Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

كاسترو بعيونٍ عربيّة: كوبا لا تُشْبهنا

مقالات

 

يستقبلك ألفريدو  ديريتشي، في المركز الثقافيّ العربيّ في هافانا، بابتسامةٍ عريضة، وبذاكرةٍ تعجّ بالثورة والكبرياء. كيف لا، وهو الكوبيُّ من أصلٍ فلسطينيّ ("ديريتشي" تحويرٌ لـ "درويش" من رام الله). يشير إلى صورةٍ لفيدل كاسترو في مكتبه المتواضع، ويُعبِّر عن حبِّه لكوبا، وحنينِه إلى فلسطين. يُحدِّثك عن دورٍ أدّاه عربٌ كوبيون من أجل تحرير كوبا من الحكم الإسبانيّ قبل ثورة العام ١٩٥٩ بقيادة كاسترو. فبحسب ديريتشي، شارك عربٌ (من بينهم جنرال)، في حرب الاستقلال عن إسبانيا، إلى جانب القائد الوطنيّ خوسيه مارتي سنة ١٨٩٥. وقد عثر المركزُ على وثائقَ معموديّةٍ لأسماء عربيّة تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهذا دليلٌ على قِدم الهجرة من بلاد الشام إلى الجزيرة الكاريبيّة. بعضُ هؤلاء، كما يشرح ديريتشي، كان في طريقه إلى الولايات المتّحدة، لكنّه تزوّج واستقرّ في الجزيرة.

يحاول ديريتشي الحفاظَ على التراث الكوبيّ العربيّ. يشجّع أيَّ خطوةٍ في هذا المجال. وكان آخرَ ما فعله، عند لقائي به في ربيع العام ٢٠٠٨، فتحُ مكتبة المركز المتواضعة أمام الباحث بيدرو أوسكار غيمينيز، الذي كان يُعدّ دراسةً بعنوان "البعد العربيّ في الأدب الكوبيّ." أسأل ديريتشي عن دعم الدول العربيّة للمركز، فيتحفّظ عن اللوم، لكنّه يتأسّف لكثرة الكلام المعسول وقلّةِ الدفع.

 

كاسترو عن بُعد: تجسيدٌ لتجربة، أمْ مَكسرُ عصا؟

أستحضرُ هذا الإهمالَ المتعمَّدَ لتاريخ العرب في كوبا عند مطالعةِ ما كُتب في الإعلام العربيّ السائد، اللبنانيّ على وجه الخصوص، على أثر وفاة كاسترو.(1) فقد بحثتُ جاهدًا عن تغطيةٍ للتجربة الكوبيّة تكون نابعةً من معرفةٍ وثيقةٍ بكوبا، أو من سعةِ اطّلاعٍ على سيرة كاسترو، من مراسلٍ عاش في كوبا سنواتٍ، أو من باحثٍ يجيد الإسبانيّةَ كتب عن الجزيرة بماضيها أو حاضرها. وبحثتُ أيضًا عن تقارير حول كوبا نُشرتْ في الآونة الأخيرة قبل وفاة كاسترو. لم أجد أيًّا من تلك الأمور، فما بالُكم بتغطيةٍ موثّقةٍ لتاريخ العلاقات الكوبيّة ــــ العربيّة؟ في عيون غالبيّة الإعلام العربيّ المعاصر، كوبا هي حالةُ اللحظةِ فحسب، لحظةِ وفاة كاسترو: إنّها مجرّدُ حالةٍ عابرةٍ، محضُ مناسَبَةٍ للنزعة الخطابيّة السطحيّة.

على المقلب الليبراليّ العربيّ محضُ تردادٍ لكليشيهات الإعلام الغربيّ السائد عن "غياب الديموقراطيّة" و"استفحال القمع"؛ علمًا أنّ هذا الإعلامَ الغربيَّ نفسَه لا يتردّد في وصف الملك السعوديّ بـ"الإصلاحيّ،"(2) ووصفِ شمعون بيريز بـ"محاربٍ من أجل السلام."(3) فالإعلامُ الغربيّ السائد، لا كلُّ إعلامٍ غربيٍّ بالطبع، محكومٌ بمنطق المصالح السياسيّة للنخب الحاكمة في الغرب. تتماهى الأجندةُ الليبراليّةُ العربيّة مع مثيلتها في الغرب؛ لا تمايز ضمن المنظومة الليبراليّة الواحدة.

