Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

"كامل الأوصاف"

قصة قصيرة

 

 

يتّصل أبي ليسألَني إنْ كنتُ أرغب في مرافقته إلى البحر لصيد السمك بالسنّارة. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكنتُ أتهيّأ للنوم.

قلت بعفويّة: "صيد السمك؟"

أجابني بأسلوب الأفلام الغربيّة: "ما الذي لم تفهمْه؟"

بعد دردشة قصيرة اتّفقنا على أن يبكّر صباحًا ويصطحبَني معه. وفاجأني بإنهاء المكالمة كأنّه خاف أن أغيّر رأيي. كان أبي من هواة صيد السّمكِ، لكنّه غير مهووسٍ بالأمر، على خلاف صديقه نديم، الملقّب بـ"الشّص،"(1) الذي تربطه بوالدي علاقةٌ رفاقيّةٌ منذ أيّام الطفولة. لكنّ ظروف الحياة باعدتْ بينهما قليلًا: فأبي، الذي صار "الأستاذ كامل" بعد نيله الشهادةَ الجامعيّة في علم الفيزياء، ومن ثمّ "الدكتور كامل" بعد عودته من ألمانيا حاملًا هذا اللقب ومُنهمِكًا في التدريس الجامعيّ والبحث العلميّ، لم يكن لديه الوقتُ الكافي لعلاقاته الاجتماعيّة. لكنّه بقي حريصًا على مدِّ خيوط الودِّ وتمتينها مع بعض رفاق الطفولة والشباب، وأوّلُهم الشّص.

والشصّ صيّادُ سمك، سكّير، وخيّاط بارع. لم يُكمل دراستَه، وتعلّم الخياطة النسائيّة عند أشهر خيّاطي المدينة، قبل أن يفتتح مشْغلَه الخاصّ، ويتزوّجَ من إحدى زبوناته التي افتُتنتْ بدماثته ووسامته، ليطلّقَها بعد أقلّ من ستّة أشهر، وليتزوّجَ بأخرى (زبونةٍ له أيضًا)، ليطلّقها كالسّابقة، ويُكمل حياتَه حرًّا ماجنًا مع دزينة من العشيقات.

لم تكن والدتي تحبُّ هذا الشّصّ بسبب تهتّكه، وخوفِها من تأثّر والدي بأجوائه. وكانت تُنهي دائمًا مشاحناتِها معه قائلةً باستنكار: "أريد أن أفهم، ما الذي يجمعك مع رجلٍ لقبُه الشصّ؟!" وكان أبي الصبور يبتسم بهدوء كعادته، ويرد: "إنّها الحياة يا كوثر، إنّها الحياة."

***

حاول أبي منذ صغري ربطي بعالم البحر، لأنّه "أُمُّنا" بحسب فلسفته. وكان يُسهب في الكلام أحيانًا، فيقول إنّ أهل مدينتنا ــــ والمدنِ الساحليّة عمومًا ــــ محظوظون: يكفي المرءَ أن يأتي بخيط وسنّارة وقصبة، وسيحصل على طعامه خلال ساعات. بالإضافة إلى المناخ المعتدل، إذ لا حاجة إلى الصراع مع الطبيعة من أجل لقمة العيش، لأنّ الأرض مليئة بالخيرات كيف اتّجهتَ. وأكمل أبي فقال إنّ ما كان يحصل هنا، منذ فجر التاريخ، ليس صراعًا؛ بل تُمْكن تسميتُه "حوارًا مع الطبيعة،" تطوَّر عبر الزمن، ورَاكَمَ خبراتٍ شكّلتْ إضافةً مهمّةً في تاريخ المعارف البشريّة. فقد وَجَدَ أجدادُنا ــــ الذين عاشوا هنا قبل آلاف السنين ــــ الوقتَ الكافي للتأمّل، وكتابةِ الشعْر والملاحم، وإبداعِ أَكملِ أبجديّات العالم القديم، وكتابةِ أوّل نوتة موسيقيّة عرفتْها البشريّةُ قبل حوالي 3500 عام، والتفوّق في صناعة المنسوجات والسفن والأصبغة ورصف الطرقات وبناء القصور والمكتبات... وكلِّ ما من شأنه أنْ يُنظّم مجتمعَهم ويجعلهم يعيشون حياةً أقرب إلى الرفاهيّة قياسًا بالكثير من الشعوب الأخرى التي كانت تصارع الطبيعة والمناخ القاسي من أجل البقاء.

