Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

لماذا لا أصنع القهوة؟

قصة قصيرة

 

كانت الساعة تقارب العاشرة مساءً حين غادرت الشاحنة التي نقلتْ فَرشَ بيتنا إلى البيت الجديد. كانت أغراضنا موزّعةً في كلّ مكان، كمخلّفات إعصارٍ مرّ من هنا. لكنّ المشهد كان، بالنسبة إلينا، يدعو إلى التفاؤل؛ فها نحن نبدأ مرحلةً جديدةً في حياتنا. صحيح أننا كنّا مُتعبين لكنّنا كنّا كذلك سعداء؛ فأن تمتلك بيتًا بعد سنواتٍ من التنقّل في بيوت الإيجار، لهو أمرٌ يدعو إلى السعادة، حتّى لو كان جحرًا، فما بالكم ببيت مساحته مئة وعشرون مترًا؟!

كنتُ قد نقلتُ البارحة فرنَ الغاز وكلّ مستلزماته إلى البيت الجديد، ووضّبتُ المطبخ مع زوجتي، صاحبةِ الفكرة؛ لذا كان المطبخ أكثر ترتيبًا، وكان من السهل تحضيرُ الشاي أو القهوة، بل الطبخُ وسط هذه الفوضى لو استلزم الأمر. وبلا جهد، وجدتُ الركوةَ والفناجين، وكانت المياه متوفّرة، ومثلها الغازُ، فلماذا لا أصنع القهوة؟ نظرتُ إلى الركوة، فوجدتُ فيها شيئًا مختلفًا، كأنّها ليست ركوتنا؛ كانت أصغر حجمًا وأقدم عمرًا! وضعتُها على النار بعد أن ملأتُها بالماء. ولا أعلم لماذا تذكرتُ أنّ الدمشقيين ـــــ ويا لَلغرابة ـــــــ يسمّونها "دولة!" وقررتُ البحث عن المعنى في القواميس أو على شبكة الإنترنت متى أتيح لي ذلك.

كنتُ شارد الذهن، أفكّر في التعب الذي ينتظرنا لترتيب بيتنا الجديد. وكنتُ ممتنًّا للأصدقاء الذين ساعدونا في عملية النقل، ولولاهم لدفعنا مبلغًا كبيرًا من المال، ولتعرّض الكثيرُ من الأثاث للعطب نتيجةً للامبالاة التي تميِّز "الشغيلة." ثمّ عادت الركوة التي بدأ الماءُ يهمس في داخلها لتشغل فكري، فوضعت نظريّةً تفسّر اختلافَ شكل الركوة (الذي لم يكن مختلفًا في الواقع)، وفكّرتُ في أنّ اتّساع المطبخ الجديد قياسًا على مطبخنا القديم هو ما جعلني أراها أصغر؛ أمّا ما بدا لي من قِدمها، فسببه جدرانُ السيراميك النظيفة المحيطة بها.

في هذه الأثناء كنت أضع عدّة ملاعق صغيرة من البنّ فوق الماء، وأحرّكه كي لا يفور. أنجزتُ المهمّة وكنتُ سعيدًا بحلّ لغز الركوة، فعدتُ من المطبخ حاملًا صينيّةً فيها كاملُ العدّة لأجد عبّاس، صديقَنا الذي ساعدنا في عمليّة النقل، ممدّدًا فوق كرتونة الكتب الكبيرة، وصوتُ شخيره يملأ المكان. ابتسمتُ للمشهد وأشفقت عليه؛ فالمسكين بذل جهدًا كبيرًا، هو والآخرون، الذين فضّلوا الذهابَ إلى بيوتهم البعيدة، والعودةَ غدًا مساءً لمساعدتنا، بينما عبّاس يسكن في الطابق الأخير من المبنى ذاته. وكان هذا من أهمّ الأسباب التي دعتنا إلى الانتقال إلى هنا؛ فلطالما شجّعني بالقول: "يا أخي! ألا تعرف أنّ الجار قبل الدار؟" وكنتُ أردّ مازحًا: "جاري النقل." فيجيبني: "بليز، دونت ديليت."

على خلاف إخوته، لم يتزوّج عبّاس، وبقي يعتني بأمّه وأبيه العجوزيْن إلى أن أخذ الربُّ أمانته بفارقٍ لا يتعدّى الشهر بينهما. كان والدُ عبّاس ثريًّا، أنفق معظمَ ثروته في خساراتٍ متواترةٍ على طاولة القمار، وفي معاقرة الخمر وبين سيقان النساء، ما جعل أم عبّاس تسرق، كلّما استطاعت، بعضَ المال والمجوهرات من خزنته بعد أن تحتال عليه، فتأخذَ المفتاحَ الموضوع بحرص في جيب صغير داخل سترته، مربوطًا بإحكام بدبّوس ذي قفل. وكان هذا يحصل غالبًا قبل كلّ لقاء جنسيّ بينهما أو بعده ـ لم يفطن الزوجُ المخدوع لهذه السرقات لكثرةِ ما يملك من مال ومجوهرات في خزائن عدّة موزّعة بين منزله ومكتبه، بالإضافة إلى حساباته الماليّة في أكثر من بنك. أحدُ هذه البنوك كان في بيروت، يقصده كلّ عدّة أشهر ليودع فيه مبالغَ كبيرةً ضمانةً للمستقبل. وهذا البنك بالذات كان أحدَ أسباب انهيار وضعه الماليّ، وكاد يتسبّب بمقتله بأزمةٍ قلبيّة حين أعلن أصحابُه الإفلاس بعد أزمة ماليّة مرّت بها البلاد. كان البنكُ لعدّة شركاء: أحدُهم أرملةٌ يهوديّة، صديقة لأبي عبّاس، تمنّت عليه في جلسةٍ حميمةٍ أن يودعَ أمواله عندهم، بل أغرته بأن يَدخل معهم شريكًا، وكاد يفعل، إلّا أنّه تراجع في آخر لحظة، واكتفى بكونه زبونًا دسمًا يتمتّع ببعض المزايا الخاصّة لرجال الأعمال، وبزياراتٍ ليليّةٍ خاصّةٍ لها في بيتها الريفيّ الجميل.