أمّا على مقلب أدعياءِ "معاداة الإمبرياليّة"، فثمّة تردادٌ لا جديدَ فيه لدور كاسترو، الرياديِّ والمفصليِّ طبعًا، في دعم الحركات التحرّريّة من الاستعمار على مرّ القرن العشرين. عند هؤلاء يتوقّف التاريخُ عند تلك الحقبة، رغم أنّ كاسترو حافظ، قدرَ المستطاع وتحت الضغوط، على ذلك النهج إلى آخر أيّامِه، عكسَ الحكّام العرب ــــ ومنهم مَن أَفسدَ وسَرق واغتنى ووَرَّث وأسهمَ في قتل شعبِه وتدميرِ مدنه، بمشاركة الخارج الحليفِ أو المتآمر. الممانعون الجدد هؤلاء يُشْهرون النموذجيْن الخليجيّ والداعشيّ بديلًا أوحدَ لِما هو قائمٌ في حالِ انهياره. غير أنّ التجربة الكوبيّة، خلافًا للمقارنة السهلة مع الحكم الخليجيّ، تكشف زيفَ التحجّج بـالاستعمار والحصارِ الخارجيّ وانهيارِ المعسكر الاشتراكيّ لتبرير شراسة الاستبداد في هذه البلدان: فبدلًا من أن يعمد مُدَّعو "معاداة الإمبرياليّة" إلى مقارنة معدّلات كوبا المُشرِّفة في محو الأمّيّة وتأمينِ الرعاية الصحّيّة والتعليميّة بالمعدّلات البائسة في الدول العربيّة، فإنّهم يقارنونها بالمعدَّلات في الغرب!

هكذا تتحوّل مكتسباتُ كاسترو الاجتماعيّةُ (في الطبّ والتعليم والتأميم لدى أدعياء معاداة الإمبرياليّة)، أو إخفاقاتُه السياسيّةُ (في دمقرطة الحياة السياسيّة لدى الليبراليين)، إلى مجرّد سلاحٍ خطابويّ، لا يرقى إلى النقد المنهجيّ المتَّسق، من أجل مهاجمة الخصم المحلّيّ العربيّ. والحال أنّ غيابَ النقد الملتزم ليس عرضيًّا: فليس عرضيًّا، مثلًا، أن يُشيدَ صحافيٌّ لبنانيٌّ مرموقٌ بكاسترو وبحاكمِ مصرف لبنان في آنٍ واحد، أو أن يرثيَ زعيمٌ طائفيٌّ زبائنيٌّ كاسترو من دون أن يرفَّ له جفن. غيابُ النقد الملتزم في الخطاب يعني غيابَ الالتزام بمنظومةٍ من المبادئ السياسيّة لدى هذه النخبة، وهو يعني ــــ في حالة الكلام عن كوبا ــــ تغييبًا لمفهوميْن يشكّلان ركيزتيْن أساسيّتيْن لاستمراريّة العهد الكاسترويّ؛ عنيتُ الشرعيّةَ الشعبيّة والاشتراكيّة، اللذين يشكّلان مدخلًا ممكنًا للتعرّف إلى كوبا بعيونٍ عربيّة، أي انطلاقًا من الخصوصيّة التاريخيّة لواقعنا العربيّ المعاصر (جدليّة الاستعمار والاستبداد).

 

الحاضران الغائبان: الشرعيّة الشعبيّة والاشتراكيّة

يَختصر الخطابُ الليبراليُّ العربيُّ الديمقراطيّةَ بصندوق الاقتراع وحرّيّةِ التعبير السياسيّ، ويتغاضى عن جوهر الديمقراطيّة، ألا وهو الشرعيّةُ الشعبيّة. هذا الخطاب يوصّف الواقعَ بشكلٍ مسبّق: فلا يكلّفُ نفسَه عناءَ النظر في البيئة السياسيّة للمجتمع الكوبيّ المعاصر، ولا في هيكليّة الحزب الواحد القائمة، أو ماهيّة العلاقة بين القاعدة والهرم، كي يتبيّن مستوى التمثيل الشعبيّ في هذه الهيكليّة من عدمه، أو قدرةَ هذه الهيكليّة على التعبير عن الإرادة الشعبيّة ولو عن غير طريق صندوق الاقتراع.

