Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

قضامة في الكفن

قصة قصيرة

لم أعدْ أذكر كيف وقعَ عليّ الاختيارُ للذهاب إلى السّوق وشراء كفنٍ لأعزّ الأصدقاء وأحبِّهم إلى قلبي، صديقي الذي توفّيَ متأثّرًا بالسرطان. ولم أعدْ أذكر كيف، أو لماذا قبلتُ هذه المهمّةَ المؤلمة. ما أذكرهُ أنّ هذا حدثَ منذ أكثر من عشر سنوات، وأنّني توجّهتُ إلى السوق وقتها وأنا أصارع رغبتي في العودة والاعتذار، وبعد تردّدٍ طويلٍ انتصر الإحساسُ بالواجب، فتابعتُ المسير.

أوقفتُ سيّارةَ أجرة، وأنا لا أعلم من أين يمْكن المرءَ أن يشتري كفنًا. شرحتُ للسائق مشكلتي، فنصحني بالذهاب إلى سوق العنّابة. أخذتُ بنصيحته وذهبتُ إلى السّوق المذكورة.

نزلتُ من السيّارة، ومشيتُ في الزحام شبهَ غافلٍ عمّا يجري حولي. كان قد مضى عليّ أكثرُ من عشرين ساعةً لم أتناولْ فيها أيَّ طعام، منذ لحظة انطلاقي من دمشق وصولًا إلى اللاذقيّة، ومن ثمّ انشغالي مع غيري بترتيبات الوفاة المختلفة. ومن هنا بدأتْ تطاردني رائحةُ الكباب اللعينة، المنبعثةُ من غيرِ مكانٍ في هذه السّوق المشهورة بمحلّات الشواء، وبصحبتي "كلبُ بافلوف" الشهير. تغلّبتُ على الكلب، وتابعتُ طريقي والحزنُ يكلّلني من رأسي إلى أخمص قدميّ.

أخيرًا اهتديتُ إلى محلٍّ يبيع هذه الأشياء. دخلتُه، يتبعني الكلب. سلّمتُ على البائع ولم أستطع الكلام. بدأتْ كرةٌ من الشّوك تتدحرج صعودًا ونزولًا في حلْقي، رافقها احتقانٌ في عينيَّ، وانحباسٌ للدمع الذي طفرَ بعد أوّل محاولةٍ للكلام، ثمّ انفجرتُ بكاءً كالطفل الصغير.

اقتربَ منّي صاحبُ المحلّ واضعًا يدَه على كتفي، وناولني محرمةً قائلًا: "عرفت وجعَك، ميّتْلكْ عزيز، وبدّكْ كفنْ." أومأتُ برأسي موافقًا، وتهالكتُ على كرسيٍّ قريب. أخذتُ كأس الماء التي قدّمها إليّ. شربتها وعدتُ إلى البكاء. في هذه الأثناء جلب مجموعةً من الأقمشة البيضاء ووضعها فوق الطاولة، منتظرًا انتهاءَ نوبة البكاء التي اجتاحتني.

في النهاية استطعتُ السيطرة على الوضع، وأبعدتُ الكلب قليلًا. قمتُ عن الكرسيّ وواجهتُ البائعَ الذي قال على الفور: "في عندي تلات موديلات، شو بدّك بالضبط؟" نظرتُ إليه باندهاش وقلت: "كيف يعني؟"

فتح الرجل الكفنَ الأوّلَ وشرح لي: "شوف حبيبنا، هيدا كتّان وتفصيلتو حلوة، بسْ ما فيه غير تلات قطَع، وكتير ناس بيرغبوه." ثم رمقني بحذرٍ منتظرًا رأيي. ابتسمتُ من بين دموعي وقلت: "والتاني؟" قال: "التاني صناعة حلب. قطن ميّة بالميّة. فيه أربع قطع وطاقيّة. بس ما معو كفوف." نظر إليّ ثانيةً، فسألتُه: "والتالت؟" قال:"هيدا بنصحكْ فيه. شوف هيدا قطن ميّة بالميّة. كمان معو كلّ توابعو، كفوف وطاقيّة. بس غالي شويّ." ثم تابع: "كمان شوف هالجَيبات، شوف!" ورفع قطعةً على شكل بنطلونٍ قطنيٍّ أبيض، له عدّةُ جيوبٍ على جانبي الفخذ وفوق الركبة، وجيبان آخران على المؤخّرة، يزيّنُهما سحّابان فضّيّان عريضان.

تفحّصتُ اللباسَ بشرود، ثم لفتُّ انتباهَه إلى أنّ أحدَ السحّابات لا يعمل، فعلّق: "وين المشكلة؟ شو بدّو المرحوم يحطّ فيه قضامة؟" هنا لم أتمالكْ نفسي، فضحكتُ بصوتٍ عالٍ وأنا أتخيّل المرحومَ "يقرط" القضامة مرتديًا هذا البنطلون الذي لم يكن ليرضى بأن يلبسَه في حياته ولو تحت التعذيب. وضحكتُ أكثر عندما تخيّلتُه يراني وأنا في هذا الموقف. تخيّلتُ ضحكته الطفوليّة الصاخبة، وكيف كان يضرب ركبتَه بيدهِ من الانفعال عندما يشتدّ ضحكُه، وكيف بعد ذلك يزيحُ نظّارتَه الطبيّة ويمسح دموعَه بمحرمةٍ قماشيّةٍ يحملها في جيبه طوال الوقت.

في اللحظة التي ضحك فيها البائعُ مجاملةً لي دخلت سيّدةُ المحلّ،  فسألتْ باستغراب: "خير إنْ شاء الله، ليش عم تضحكوا؟ ضحّكونا معكم!" فأجابها مغالبًا ضحكَه: "الأخ عندو عزيز ميّت وبدّو كفن." نظرتْ إليّ باستنكارٍ شديد، فهربتُ من نظراتها وتشاغلتُ عنها باحثًا عن حافظة نقودي، ودفعتُ ثمن الكفن "أبو جيبات،" ثمّ حملتُه وخرجتُ مسرعًا قبل أن تهاجمني نوبةٌ جديدةٌ من الضحك العنيد.

في طريق العودة، وبمجرّد وصول رائحة الكباب أنفي، نبح كلبُ بافلوف بشراسة. تجاوبتُ مع نباحه هذه المرّة ودخلتُ المحلّ. طلبتُ أوقيّةً ونصفًا من الكباب، وكأسَ عرقٍ مع صحن سلطة، ثم جلستُ وكفنُ صديقي في حضني، آكلُ وأشربُ وأضحكُ، متخيّلًا المرحومَ مرتديًا هذا الثوبَ، يتفتّلُ فيه يمنةً ويسرةً، وهو "يقرط" القضامة التي تصادَفَ أنّه كان يحبّها جدًّا في الواقع. ورحتُ آكلُ وأضحك، وأضحك، وأضحك، إلى أنْ ذهبَ الكلب وتركني وحيدًا، فعدتُ إلى البكاء من جديد.

اللاذقيّة

اتّصل بنا من نحن دار الآداب