إذًا، لولا السرقاتُ البريئةُ للسيّدة أم عبّاس لكانت تبدّدتْ ثروتُهم بالفعل حتّى آخر قرش. أما أين كانت تخبّئ مسروقاتها فلا أحد يعلم على الإطلاق. وقد استخدمتْ هذه الثروة الصغيرة من المسروقات في مناسباتٍ عدّة، مثل زواج ابنتيْها، ليما وديما، وأخيهم الصغير ميناس؛ كما استخدمتْها في تمويل عبّاس أثناء دراسته الثانويّة والجامعيّة، وفي دعمه ماليًّا خفيةً عن أبيه لإخراجه من الإخفاقات التي كان يتعرّض لها أثناء محاولاته الدخولَ في عالم "البزنس،" قبل أن يقتنعَ بعدم أهليّته لهذا الشيء، ويجدَ لنفسه وظيفةً في إحدى المؤسّسات الحكوميّة. هكذا بقي سرُّها نائمًا في صدرها بأمان إلى أن مات زوجها، وأحسّت بقرب أجلها هي الأخرى، فطلبتْ إلى عبّاس الجلوس قربها لتبوح له بسرّها. وهذا ما حدّثني به عبّاس:

جلستُ قربها على طرف السرير، ولم أدرِ عن أيّ شيء ستتكلّم. وعندما بدأتْ حديثها ظننتُها تهذي: فنحن نعيش منذ عشر سنوات في ضائقةٍ ماديّة، وبصعوبةٍ يكفينا راتبي الشهريُّ وبعضُ المساعدات من أخي وأختيّ المهاجرين خارج البلاد؛ كما نعتمد على القليل الذي يأتينا من قطعة الأرض الصغيرة التي لم يبعها والدي لأنّ أمّي هدّدتْ بالانتحار إنْ فعل، بل أخرجتْ من جيبها مسدّسًاصغيرًا ووضعتْ فوهته في فمها وأصبعَها على الزناد، فأقسم بأن لا يبيعها بل سيسجلها باسمها في صباح اليوم التالي. صدّقته وأعادت المسدّس إلى جيبها، فيما انهار هو على الكنبة القريبةغير مصدّق ما حصل. وبعد أيّام قال لها، وهما خارجان من مديريّة المصالح العقاريّة: "ليتكِ هدّدتني منذ أمدٍ بعيد؛ لكنتِ أنقذتِنا ممّا نحن فيه." فأجابته بجديّة بالغة: "حينها كنتُ سأضطرّ إلى الضغط على الزناد." فغر فاه، فتابعتْ: "لأنّكَ في ذلك الزمن كنتَ عنيدًا كالتيس، وما كنتَ لتتراجع عن رأيك ولو وضعتُ في فمي مدفعًا لا مسدسًا بهذا الحجم." ضحك وتمتم: "معكِ حقّ." وعندما سألها من أين جاءت بالمسدّس لم تجبه. واختفى المسدس، ولم يره أيٌّ منّا منذ ذلك اليوم.

روى لي عبّاس القصّة كاملة، وفي النهاية ذكر أنّها أعطته رقمَ حسابٍ في أحد البنوك، فيه مبلغ محترم من المال. وكانت قد جعلته شريكًا لها في الحساب، ومفوّضًا في كلّ شيء. ثمّ أوصته برغبتها في أن تُدفن في مقبرة القرية، بعيدًا عن قبر زوجها الذي دُفن في المدينة، وتمنّت عليه أن يهتمّ بطقوس دفنها، وأن تكون "قدّ المقام." فعل عبّاس ما أرادت بخصوص الدفن، لكنّه اقتسم المبلغَ مع إخوته. كذلك باع الذهب الذي وجده حيث أخبرته في خزانتها، وحصل لقاءه على مبلغ إضافيّ جعله يشعر بأنّه محميّ ماليًا لعشرات السنوات.

***

كان شخير عبّاس على حاله حين أزحتُ بعضَ الأغراض عن الطاولة القريبة لأضعَ ما بيدي، الأمر الذي أخرجه من غفوته. "رأيتُ حلمًا رائعًا،" قال وهو يتمطّى، "ليتكَ تركتني نائمًا بضع ثوان إضافيّة. كنتُ على وشك تقبيلها." سألته وأنا أرتّب الأشياء المحيطة بنا: "من هي سعيدة الحظ؟" فقال: "لا أعرفها، لكنّها تشبه إلى حدّ كبير باولا أرمولاندا." وعندما أثنيتُ على خياره سألني: "هل تعرفها؟" قلت: "ومَن لا يعرف باولا أرمولاندا!" فانفجر ضاحكًا، وتبيّن أنْ لا وجود لشخصيّة بهذا الاسم، وأنّه اخترعها في تلك اللحظة ليمازحني. وانْطَلَتِ اللعبةُ عليّ، أنا الذي جاملتُه وحاولتُ مشاركته همومَه الجنسيّة والتهوينَ عليه، فانقلب السحر على الساحر بغمضة عين.