كان أبي يقصّ عليّ الكثير من القصص عن الأوغاريتيين(2) وملوكِهم وآلهتِهم وأساطيرِهم. كلّ ذلك ونحن نستمتع بممارسة صيد السمك بالسنّارة، وجبلُ الأقرع(3) يقفُ شاهدًا في الأفق البعيد، مُكلَّلًا بالغيم وبقايا الثلوج. وفي نهاية اليوم كنّا نعود محمَّلين بفراخ البوري والغريبة،(4) والكثيرِ من المعلومات والأسئلة التي بقيتْ تضجّ في رأسي، وجعلتْ منّي ابنَ البحرِ والجبلِ والماضي والمستقبل... بالإضافة إلى كوني ابنَ الأستاذ كامل والسيّدة كوثر الرائعيْن.  

***

في تمام السادسة صباحًا ــــ كما اتّفقنا ــــ كنتُ مع أدوات الصيد أنتظرُ على الرصيف. مضى ربعُ ساعة ولم تظهرْ سيّارةُ العجوز، ووجدتُها فرصةً للنيل منه؛ فوالدي من النوع الذي يُقدّس الوقت، ودائمًا يأتي قبل موعده. أذكر أنّني سألته يومًا عن السبب، فقال: "أستمتعُ بمراقبة الآخرين!" وأذْكرُه، في طفولتي، حين كان ينتظرني بابتسامته الدائمة على الرصيف المقابل لباب مدرستي، بحيث أراه من دون مشقّة لحظةَ خروجي. ولم يحصل أن تأخّر يومًا. وبقي على هذه العادة حتّى صرتُ في المرحلة الإعداديّة، وانتقلتُ إلى مدرسة قريبة من منزلنا، فلم يَعُد مضطرًّا إلى ذلك إلّا في الأيّام الماطرة؛ فكنت أراه بانتظاري، والمظلّةُ في يده، من دون موعد مسبّق أو اتّفاق.

مضى الوقت وأنا في شرودي. وعندما نظرتُ إلى ساعتي، ووجدتُها السادسة والنصف، شعرتُ بالهلع. حاولتُ الاتّصالَ به، فوجدتُ جوّالي خارج التغطية. تحرّكتُ إلى رأس الشارع، لكنْ لم يتغيّر شيء؛ لا شبكة هناك أيضًا! كان بيتي في الطابق الرابع. بلغتُه ركضًا في دقيقة. التقطتُ سمّاعةَ الهاتف الأرضيّ وطلبتُه. رنّ الهاتف ورنّ، ولم أتلقَّ ردًّا. فطلبتُه على جوّاله؛ كذلك لم يردّ. في تلك الأثناء، استيقظت زوجتي إيزابيل على الضجّة التي أحدثتُها. وقبل أن تسألني، قلت بخوف: "والدي لا يردّ على الهاتف الأرضيّ، ولا على الجوّال."

***

توفّيتْ والدتي كوثر قبل ثلاث سنوات بمرض السرطان، تاركةً أبي مع ذكرياته وكتبه وموسيقاه، بعد أن عاشا قصّة حبّ جميلة في شبابهما. أبي من طائفة، وأمّي من طائفةٍ أخرى. وكان جدّي ــــ والدُها ــــ  يعارض علاقتهما بشدّة؛ بل هدّد بالتبرّؤ منها إنْ تزوّجته. وفي المقابل هدّدتْه بأنْ تذهب مع حبيبها "شريدة"(5) إنْ لم يوافق. لكنّه بقي على موقفه. فهربا في ليلةٍ ظلماء، وتوجّها إلى قرية أبي النائية، حيث الجبالُ الشاهقة والوديانُ السحيقة وغاباتُ الصنوبر والبلوط والسنديان. وتقول الحكاية إنّ جدّي لأبي ذهب إلى المدينة في اليوم التالي من دون أن يخبرهما، وأنّه زار بيتَ العروس بعد أن عرف اسمَ والدها والعنوانَ بطرقه الخاصّة؛ فطمأنَ أهلها وأقسم أنْ لا يحصل ما يسيء إليهم ما دام على قيد الحياة. الغريب أنّهم وافقوا! وهكذا انتهت المشكلة، وصار عرسٌ رقصَ فيه الجميع.