وفي المقابل، يُفرِغ مدّعي معاداة الإمبرياليّة "التحرّرَ من الاستعمار" من أهمّ ظاهرةٍ رافقتْه في أوج صعوده في الستّينيّات: الاشتراكيّة. وفي حالِ ذِكْرها، فإنّه لا يشرحُ ما يميّزُها في السياق الكوبيّ من السياق العربيّ: كالإبقاء على إصلاحات اقتصاديّة محوريّة، أو كتوفّرها على قدرٍ أكبرَ من الاستقامة الأخلاقيّة والنزاهة ومحاربةِ الفساد والتقليلِ من الزبائنيّة والعشائريّة والفئويّة (علمًا أنّ حكمَ كاسترو لا يخلو من بعض سمات هذه النزعات). ففي حين شكّل التَمسُّكُ بالاشتراكيّة الحدَّ الفاصلَ بين تطوّر العمليّة الثوريّة في كوبا وانهيارِها في البلدان العربيّة منذ مطلع سبعينيّات القرن الماضي، فإنّ الاشتراكيّة، كبنيةٍ اجتماعيّةٍ، لا كشعاراتٍ حقوقيّة، تغيب عن التحليل اليساريّ المؤيِّد لكاسترو، لتحلَّ مكانَها قصصُ محاولات الاغتيال المشوّقة، والصداقات الشخصيّة لكاسترو، والشعارات العامّة عن النصر؛ بل قد يصل الأمر إلى الحديث عن شرعيّة السلاح الثوريّ في كوبا لتبرير السلاح القمعيّ في بلداننا، ولو مواربةً.

هكذا يتمّ تجذيرُ ثنائيّةٍ مقيتةٍ، "الإرهاب أو الديكتاتوريّة،" وتغييبُ جدليّة "الاشتراكيّة والشرعيّة الشعبيّة" التي يمكن أن تفسِّر لنا ــــ ولو جزئيًّا ــــ تفارُقَ مآلات "معاداة الإمبرياليّة" في عصر النيوليبراليّة بين كوبا والعالم العربيّ. إنّ مجرّدَ الإنصات إلى بعض الأغاني الأكثر رواجًا عن كاسترو والثورة لكارلوس بويبلا كفيلٌ بتبيان أنّ الاشتراكيّة والشرعيّة الشعبيّة، لا حُبَّ كاسترو الشخصِ فحسب، هما في صميم الوجدان الكوبيّ الثوريّ، وهما متداخلان إلى حدّ الانصهار. فالاشتراكيّة التي تمنح الشعبَ حقوقَه الاقتصاديّةَ الأساسيّة، وتمنع ظهورَ فروقٍ طبقيّةٍ مهولة، هي إحدى ركائز شرعيّة كاسترو الشعبيّة واستقرارِ نظامِه في محيطٍ معادٍ وغيرِ مستقرّ. وفي المقابل، فإنّ الشرعيّة الشعبيّة المبنيّة على مكتسبات تقدَّم إلى الشعب، لا على شوفينيّةٍ قومجيّةٍ أو على الخوف من البديل، هي التي تحمي الاشتراكيّة، إلى جانب السلاح، من التآمريْن الخارجيّ والداخليّ.

الجدير ذكرُه أنّ محاربة الإمبرياليّة في كوبا (وغيرها) كانت تتمّ، في العقود الأولى للثورة وفي الخطاب العامّ على الأقلّ، عبر محاربة أدواتها المحلّيين الذين يَحتكرون خيراتِ البلاد، لا عبر تبرير فسادهم بحجّة محاربة "الخارج." لكنْ لا وقتَ لرثائيّي كاسترو كي يتعرّفوا إلى كوبا من هذه الزاوية، أو ليتعرّفوا إلى الاشتراكيّة في سياقها الكوبيّ؛ فهم يؤْثرون تمجيدَ الماضي، لا الاحتفاءَ بالحاضر أو نقدَه. فكوبا لم تعد تشبه واقعَهم. بكلام أدقّ: واقعُهم لم يعد يشْبهها.

العالم العربيّ وأميركا اللاتينيّة: رومانسيّة الماضي أمْ ثوريّة الحاضر؟

ليست الاشتراكيّة في كوبا مجرّدَ حنينٍ إلى الماضي وإلى أبطالِه الغابرين، كما هي الحالُ في الأوساط الوطنيّة والشيوعيّة العربيّة. إنّها تجربةٌ معيشةٌ ما زالت موجودةً، رغم كلّ التشوّهات التي أصابتها في عصر النيوليبراليّة.(4) والأهمّ أنّها أصبحتْ حاضرًا ملموسًا خارج كوبا؛ فلقد أعيد إحياؤها في أميركا اللاتينيّة في العقديْن الأخيريْن، بأشكالٍ مختلفة، في فنزويلّا وبوليفيا بشكل خاصّ. اشتراكيّةُ ما بعد الحرب الباردة غيرُ اشتراكيّةِ ما قبلها. وما التماثلُ بين الاثنتين في الخطاب الإعلاميّ العربيّ سوى انعكاسٍ للإفلاس الفكريّ والسياسيّ، أو لاستذكار الماضي من أجل الماضي، لا للثورة على الحاضر.