بعد فقرة الضحك، مدّ يدَه إليّ بمجموعة من الأوراق المضمومة على شكل لفافة بوساطة شريطٍ من المطاط. قال: "انظر ماذا وجدتُ بين هذه الكراكيب!" أخذتُ اللفافة وفتحتُها، لأجد مخطوطاتٍ مبعثرةً من قصص كنتُ بدأتُ بكتابتها منذ سنوات ولم أتمّها، وعندما أردتُ العودة إليها لم أجدها وبقيتْ ضائعةً في بيت أهلي، ثمّ يبدو أنّها انتقلتْ مع أغراضي إلى بيت الزوجيّة، ونسيتها إلى أن رأيتُها الآن بين يديه. سألته: "هل فتحتها؟" فأومأ برأسه إيجابًا، وأضاف: "تصفّحتُها قبل أن أغفو، لكنّني لم أفهم شيئًا. هل هي رواية؟" قلتُ: "إنّها مسوّدات لمجموعة قصص كنتُ أعمل عليها قبل خمسة عشر عامًا على أقلّ تقدير، ثم فقدتُها." استغرب عبّاس أن تكون المسوّداتُ بهذا الشكل، وقال: "ما قرأتُه في الصفحة الأولى يبدو كأنّه مأخوذ من رواية. كيف تبدأ حكايةً من منتصفها هكذا من دون مقدّمات؟ أنت تكتب كما يفكّر المجانين." ابتسمتُ لدعابته، وفتحت اللفافة ثانية لأقرأ بصوت عالٍ المقطع الذي أشار إليه، وهو يبدأ بهذا الشكل:

"هل تُحبّينَ التفّاح؟" كانَ سؤاله مُريبًا، فالتفّاح في القصص والحكايات له ما له وعليه ما عليه. لذا أخذتْ تتفحّص عينيه السوداوين علّها تلمح فيهما ما يشي بنواياه. ابتسامتُه الخفيفة ونظرة الطفل على وجهه صعّبا عليها الأمر. هل أُحبُّ التفّاح؟ سألتْ نفسَها، ثمّ أضافت: "يبدو أنني سأحبّك أنت أيّها الخبيث. انظرْ ما أجملك! انظر كم أنت لي!" أعاد السؤال بأسلوبٍ أكثر لطفًا: "يبدو لي أنّكِ من النوع الذي يحب التفّاح، هل هذا صحيح؟" "الصحيح أنني أغرمتُ بكَ وانتهيتُ،" قالت لنفسها بعد أن التفتت حولها خشية أن تفضحها نظراتُها. ثم تابعت منولوجها الداخليّ: "لطالما حلمتُ أن أقع في حبّ أحد مثلك؛ يشبهك في كلّ شيء؛ في الشكل، في أسلوب الكلام، في التفكير. حتّى ثيابك كنتُ أراها على جسدِ مَن أحلم به. من أين خُلقتَ هكذا فجأةً؟ قبل أسابيع قليلة لم أكن أعرفك ولم أسمع بك! هل حملتك الرياحُ إليّ؟ أمْ أنّ ساحرًا أخرجك من كمّه؟ أو ربّما جئتَ استجابة لدعوات جدّتي؟"

خلال قراءتي الكلمات الأخيرة سمعنا جرسَ الباب. فتوقّفت عن القراءة قائلًا: "هذه وردة." دخلتْ زوجتي وردة، يسبقها غناؤها المرح. كانت تحمل لنا طعام العشاء وليترًا من النبيذ للاحتفال بهذا اليوم العظيم. وضعت الأكياس على الطاولة في المطبخ المفتوح على الصالون، حيث نجلس فوق كراتين الكتب، قائلةً: "مرحبًا يا قوم،" ثمّ أقبلت عليّ وضمّتني، ومنحتني قبلةً سريعة على الجبين، وواحدةً مثلها لعبّاس الذي رحّب بها غناءً بصوته الشجيّ: "... يا وردة الحبّ الصافي... يسْلم إيدين اللي رواكِ ..." شاركناه الغناءَ إلى أن غيّر الكلام مبقيًا على اللحن، وتابع "... يااااا هل ترى... إيه اللي في الكيس دَهْ؟" مشيرًا إلى الأكياس التي جاءتنا بها. قمنا لنعدّ الطاولة، ونشرب نخب بيتنا الجديد.

ولم ينس عبّاس اللفافة والقصّة التي انقطعتْ. وكنتُ مثله أودّ متابعة القراءة لأتذكّر ما كتبتُ في ذلك الزمن. شرحتُ لوردة ما حصل، وأعدتُ على مسامعها المقطعَ الذي قرأتُه، ثمّ تابعتُ:

"... لم تكن جدّةُ دنيا تعرف من الصلاة شيئًا، حتّى إنّها لم تكن تحفظ الفاتحة بشكلٍ سليم، ولا تفرّق بين السورة والحديث الشريف؛ إنّما هذا لم يُبعدْها يومًاعن صلاتها. كانت تتوضّأ، ثمّ تلبس ثياب الصلاة، وتحمل سجّادتها الصغيرة التي أطلق عليها أحفادُها العفاريتُ اسمَ بساط الريح، وتخرج لتفرشها تحت شجرة الزنزلخت، وتبدأ البسملة بصوت مرتفع، ثمّ تهمس بكلماتٍ مُبهمة تخرج من فمها حروفًا متفرّقةً على هذا الشكل: "بسسـ ... أسسـ...  بسسـ... أسسـ..." ماذا تقول؟ يسأل الجميع، من دون أن يتجرّأ أحدُهم على الضحك؛ فالجدّة تصلّي. هسّ! هكذا يقول الكبار للأحفاد، بينما البسمة لا تفارق شفاههم. كيف تخاطب ربَّها؟ هل يفهم ما تقول؟ هل يقبل منها هذه الصلاة التي لا تشبه صلاةَ المسلمين في شيء؟ كانت الأسئلة تدور حولها، بينما هي مستغرقة في ما تقوم به. وما إن تنتهي حتّى تعود الجدّة اللطيفة، صاحبة العينين العصفوريتين، لتشاكس أحفادها بمرح: فتمسك بهذا لتقبّله بقوّة على وجنتيه، وترفع ذاك إلى حضنها واضعةً فمها على بطنه حتى يكاد يغشى عليه من شدّة الضحك، وأحيانًا توزّع عليهم حبّات الحلوى المغلّفة، فيختطفونها من يدها ويفرّون قبل أن تطلب منهم أن يدلّكوا لها عضلاتِ ظهرها المتشنّجة دومًا. بينما تبقى دنيا التي تعشق جدّتها، فتنال الكثير من الدعاء والحلوى والضمّ والتقبيل. وقد بقيتْ هذه العلاقة اللطيفة بينهما حتّى أصبحتْ دنيا شابّة جميلة تلفت الأنظارَ، لتنتقل إلى مستوى آخر فيه الكثيرُ من الأحاديث ذات الخصوصيّة، تلك التي تتعلّق بمسائل تهمّ الفتيات. وبرهنت الجدّة أنّها صديقة حقيقيّة وأنها بيت الأمان، رغم فارق السنّ الكبير بينهما ... "