ولأنّ الحكاية مُكرّرة كثيرًا، فقد شككتُ بصحّتها. إلّا أنّ أمّي أكّدتها لي، ولولا ذلك لما صدّقتُها. فقد كانت علاقةُ أبي بجدّي لأمّي من أفضل ما يكون، ولطالما سمعتُه يردّد: "كامل ابني وصهري وسندي." وأذكر أنّه مازحه مرّةً، وقال مشيرًا إلى أمّي: "إنّا أعطيناكَ الكوثر..." فضحك أبي وأكمل الآية. ثمّ وعده بفرّوج مشويّ على الفحم، وليتر محترم من عرق التين.

***

بعد زواج أختي وسفرها إلى أمريكا الصيفَ الماضي، ازداد الوضعُ سوءًا بالنسبة إليه. وصرتُ أحاول أن أكون معه كلّما استطعتُ، رغم ضيق وقتي وانشغالي: نتناقش حول كلّ ما يخطر في البال، أو نلعب الشطرنج، أو طاولة الزهر، أو الكونكان.(6) وكنّا نتبادل الكتب؛ فأستعير منه الكتب العلميّة، وأعيرُه الرواياتِ ودواوينَ الشعر. وعلى الرغم من معلوماته الموسوعيّة واعتداده بثقافته، إلّا أنّه كان من التواضع بحيث يقول ببساطة "لا أعرف" إنْ سألتُه عن أمرٍ لا علمَ له به. كما كنّا نشاهد الأفلام معًا، وعندما يأتي بفيلم جديد كان يتّصل ويسألني بمرح: "صالة أَمْ بلكون؟" وفي نهاية كلّ فيلم، كان يُعبّر عن رأيه بكلمات موجزة، مثل "ما بيسوى" أو "فخم،" ثمّ نبدأ نقاشًا طويلًا مع فناجين الشاي شتاءً، أو زجاجات البيرة صيفًا. وغالبًا تنتهي السهرة بجملته المعتادة: "العمر بيخلص والحكي ما بيخلص،" فنفهم أنّه يريدنا أن نغادر إشفاقًا علينا، لأنّنا يجب أن نستيقظ باكرًا للذهاب إلى العمل، لا لأيّ سبب آخر. أمّا في أيّام العطل، فكان يتمسّك بنا، ونسهر حتّى ساعات الفجر الأولى، وننام عنده، لنستيقظ في وقت متأخّر على صوته الشجيّ أثناء تحضيره القهوة، وهو يدندن مقطعًا من أغنية لعبد الوهّاب أو فيروز. وبمجرّد شعوره بحركتنا، كان يرفع من طبقة صوته، فتشاركه إيزابيل الغناءَ وهي بعدُ في السرير. ثمّ يأتي السؤال الكلاسيكيّ حين مروري به وأنا في طريقي إلى الحمّام، فيهمس في أذني:

ــــ ما وصيّتولنا عَ شِي؟

وكنتُ أجيبه دائمًا: "وصّينا وما وصّينا."

كان يحلم برؤية حفيدٍ له، وينعتنا بالكسالى لأنّنا لا نحقّق له هذا الحلم. لكنّ ظروفنا كانت تحُول دون ذلك: فعملُ إيزابيل في المشفى والعيادة طبيبةَ أطفال، وهي في بداية مسيرتها المهنيّة؛ وعملي في مجال السياحة والخدمات يأخذ منّي الكثير من الوقت لكوني في بداية التأسيس؛ بالإضافة إلى عدم قناعتنا بالتورّط في حياة أُسريّة حقيقيّة قبل تهيئة الظروف المناسبة لوجود طفل. وكلّ ذلك كان يمنعنا لا من تحقيق رغبته وحدها، بل رغبتنا أيضًا.

