا. وعندما بدأتُ أحسّ بخطورة الموقف قمتُ باستشارة أخصّائيّة في علم النفس. سألتني أسئلةً كثيرة. ثمّ قالت إنّها ستعرّضني لاختبار الشوربات. شرحتْ لي أنّ تجربة الشوربات يمكن أن تساعد الكثيرَ من المرضى، وأنّها تحدِّد شكلَ طفولة الإنسان وقابليّتَه الإجراميّة، وقد تحدّد وجهتَه السياسيّة، وكلَّ شيء. باختصار، فإنّ تجربة الشوربات كانت ــــ كما قالت ــــ أهمَّ انتصار لعلم النفس الحديث.
عصبتْ عينيّ بعصابة سوداء، ووضعتْ على الطاولة أمامي زبديّة شوربة عدس، وزبديّة شوربة فطر. عندما امتدّت يدي، لاشعوريًّا، نحو شوربة العدس، صارحتني الطبيبة بأنّ مشكلتي أخطرُ مما قد تُصوّر. قالت إنّ صورةً من طفولتي التصقتْ في المنطقة الحمراء من العقل الباطن.

عرفتُ العقل الباطن، لكنّ المنطقة الحمراء لم أسمع بها قطّ. خجلتُ أن أسألها عنها حتّى لا تظنّ أنّي غير مثقّف، فقلت لها:

"معكِ حقّ! تلك المنطقة الحمراء، لله درّها، ودرّ أبيها."
بحثتُ عن "المنطقة الحمراء في العقل الباطن" على محرّكات البحث، فلم أجد شيئًا. بعضُ المحرّكات فهمت المنطقة الحمراء على أنّها "الليلة الحمراء،" فقدّمتْ لي موقعًا إباحيًّا. وبعضها فهمتها الليلة الحمراء عندما ذبح محمد علي أمراء المماليك في ليلة القلعة الحمراء.
أعتقد الآن أنّها قصدت بالمنطقة الحمراء: الأحاسيس الدونيّة في تدرّج اللون في العقل الباطن؛ لأنّ هناك أحاسيس علوية: القلب والعقل؛ ودونيّة: تتمثّل في المعدة والـشيء الآخر!
مسكينة شوربة العدس اللذيذة، صُنّفَتْ ظلمًا بالدونيّة.
يا لثارات شوربة العدس من علم النفس الحديث.

 

الخضرجيّ

مُشكلتُه في الحياة كانت النساء. الخُضرجي في نهاية الشارع  أبو محمود.
كان يُجاهد ــــ ليس كجهاد المقاتلين! ــــ أن يحتفظ بالمرأة أطولَ مدّةٍ في دكّانه الصغير. 
كان يخاطبُ إحداهنّ مثلًا: "هذا العنبُ من دُوما، قُطِف أمسِ عند الغروب، واليوم وصلَ سوق الهال، حلاوتهُ تستحقُّ فمَكِ السكريّ."
أو: "هذا الدرّاق من الغوطة الشرقيّة. شربَ الشمس والماء حتّى باتت رائحتهُ كروائح الجنّة."
كان يُحبّ البيضاوات، يهمسُ في أذني أحيانًا، وأنا عائدٌ من جامعتي:" البيضاوات هنّ فاكهةُ الحياة."

كان كلُّ سكاّن الحيّ يعلمون أنّ من العبث سؤالَه عن أيّ شيءٍ في حضرة امرأةٍ بضَّة؛ فسوف لن يجيبكَ، وإنْ كنتَ عنصرًا أمنيًّا.
لم أعرف شيئًا عن حياته الشخصيّة. لم يخبرني أبدًا. ولم أسأله. كان يقدّم لي درّاقة حمراء أحيانًا، وأنا عائد من جامعتي، ويهمس في أذني: "الجارة الجديدة في الطابق الثالث صنف عجميّ."
وعندما سألتهُ عن هوسهِ بالنساء، قال لي إنّهُ قرأ مرّةً عن أحد خلفائنا العثمانيين أنّه مات من كثرة النساء. وافقتهُ. وسمّيتُ له السلطان.

أبو محمود، الرجلُ الستّينيّ، الشهمُ الكريمُ النفس، لم يقتلهُ هوسُه بالنساء، ولا فشلٌ في الكلى. بل، ولا أزمة قلبيّة.
أبو محمود قتلهُ قنّاصٌ، يتمرّن بالشعب الأعزل، من أجل اليوم الموعود لدحر إسرائيل.

أبو محمود، موتُكَ بهذه الطريقة ذكّرني بموت الأستاذ في رائعة هسه، لعبة الكريات الزجاجيّة، في تدرّجاتها العظيمة.
فلتنعمْ روحُكَ بالسلام!

كندا

اتّصل بنا من نحن دار الآداب