رفعتُ رأسي فوجدتُ عبّاس يومئ لي باتّجاه وردة التي كانت الدموعُ تملأ مقلتيها. حزرتُ السبب؛ فجدّةُ وردة ماتت منذ أشهر قليلة، ولوردة الكثيرُ من الذكريات معها، ولا بدّ من أن تكون هذه السطور البسيطة قد أثارت حنينها فبكت. ضممتُها إلى صدري ثمّ قبّلتها، ورفع صديقُنا كأسه قائلًا: "في صحّة الجدّة الرائعة!" انفجرنا ضاحكين؛ فأيُّ صحّةٍ تكون في القبر؟! ثمّ قال موجِّهًا الكلام إلى وردة ليشغلها عن حزنها: "ألا تجدين من الغرابة أن يبدأ الكاتبُ برواية قصّته بهذه الطريقة؟" لم أترك لها مجالَ الردّ، فأجبتُه مستهجنًا: "يا أخي هذه مسوّدات، ومن المؤكّد أنّني كنتُ سأعيد صياغتها بشكلٍ مختلف فيما بعد." والحقّ أنّني كنتُ أقوم بشيءٍ من هذا أثناء القراءة، فأصحّحُ بعضَ الكلمات، وأضيفُ أخرى نسيتُ كتابتها. ولم أكن أنجح تمامًا، إذ كنت أقف بعد عدّة جمل أو عبارات باحثًا عن مفردةٍ مناسبة، إلّا أنّ جمهوري الصغير كان منصتًا بشكلٍ يدعو إلى الإعجاب! كرّر عبّاس سؤاله كأنّه لم يسمعني، فقالت: "يعتمد الكتّابُ أحيانًا طريقةَ الخطف خلفًا، وربّما يكون الحال هنا هكذا." ثم دار بينهما حوار طويل أخذهما بعيدًا عن الموضوع الأصليّ؛ فتكلّما عن الفن والشعر والسينما التي تعتمد النصوص الروائيّة، واتّفقا على أنّ الأفلام المأخوذة عن الروايات لا ترقى إلى مستوى تلك الروايات. إلّا أنّ عبّاسًا استثنى فيلمَيْ ذهب مع الريح والمريض الإنكليزيّ، ووافقتْه وردة بعد أن أضافت فيلمًا آخر هو العرّاب، ثمّ استدركتْ بأنّها تقصد الجزءَ الأوّل فقط. وامتدّ الحديث إلى أن أنهته وردة قائلةً: "هذا حديث يطول، دعنا منه الآن ولنستمع إلى بقيّة القصّة."

في هذا الوقت كنتُ قد قرأتُ بسرعةٍ قراءةً صامتةً بقيّة السطور، واكتشفتُ أنّ القصّة مبتورة. فذكرتُ لهما ذلك، وأعربتُ عن عدم رغبتي في متابعة القراءة. لكنّهما أصرّا: "دعنا نسمع ونقرّر." مع ملاحظة من عبّاس: "مادام الأمر كذلك ابحثْ لنا عن مقاطع السكس." فتلقّى من وردة نظرةَ تقريعٍ، فاستدرك بلهجة وقورة: "أقصد عن الأخلاق الحميدة." فكافأتْه قائلةً: "أحسنتَ." ثمّ أعادت طلبها لأتابع القراءة، فتابعتُ:

".... أحبّت دنيا جدّتها كما لم تُحبّ أحدًا من عائلتها، حتّى إنّها كانت تفّضلُها على أمّها المشغولة أغلبَ الوقت بأعمال البيت والأرض. وعندما ماتت عن عمر التسعين، بكتْ عليها كما لو كانت شابّةً في مقتبل العمر، وحرصتْ على الاحتفاظ ببساط الريح، وعلّقتْه على جدار غرفتها ذكرى عزيزةً على قلبها. وصارت تأخذه معها في نزهاتها إلى البحر لتفرشه فوق الرمال وتستلقي عليه، ثمّ تغمض عينيها وتطير بعيدًا فوق الغيم. وعندما دعاها، قبل أيّام، صديقُها عابد إلى هذه النزهة البريّة، وضعته في حقيبتها قائلة: من يعلم، ربّما يفيد..."

عند الكلمة الأخيرة جاءت بعضُ العبارات المشطوبة بالقلم، ثمّ بدأ مقطعٌ جديد:

"... آهٍ يا جدّتي لو تدرين ماذا فعلتْ دعواتُكِ. يا جدّتي اللطيفة، ها أنا سعيدة كما كنتِ تطلبين في صلواتكِ من الربّ: "يا ربّ لا تنسَ دنيا من كرمك، وبعتلها مين يحبّها وتحبّو ويهنّيها وتهنّيه." هكذا كانت تخصّص دنيا بدعواتها، في حين تدعو لباقي الأولاد والأحفاد جماعةً؛ فالرّبّ يعرف شغله في النهاية. هكذا كانت تقول..."

تجاوزتُ عند هذا الموضع عدّة جمل غير منسجمة مع ما قبلها، وأكملتُ:

"...كانت دنيا في حالة شرودٍ لذيذ. شعرتْ بأنّها أخفُّ وزنًا، وبدأ جسدُها يطفو في الهواء كما لو أنّها ريشةٌ يتلاعب بها النسيم. وكان عابد ينظر إليها بودّ، ولم تكن غافلةً عن نظراته ومعانيها. لذا لم تجفل حين لوّح بكفّه أمام عينيها محاولًا لفتَ انتباهها، بل سألتْ بكل هدوء: عن أيّ تفّاحٍ تتكلّم؟..."