أحبّته إيزابيل منذ اللحظة التي قدّمتُها له فيها صديقةً وحبيبةً. كان شعورًا متبادلًا. وقد عبّر عن ذلك على طريقته بعد مغادرتها؛ فقال غامزًا: "عليك أن تغار منّي بعد اليوم." وتوطّدتْ علاقتُهما بعد زواجنا، وكنتُ سعيدًا بهذه العلاقة التي أحيتْ روحَه من جديد. وبدورها قالت لي بعد فترة إنّها تحبّه كوالدها، بل أكثر ــــ فقد انفصل والدُها عن أمّها وهي طفلة تكاد لا تعرفه ــــ وصار هو الآخر يعاملها كما لو أنّها ابنته من صلبه. كنتُ في كثير من الأحيان أتلقّى منها رسائلَ قصيرةً على جوّالي تبدأ بكلمة "حبيبي" وتنتهي بـ"أنا عند عمّو، ناطرينك ع الغدا،" مع بعض العبارات الغريبة التي تبرع في صياغتها، مثل: "ضع فرس النهر في البرّاد،" أو "لا تقترب من البعيد،" أو "ارسم خطًّا في أيّ مكان." وكانت تنجح في رسم ابتسامةٍ على شفتيّ، تتحوّل أحيانًا إلى قهقهة تحرجني أمام الناس. واكتشفتُ لاحقًا أنّ هذه اللعبة أعجبتْه هو أيضًا، وصار يقترح عليها بعضَ العبارات المشابهة فترسلها إليّ، وكنتُ أميّزها؛ لا أعرف كيف!  

***

حاولتْ إيزابيل إخفاءَ القلق الذي نقلتُه إليها. وانشغلتْ بالهاتف الأرضيّ نيابةً عنّي، بينما كنتُ قرب النافذة أنقّل نظري بينها وبين الشارع، علّه يَظهر ويُنهي هذا الخوف. مضى بعض الوقت في محاولات متكرّرة للاتصال به، ثمّ في محاولات يائسة للاتصال بالشّص الذي يسكن على بعد مبنييْن منه، لكنْ دون جدوى؛ فهو الآخر لا يردّ. لم نستطع الانتظار أكثر، وخلال دقائق كنّا في سيّارة أجرة منطلقين إلى الطرف البعيد من المدينة. في الطريق عادت الشبكة، وحاولتُ الاتّصالَ به من جديد، لكنّ خطّه كان مُغلقًا هذه المرّة، فازداد قلقي. كذلك الحال مع إيزابيل، التي كادت تبكي وهي تراقب نظراتي المفزوعة وتوتّري. كنت أطلب الرقم المرّة تلو المرّة وأحثُّ السائق على السرعة، ولم أتلقّ سوى صوت المجيب الآليّ الذي يخبرني: "إنّ الرقم المطلوب مغلق أو خارج نطاق التغطية..."

عندما اقتربنا من الحيّ الذي عشتُ فيه أيّام طفولتي ومراهقتي وشبابي، وحيث لا يزال والدي يسكن في بيتنا القديم، شعرتُ برهبة فظيعة، وتبدّلتْ مشاعري خلال لحظات: صرتُ أتمنّى ألّا نصل أبدًا. أن يطول الطريق. أن تتعطّل السيّارة. أن يحصل ما يمنعنا من الوصول. وخطر في بالي فجأةً أنّ هذا كلّه مجرّدُ كابوس، وعليّ أن أستيقظ الآن. كنتُ خائفًا ممّا يمكن أن أراه بعد دقائق: تذكّرتُ يوم وفاة والدتي، وكيف وجدتُها ممدّدةً على الأرض عند مدخل البيت. تذكّرتُ كيف خاطبتُها، وكيف شعرتُ بالذعر حين لم تردّ. تذكّرتُ برودةَ جسدها ونظرتَها التائهة. لم تكن أمّي في تلك اللحظة؛ كانت امرأةً ميتة وحسب، فأمّي لا تموت. رفض عقلي تقبّلَ الفكرة لعدّة ثوانٍ، ولم أعرف كيف أتصرّف إلى أن سمعتُ صوتَ جوّالها يرنّ، على الأرض قربها. نظرتُ إلى شاشته، وقرأتُ "كامل الأوصاف"؛ هكذا كانت تنادي أبي. فتحتُ الخطّ، ولا أذكر ما قلتُه. لكنّني وجدتُ أبي بعد دقائق قربي وأنا على حالي: ممسكًا بيدها، والذهولُ في عينيّ.