تُحاكي الاشتراكيّةُ اللاتينيّةُ المعاصرةُ العديدَ من التحدّيات التي تعانيها البلدانُ العربيّةُ اليوم، والتي شكّلت الأرضيّة الاجتماعيّة للانتفاضات الراهنة منذ العام 2011 قبل أن تبتلعها الصراعاتُ الدمويّةُ الداخليّة والخارجيّة. من هذه التحدّيات: ازديادُ معدّلات الفقر والبطالة، واكتظاظُ التجمّعات السكنيّة الفقيرة، والخصخصةُ، والتعدّي على الأملاك العامّة، ورهنُ الثروات الطبيعيّة لحفنة من الناس، وافتقارُ الفرد إلى أدنى مقوّمات العيش الكريم. وقد أتت موجةُ الاشتراكيّة في أميركا اللاتينيّة بعد حقبة من صعود الديكتاتوريّات العسكريّة، بحيث تشكّل مسألةُ الديمقراطيّة بُعدًا أكثرَ حضورًا في أدبيّاتها. فلماذا لا يتمّ استكشافُها كمناسبة لفهم التجربة بكلّ تعقيداتها (نجاحاتها وفشلها)، والاستفادةُ منها في مقاربة الواقع العربيّ لاجتراح حلولٍ ممكنة؟ أليس أحرى، مثلًا، بالسلطات اللبنانيّة إرسالُ بعثةٍ للاطّلاع على النظام الإداريّ الطبّيّ لكوبا، عوضًا من دعوة الرئيس البرازيليّ، المتّهمِ بالفساد وباختلاسِ السلطة، إلى مؤتمرٍ للطاقة الاغترابيّة في البرازيل؟(5) وإنْ تخلّفت القوى اللبنانيّةُ لأسبابٍ تتعلّق بسلطتها، فأين المجتمعُ المدنيّ أو الأحزابُ اليساريّة من ذلك؟

أثناء زيارتي المقتضبة إلى كوبا، في أيّار (مايو) من العام ٢٠٠٨، وجدتُ هافانا الاشتراكيّة خضراءَ تزدان بالساحات العامّة، لا كبيروت "الحرّة": صحراءَ من الباطون، بلا رمالٍ أو شواطئ. دخلتُ قصرَ الديكتاتور المخلوع باتسيتا كما يدخل سائحٌ سياسيّ متحفًا وطنيًّا؛ فهو بيتٌ للثورة، لا بيتٌ للوسط الخالي من أيّ انتماء، أو بيتٌ "لشعبٍ" هُدرتْ حقوقُه. في كوبا جهدتُ كي ألاحظَ صورةً واحدةً لآل كاسترو، كصور العائلات الحاكمة التي تطاردُك في بلادنا؛ لكنّهم في كوبا يُبَدّون قادتَهم الذين قضوْا في النضال، كتشي غيفارا وكاميليو سيَن فويغوس، على حكّامهم، ويقتبسون الشعاراتِ التي تمجّد المفاهيمَ الثوريّة، لا صفاتِ الحاكم شبهَ الإلهيّة. وقد كرّس كاسترو هذا النهجَ عبر رفضه لعبادة الأشخاص، وعبر وصيّته قبل مماته بعدم تشييد أيّ تمثالٍ له أو تسمية أيِّ شارعٍ باسمه.(6) في كوبا، شاركتُ في إحياء ذكرى النكبة الفلسطينيّة بدلًا من أن أطالِبَ بأبسط حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أو بالتنديد بسجنٍ للتعذيب في دمشق اسمُه "فرع فلسطين." وفي كوبا وجدتُ أيضًا تململًا من قلّة الخيارات الاستهلاكيّة، وانتشارًا لأحياء فقيرةٍ ولبنًى تحتيّةٍ مهترئة.

كلُّ ذلك لا يتعدّى انطباعاتٍ شخصيّةً أوّليّةً، مضى عليها قرابة العقد. وما استحضارُها اليوم إلّا من أجل الدعوة إلى النظر في التجربة الكوبيّة بعيونٍ مفتوحةٍ على كلّ الاحتمالات. فأنا، كمعظم مَن كتب في الإعلام اللبنانيّ عن كاسترو إبّان وفاته، أجهلُ عن كوبا أضعافَ ما أعرفه.

هيوستن

1- اعتمدتُ بشكل خاصّ على ما نُشر في السفير والأخبار والنهار.

 
اتّصل بنا من نحن دار الآداب