قاطعني عبّاس متسائلًا بجديّة: "عن أيّ تفّاح يتكلّم؟!" أجبتُه بسرعة: "التفّاح الذي في أوّل النصّ!" وتابعتُ القراءة:

"...عن التفّاح! مشيرًا بيده فوق كتفها نحو تخوم البستان الذي يقفان فيه. التفتتْ إلى الخلف وكادت تسأل: "هل تحبّ الأفاعي؟" لكنّها لم تفعل. كانت ثمّة شجرة مليئة بثمار التفّاح الذهبيّ حيث أشار، وكانت الشمس تنزف أشعّتها الحمراء في طريقها إلى البحر. وبدا الجبلُ في الجهة المقابلة كومةً عظيمةً من الرماد تغيب عنها التفاصيل. وهناك، على سفحه، بدت أنوارُ البيت الذي يقصدانه ــــ بيت أهل عابد ــــ ومن الواضح أنّهما لن يصلاه قبل حلول الظلام؛ فالمسافة أكبر من أن يقطعاها قبل المغيب..."

توقّعتُ أن يقاطعني عبّاس بعد هذا المقطع، ولم يخيّب ظنّي فقال: "حان وقتُ السكس." ضحكتُ، وشاركتني وردة الضحكَ هذه المرّة، ثمّ أضافت: "يبدو أنّ آمالك في طريقها إلى التحقّق." وهمّت بإضافة شيءٍ ما، لكنّني تابعتُ:

"... أمسكَ يدَها، وقادها إلى الشجرة. ثمّ قطف تفّاحةً وقدّمها إليها. أخذتها من يده لتقذفها في الهواء بضعة سنتيمترات وتلتقطها قائلةً: "لم أتلقّ قبل اليوم هديّةً من هذا النوع. هل المطلوب أكلُها أم الاحتفاظ بها؟" قال: "يمكنكِ أكلها." ثمّ قطف أخرى، وتابع: "أمّا هذه فليست للأكل. سأحتفظ بها." قالت وهي تنظر إلى طرف البستان البعيد حيث لفت انتباهَها هيكلٌ غريبٌ يكاد يخفيه ظلُّ شجرةٍ تخيّم فوقه. فسألتْه: "هل هذا كما أظنّ؟! إنّها أمّي." أجابها وأمسك يدها ثانية، ليقودها برفقٍ إلى القبر..."

"لا حول ولا قوّة إلّا بالله،" علّق عبّاس، وأشعلتْ وردة سيجارةً ثانيةً من سيجارتها التي شارفتْ على الانتهاء. لم أترك لأيّ منهما مجالًا للكلام:

"... كان قبرًا صغيرَ الحجم، لا يعلو كثيرًا عن الأرض، لكنّه قبرٌ أنيقٌ إنْ كانت الأناقة صفةً تصلح للقبور. على جانبه قرأت عبارةً محفورةً في الرخام: "هنا ترقد الشاعرة زهوة، ابنةُ هذه الأرض..." وكلماتٍ أخرى توحي بأنّ قائلها تلفّظ بها وهو على فراش الموت: "ازرعوني حيثُ مشيتُ أوّل خطوة، وحيث ضحكتُ أوّل ضحكة. ازرعوني واسقوا ترابي بماء النبع الذي شربتُ منه أوّل قطرة، علّي أعودُ تفّاحةً إلى قريتي التي أحببتُ." كان القبر قريبًا من الجذع بشكل لافت. عندما سألتْه عن السبب، قال: "بعد شهر من الدفن لاحظوا ساقًا صغيرةً تشقّ التراب، فتركوها، ليكتشفوا فيما بعد أنّها شجرةُ تفّاح. وها هي شجرة وارفة تغصّ بالثمار. هذا ما رواه لي أبي في يوم من الأيام." ثمّ استدركَ: "لكنْ لا أحد يأكل منها." لم تكن بحاجة لمعرفة السبب، فهمستْ: "مَن سيطاوعه قلبه على الأكل!؟" وضعتْ كفّها على جذع الشجرة، وبدا الحزنُ عليها بعد قراءتها لكتابة على الجانب الآخر، مفادُها أنّ المرحومة ماتت عن ثمانية وعشرين عامًا. لاحظَ حزنَها ومال برأسه حتّى لامس رأسَها، فالتصقتْ بصدره لثوانٍ قبل أن تفصح: "عمري الآن كعمرها عندما توفّيت..."

ومن جديد تجاوزتُ مقطعًا غير منسجم مع النصّ، وحمدتُ الله أنّ عبّاس لم يقرأه، وتابعتُ:

"زهوة رهيف العاصي. هذا هو اسمُها الكامل الذي يظهر على أغلفة دواوينها الثلاثة التي أصدرتها خلال حياتها القصيرة. لم تكن دنيا قد قرأتْ منها شيئًا، ولولا حديثُها اليوم مع صديقها عابد ـــ ابنِ زهوة الوحيد ـــ لما سمعتْ بهذه الشاعرة..."

تجاوزتُ هنا أيضًا عدّة عبارات غير مفهومة، وتابعتُ:

"... لم تتعرّف دنيا إلى عابد إلّا منذ فترة قصيرة، ولم تحظ بفرصةٍ لسؤاله عن حياته العائليّة قبل اليوم. لذا كان مفاجئًا لها أن تعرف أيضًا أنّ أباه هو الموسيقار المعروف عبد الهادي مجد الفاخوري. أمّا حكاية حبّ والديْه (زهوة وعبد الهادي)، وهي حكايةٌ شاعت بين الناس في قريتهما والقرى المجاورة، فلها قصّة أخرى سيرويها لها عابد فيما بعد.

كانت دنيا تسير على مقربةٍ من صديقها الذي استرسل في الحديث عن علم الفلك، مستغلًّا صفاءَ السماء، مشيرًا إلى هنا وهناك: "هذه مجموعة الدبّ الأكبر، وتلك الدبّ الأصغر..." وشرح لها أنّ مجموعة الدبّ الأكبر كانت تسمّى عند العرب القدماء "بنات نعش الكبرى،" بينما مجموعة الدبّ الأصغر "بنات نعش الصغرى." فالمربّع الذي تشكّله النجماتُ الأربع هو النعش، بينما النجمات الثلاث في الذيل هنّ البنات. وأضاف معلومة وصفها بأنّها غير متداولة: "بنات نعش ليست كلّ مجموعة الدبّ الأكبر، بل هي فقط النجماتُ السبعُ الأكثر لمعانًا." كانت دنيا تتابع يدَه وتسأله، أمّا في سرّها فكانت تحدِّث نفسَها: "أمِنَ الممكن أن تنشأ بيننا قصّةُ حبّ يا عابد الجميل؟ وهل هذه اللحظات هي البداية؟" فالمكان، وهذا الجوّ الرومانسيّ، وكلّ ما يحصل الآن يشي بأنّ ثمّة حدثًا سيعلن عن نفسه عمّا قريب. لم تكن متأكّدةً من طبيعة مشاعرها أو مشاعره، لكنّها كانت تعرف من خلال قراءاتها لقصص العشق والغرام أنّ مشاعر الحبّ تتوهّج نتيجةً لظروفٍ خاصّة. وإنْ لم تكن هذه التي تعيشها الآن ظروفًا خاصّةً، فماذا تكون؟!"

عبّر عبّاس عن استيائه من جديد: "لماذا هذا اللفّ والدوران؟ لماذا لا تدخل في الموضوع على الفور؟ الصبيّة ترغب في ممارسة الجنس معه، وهو كذلك، فليمارسا الجنسَ تحت أوّل شجرة." علّقتْ وردة مازحةً: "وإنْ لم تكن هناك شجرة؟" فردّ: "فليزرعا شجرة، ولينتظراها حتّى تكبر." ضحكنا لتعليقه، وشربنا كأس الحبّ وأشجارِ الحبّ، وغنّى عبّاس:

"دخلت جنّة عدن، ولقيت شجرها حور، ولقيت بنات الحواري بيشربوا بالدور، بإيدن كاسات الدهب كاسات من بلّور، لا بدّ ما يغلط الساقي ويجينا دور..."

كان صوتُه صافيًا وشجيًّا إلى درجة أنّنا بقينا بعد انتهاء الأغنية عدّة دقائق صامتين، شاردين في عوالمنا الخاصّة. وكنتُ أفكّر: لماذا لا تكون الحياة بهذه البساطة؟ ها نحن الثلاثة نجلس وسط هذه الفوضى، حول طاولةٍ برجلٍ مكسورة، فوقها عددٌ من الصحون الفقيرة، مع ثلاث كؤوس جعلتْ رؤوسَنا تدور، وتدوّر معها الأفكارَ التي حملتني لأفكّر بعبّاس وطريقته الفجّة في التعبير عن أفكاره. نظرتُ إليه فوجدتُه مغمض العينين، يداري دخان سيجارته الذي يتصاعد ليغطّيهما. وفكّرتُ: "ما أجمل أن يكون لديك صديق تعتمد عليه." لم أكن أفتقر إلى الأصدقاء، ولكنْ كانت لعبّاس مكانةٌ خاصّةٌ في قلبي وقلب وردة؛ فهو مَن كان صلةَ الوصل بيننا. وأذكرُ جيّدًا ذلك اليوم، قبل خمس سنوات، حين اتّصل بي، وسألني من دون مقدّمات: "هل تريد التعرّفَ إلى فتاة جميلة، ومثقّفة، ولطيفة، وغبيّة مثلك؟" وأذكر أنّني أجبتُه بكلمة وحيدة: "أريد." بعد ساعة كنتُ وعبّاس في أحد المقاهي التي نتردّد إليها، وبرفقتنا وردة. وأذكر المفاجأة التي جعلتني أتعلّق بها أكثر، والتي لم يخبرني عنها عبّاس؛ فوردة كانت تتمتّع بصوتٍ دافئ يجعل المرءَ يبكي حين سماعه، وقد غنّت لنا في ذلك اللقاء. وما إن انتهت حتّى دوّى التصفيق في المقهى، وتعالت أصواتُ الاستحسان، وطالبها البعضُ بالمزيد، فغنّت ثانيةً، وحفرتْ في قلبي عميقًا عميقًا. وأحببتُ عبّاس أكثر، بل قمتُ وعانقته بقوّة، الأمر الذي أثار استغرابَها وأضحكها، ثمّ أخجلها حين شرحتُ لها الأسباب.

ابتسمتُ رغمًا عنّي، وتذكّرتُ فظاظة عبّاس التي لا يتحمّلها سوى الأصدقاء المقرّبين. كان عبّاس لاذعًا في كلامه، ومباشرًا كما عهدته دائمًا. وقد دفع ثمنَ ذلك غيرَ مرّة، آخرُها قبل عدّة أشهر حين واجهَ مديرَه الفاسد، قائلًا أمام الموظّفين بعد خلافٍ بينهما: "أيُّ غبيّ قادر على إدارة هذه المؤسّسة، ومن المضحك تصرّفك كملكٍ في زريبة للحيوانات!" بعد أيّام نُقل إلى مدينةٍ أخرى، فلم يصمد هناك سوى شهر، قدّم بعده استقالته، وطلّق الهندسة، وعاد ليجلس في البيت يقرأ، ويشاهد التلفاز، ويستمع إلى الموسيقى، ويتابع أوضاع أرضهم الصغيرة التي بات يعمل فيها كأيّ فلّاح. كنتُ وباقي الأصدقاء نتقبّل منه هذا الطبع لأنّنا نحبّه، ونعرف المودّة التي يكنّها لنا، والطيبة التي تسكن قلبه. لذلك ضحكتُ من قلبي حين استفاق فجأةً من سهوته، وعاد إلى الكلام كأنّ الحديث لم ينقطع، قائلًا باستهجانٍ شديد:

"...ثمّ ما قصّتكم مع التفّاح؟! كلّما أراد كاتبٌ الإشارة إلى حالةٍ جنسيّة رمى في وجوهنا سحّارةَ تفّاح! ألا يوجد شيء آخر يوحي بالـسكس غير التفّاح؟ اخترعوا شيئًا آخر يا أخي! هذه مهمّتكم أنتم الكتّاب والشعراء." قلتُ: "سندويشة زعتر، هل تفي بالغرض؟" وفاجأني حين أجاب بكلّ جدّيّة: "إنْ وظَّفْتَها بشكلٍ صحيح ستفي بالغرض. صدقّني." عبّرتْ وردة عن إعجابها بمداخلة عبّاس، ووجّهتْ كلامها إليّ قائلةً: "فعلًا؛ أصبحتْ مبتذلةً هذه الفكرة." فدقّ كأسَه بكأسها قائلًا بمرح: "رأيان مقابل رأي، ونحن نفوز." قلت: "بل ثلاثة آراء مقابل لا شيء." وطرحتُ تحدّيًا أمامهما: أن يجدا في أيٍّ من أعمالي، خلال السنوات العشر الأخيرة، تفّاحةً واحدةً، أو ما يشير إليها ولو من خلال الرائحة. ثمّ خيّم الصمت لثوانٍ، قطعته وردة بنقرة من سبّابتها فوق لفافة الأوراق قائلةً: "دعنا نكتشف ما فعله التفّاح." قلتُ: "حاضر." وعدتُ إلى القراءة:

"...كان صوت عابد يشوّش منولوجها الداخليّ ويعيدها إلى الواقع. وكانت تغيظها المسافةُ التي تفصل بينهما؛ المسافة الصغيرة إلى درجة أنّ يدها لامستْ يده أكثر من مرّة. أمّا رائحة عطره فكانت تحيط بها كما يحيط الماءُ بسمكةٍ تحوم حول طعم شهيّ. هكذا كانت تصف الموقفَ بينها وبين نفسها، فابتسمتْ للتشبيه، وسَرّها أن تكون سمكةً صغيرةً تسبح في عبق عطره غيرَ عابئةٍ بعواقب الأمور. "ما هو الحبّ غير هذا يا ربّي؟" سألتْ نفسَها وهي تسترق النظر إلى تقاسيم وجهه. فكّرتْ: "لو أملك الجرأة الكافية لاستوقفتُه الآن وارتميتُ بين ذراعيه، واستسلمتُ له، ولسلّمتُه شفتيّ. لو أملك الجرأة الكافية لفعلتُ أكثر من هذا بكثير!" فجأةً اجتاحتها رعشةٌ خفيفة، وصدر عنها صوتٌ عفويٌّ بدا كمواء قطّةٍ مكبوت. ترك عابد نجومه والسماء وسألها: "هل تشعرين بالبرد؟" ابتسمتْ وهزّت رأسها إيجابًا. وعندما رأته يهمّ بخلع سترته أوقفتْه قائلةً: "لا أريد المزيد من الرومانسيّة أرجوك." لكنّه خلع سترته بالفعل، ووضعها بهدوء فوق كتفيها، وضمّها ضمّةً خفيفةً جعلتْ رأسها يدور. وعلى غير المتوقّع رأته يقترب منها محاولًا تقبيلها، فمالت برأسها جانبًا بحركة عفويّة هاربةً من شفتيه..."

هنا علّق عبّاس بعد رشفة من كأسه: "حمارة!" فابتسمتُ وتابعتُ:

"... ما جعله يشعر بالإحراج. وخلال ثانية اصطبغ وجهُه باللون الأحمر، وصار يعتذر بكلماتٍ غير مفهومة..."

قاطعني عبّاس مرّةً أخرى: "حمار!" تابعتُ:

"... واعتذرتْ هي أيضًا قائلةً إنّها لم تعتد هذه المواقف، ولا تجربة سابقةً لها مع القُبَل! ووجد في هذا عزاءً له؛ فهروبها ليس نفورًا كما اعتقَد، بل قلّة خبرة وخوف. تابعا المسير باتّجاه المنزل، وكلٌّ منهما منشغل بأفكاره: هي تلعن حالها على ردّة فعلها الغبيّة، وهو يلوم نفسَه على محاولته تلك. وبقي الأمر كذلك إلى أن قطعتْ حبل الصمت قائلةً: "عليكَ أن تمشي معي خطوةً خطوةً، وبالتدريج." أعادت هذه العبارةُ الماءَ إلى وجهه، فابتسم، وارتبك، وقال: "إذًا سأحاول من جديد." ضحكتْ ولكزتْه في خاصرته قائلةً: "جرّبْ وشوف." فضحك وفهم أنّ هذه دعوة للتجريب، وليست كما تقول.

هكذا بدأتْ قصّةُ حبّهما في دربٍ جبليِّ ضيّقٍ، يُنيره قمرٌ مكتملٌ ظهر متمهّلًا من خلف التلال، لتتكسّر أشعّتُه فوق موجات الساقية المحاذية لطريقهما، حيث تنمو على ضفتيْها ـــ وتخفيها في بعض الأماكن ـــ أشجارُ الحور والصفصاف والدلب. كانت دنيا تكاد تطير من السعادة، فهل هناك ما هو أجمل من ذلك؟! هل هناك ظروفٌ خرافيّةٌ مناسبةٌ لولادة حبّ جديد أروع من هذه الظروف؟ هل هذا فيلم؟ هل هو واقع؟ هل هو حلم؟ ومن دون مقدّمات قطعتْ كلَّ الخيوط التي كانت تكبّلها، وشبكتْ ذراعها في ذراعه، والتحمتْ به طالبةً الدفءَ. كانت حركتها الودودة هذه كافية بالنسبة إليه ليضمّها، متجاهلًا ردّة فعلها الممانعة في بداية الأمر، طابعًا فوق شفتيها قبلةً رقيقة، ثمّ أخرى طويلةً جعلتْ رأسَها يدور ذلك الدوارَ اللذيذَ الذي قرأتْ عنه في أكثر من قصّة ورواية، وحلمتْ به ولم تجرّبه.

وخلال ثوانٍ أسكتتْ صافرةَ الشرطيّ التي بدأتْ تدوّي في رأسها، ووضعتْ ستارًا بينها وبين طيف والدتها الذي ظهر فجأةً وأخذ يدور حولهما بجنون. ثمّ أطلقتْ رصاصَ التجاهل على أطياف كلّ رجال العائلة، بل على كلّ رجال الأرض. وبكلّ رضًى استسلمتْ لشفتيه ويديه، لتدخل معه إلى ذلك الفردوس الجميل. لم يتطوّر الأمر في البداية إلى أكثر من ذلك..."

كان من الطبيعيّ أن يقاطعني عبّاس الآن قائلًا: "حماران!" ضحكتُ وأنا أتابع القراءة:

"... قبلٌ متبادلة، كلمات لطيفة، ضحكات، همساتٌ، وتسارعٌ غير مسبوق في دقّات القلب. حتّى إنّها طلبتْ منه بعد لحظات التوقّفَ عن تقبيلها، وشعرتْ أنّها تكاد تفقد وعيها من شدّة الاضطراب وخافت. شعر هو أيضًا بالخوف. أجلسها على بساط الريح الذي افترشتْه بحركة سريعة فوق فسحة العشب على طرف الطريق، وجلس قربها، ثمّ احتضنها بلطف، وأخذ يقبّل رأسها وجبينها وعينيها، بينما راحت تبكي بكاءً ممزوجًا بالابتسامات المطمْئِنة أنْ لا مشكلة وأنّها بخير. شيئًا فشيئًا هدأتْ وأخذتْ تلتحم به أكثر، حتّى فقد توازنه وارتمى إلى الخلف، فاستقرّت في حضنه وضمّته بشدّة. ثمّ كانت جولةٌ أخرى من القُبل وغير شيء..."

أيضًا كان لعبّاس رأي، إذ قال: "حمار." وعرفتُ من لهجته أنّه كان يقصدني هذه المرّة، فلم أتوقّف، واكتفيتُ بإشارة من أصابعي بأنّني سأحاسبه فيما بعد:

"... لم يكن هناك ما يفصل بينهما وبين نجوم السماء سوى آهاتِهما، وكلماتِ الحبّ الرقيقة التي خرجتْ تحبو بين شفاههما، بينما كان بساطُ الريح يحاول فهم هذه الصلاة الغريبة بالنسبة إليه! تلألأتْ حولهما أوراقُ الأشجار بفعل ضوء القمر، كأنّها خرزاتٌ مبعثرةٌ على فساتين العيد. مياهُ الساقية احتفلتْ بهما، فعزفت سيمفونيّةَ فرحٍ لم تعزفها من قبل. كلّ ما حولهما من أشجار وأحراش وأزهار برّيّة وعصافير وجنادب ويعاسيب دبّت فيها الحياةُ، وصارت تنطق بأرقّ العبارات، مباركةً لهما حبّهما، في كرنفالٍ من أجمل ما يكون. هكذا احتفى بهما المكان ــــ هكذا شعرا على الأقلّ. هكذا عادا خلال لحظات إلى أمّهما الطبيعة التي فتحتْ لهما صدرها الحنون، وجعلته سريرًا وثيرًا، وجعلتْ قمرها شاهدًا على حبٍّ وُلد كالبنفسج خلسةً، فأوْرق وأزهر وغطّى الأرض. كان عريُهما حشمةً، ورائحتُهما نعمةً، وصوتُهما نغمةً استحمّ به الصمت. في ذلك اليوم، وفي تلك اللحظات، تحوّل جسدُها إلى قصيدة مكتوبة بماء الندى على العشب. وتحوّلتْ يدُه إلى أداةٍ سحريّةٍ تشرح أبياتها كلمةً كلمة، حرفًا حرفًا، نقطةً نقطة، حركةً حركة، بدءًا من الضمّة والشدّة وانتهاءً بالسكون، بالإضافة إلى إشارات التعجّب والاستفهام وحروفِ العطف والنصب والجرّ. حتّى الفاصلة المنقوطة التي تنأى بنفسها عن أيّ حدث، طاولَها ما طاولَ رفيقاتِها. كلّ ذلك كان يموج بين يديه، ويخرج على شكل شررٍ يضيء المكانَ لثوانٍ قبل أن يختفي، ليخرج بعده ما يضيء بشكلٍ أشدّ. كان جسدها القصيدة يئنّ تحت وطأة الأسرار، وكان الباري في سمائه يتفنّن بالغناء والعزف. إلى أن أعلن الجسدان أنّ الروحين ارتوَتا، فكان خطابُ الفصل على لسان الحبّ. هكذا غادرا المكان تاركيْن خلفهما قمرًا عالقًا بين الأغصان، وبقعة من العشب الأخضر تتوسّطها تفاحةٌ مقضومة، وأخرى لم تُمسّ..."

توقفتُ هنا قائلًا: "هذا كلّ شيء." وانتظرتُ التعليقات. لكنّ هذا لم يحصل. ووجدتُ عبّاس ينظر إلى ساعته معلنًا أنّ الساعة الخامسة صباحًا، قبل أن يقف فجأةً وهو يترنّح قائلًا: "تصبحون على بيت." ولم نستبقِه؛ فالمكان غير جاهز لاستقبال الضيوف. وقبل أن نغلق الباب خلفه توقّف لبرهة، ثمّ التفت إليّ قائلًا بخبث: "الشطارة ليست بالقصص والروايات. اذهبْ واصنعْ لنا ولدًا، فالمبنى خالٍ من الأطفال." فوعدتُه بأن أفعل ما في وسعي، وودّعتُه على أمل اللقاء.

وخلال دقائق كنّا نفترش الأرض ونغطّ في النوم، لنستيقظ في الظهيرة على رنين جرس الباب، وصوت عبّاس في الخارج ينادي كالباعة الجوّالين: "تفّاح ، تفّاح." فنضحك ونحن نغالب النعاس، وأقوم لأفتح الباب وآخذ جاري المشاغبَ بالأحضان كأنّه لم يكن بيننا قبل ساعات.

اللاذقيّة

اتّصل بنا من نحن دار الآداب