***

عند المنعطف الأخير، قبل وصولنا إلى الساحة الصغيرة أمام البيت، طلبتْ إيزابيل من السائق التوقّف، وقالت لي بحبّ: "أرجوك، خُذ نفسًا عميقًا واهدأ." ثم ضمّتني إلى صدرها، وتابعتْ: "إنّه بخير. لا تستبقِ الأمور." انفجرتُ بالبكاء واحتضنتُها. ثمّ انتبهتُ إلى السائق؛ كان ينظر إلينا في المرآة بطريقةٍ غريبة، فاعتذرتُ وطلبتُ منه متابعة المسير. حين ترجّلنا من السيارة تمالكتُ نفسي بصعوبة، وصعدتُ الدرجاتِ الخمس الموصلة إلى الباب. وهناك، سمعت صوتَ موسيقى آتية من الداخل، فاجتاحتني رجفةٌ عظيمة، ولم أتجرّأ على قرع الجرس. كانت إيزابيل ملتصقةً بي من الخلف، فأمسكتُ بيدها لأستمدّ القليلَ من الشّجاعة، ثمّ ضغطتُ بالأخرى على زرّ الجرس كمن يضغط على زرّ تفجير. سمعنا بعد برهة صوتَ خطوات. ثمّ فُتح الباب ليظهر وجهُ أبي اللطيف بابتسامته "القاتلة،" فرميت بنفسي إلى حضنه، وكذلك فعلتْ إيزابيل. ضمّنا إلى صدره قائلًا، كأنّ شيئًا لم يكن: "تأخرتم كثيرًا... بردت الشاي."

عندما دخلنا، عرفنا أنّه يعدّ طعامَ الفطور. ووجدنا الشّصّ جالسًا في الركن البعيد من الصالون يدخّن الغليونَ بهدوء. لم أفهم ما يحصل. وتحوّلتْ مشاعري، خلال لحظات، من الخوف إلى الغضب. كنتُ على وشك الانفجار في وجهه، عندما رأيتُ إيزابيل تشير إليّ خفيةً، وترجو مني أن أهدأ. كظمتُ غيظي. في تلك الأثناء، كان يذهب إلى المطبخ ويعود حاملًا الصحونَ والفناجينَ وعلبة السكّر، مُطلقًا من بين شفتيه صفيرًا مُتقنًا يحاكي لحنَ أغنيةٍ قديمةٍ لعبد المطّلب. عندما تذكّرتُ كلماتِها شعرتُ بغصّة، وطفرتِ الدموعُ من عينيّ. وفجأةً بتّ أراه بطريقةٍ مختلفة: لقد صار أكبر سنًّا! لاحظتُ حركتَه البطيئة، ورجفةَ يديه الخفيفة، وانحناءةَ ظهره، وانكماشَ حجمه، ونحولَه، والنمشَ على ظاهر كفيّه، ونظراتِه القليلةَ التركيز. لقد أصبح شخصًا آخر. كيف لم أنتبه إلى هذه التغيّرات قبل الآن؟ كيف لم ألاحظ؟ ثمّ دخلتُ في دوّامة من الأفكار أخذتني بعيدًا إلى الماضي:

إلى رائحة معجون الحلاقة، وشذا عطره صباحًا قبل خروجه إلى العمل؛ إلى صوت أمّي وهي تشاكسُه طالبةً إليه عدمَ التكلّم مع النساء؛ إلى ابتسامته وهو يقدّم إليّ هديّةَ نجاحي في البكالوريا؛ إلى قامته المديدة وشعرِه المصفّف بأناقة واهتمام؛ إلى يده الحنون؛ إلى  كلّ ما كان يجعله في نظري "الرجلَ الخارق" الذي كنتُ أشعر بالأمان لمجرّد التفكير فيه.

***

كنتُ أغوص في الماضي غارقًا في التفاصيل، حين وقف الشّصّ، فأخرجني من شرودي صوتُ كرسيّه ووقعُ خطواته. وعندما التفتُّ إليه رأيتُ في نظراته الكثيرَ من العتب، الذي تجلّى في صوته حين اقترب منّي وسألني همسًا:

ــــ متى زرتَه آخرَ مرّةٍ يا بنيّ؟

اللاذقيّة

 

1 ــــ سنارة السّمك. وتلفظ أيضاَ بالصّاد: صنّارة.

2 ــــ جبلٌ يقع شمالَ مدينة اللاذقيّة. ويقال في الأسطورة إنّ الإله "حدد" اتّخذ من قمّته مكانًا لسكنه.

3 ــــ نسبة إلى أوغاريت: مملكة قديمة كشفتْ أنقاضها في تلّ أثري يُدعى رأس شمرا في اللاذقيّة.

4 ــــ نوعان من السمك. ويقال للسمكة الواحدة "فرخ" بلغة الصيادين وأهل المنطقة عمومًا.

5 ــــ خطيفة.

6 ــــ من ألعاب الورق.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب