Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

من أجل مانيفستو مرحليّ للحزب الشيوعيّ اللبنانيّ

مقالات

يتمدّد علي تحت التراكتور ويداه الضخمتان تعملان داخل أحشاء الآلة. "عْطِيني المطرقة من حدِّك،" يصرخ. لا أجد المطرقة في كومة الحديد. "مش ملاقيينها؟ المطرقة كانت دايمًا حدّ المنجل!" جفلتُ، وأنا أقف في حقلٍ يبعد كيلومترات قليلة عن الحدود مع فلسطين، أكلّم شخصًا لا أعرفه، فيقول لي ما يشبهُ كلمة السرّ. ابتلعتُ صدمتي وأجبتُه: "ما لقيتلك المطرقة يا رفيق علي." فردّ من دون أن يشيح بنظره عن آلته، وبضحكةٍ تعودّتُ عليها لاحقًا: "إيه إيه...رفيق."

تشدّنا هذه الكلمة، وتربط بيننا، بشيء من الثقة والرومنسيّة ــــ نحن "الحُمُر،" "الأوادم،" "رفاق الدرب،" نحن مَن تذْكُرنا طرقُ الجنوب الوعرة وجرودُ بقاعه. لكنّ ما يجري في الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ اليوم يتخطّى هذه الرومانسيّة، من أجل استنباط حلولٍ عمليّةٍ للوضع الحاليّ.

من الجليّ أنّ الحزب دخل في أزمةٍ دَمّرتْ معظمَ ما تبقّى منه بعد الحرب الأهليّة. لكنّ المؤتمر الوطنيّ الحادي عشر للحزب (عُقد قبل أسابيع) أظهر أنّ الأزمة لم تدمّرْ ثلاثة مداميك أساسيّة هي: 1) الموقفُ النقديّ اللاذع لدى بعض االشيوعيين والشيوعيات. 2) حرصُهم على حزبهم. 3) الحاجةُ السياسيّة والشعبية إلى حزبٍ شيوعيّ موحّد يكون أداةً لاسترجاع صوت المهمّشين والمسحوقين ومساحاتهم، ذكورًا وإناثًا.

لذا يبدو ضروريًّا أن نطرح هنا أفكارًا للنقاش تكون بدايةً للتواصل مع الفئات العاملة والمثقفة والمهمّشة في مجتمعنا، ساعين إلى صياغة دور الحزب وأهدافه المنشودة في المرحلة القادمة، وإلى تحديد الأدوات الواجب تطويرها لتحقيق ذلك.

لكنْ قبل ذلك، نسأل: لماذا نحتاج إلى حزبٍ شيوعيّ في لبنان اليوم؟ وماذا سيضيف إلى المنظر السياسيّ العامّ؟ ونجيب أنّ في مقدورِ ما نطرحه، كمشروع تحريرٍ لا يقصي أحدًا بل يشمل أكثرَ الفئات تعرّضًا للاستغلال والتهميش، أن يطرحَ مفهومًا إنسانيًّا للـ"عدالة"؛ فما يقدّمه النظامُ الرأسماليُّ حاليًّا محضُ منظومةِ "حقوق" تضيق يومًا بعد يوم، لتضع الإنسانَ ـــ صغيرًا وضعيفًا ـــ أمام عجلة الإنتاج الطاحنة. إنّ في مقدور مشروعنا أن يسمح لنا بالحلم باسترجاع الأرض، بالعيش بظلمٍ أقلّ، بأيّامٍ أجمل، رغمًا عن أنف "التحليلات" السياسية والاقتصادية السائدة.

 

دور الحزب

لم يعد المحتاجون إلى الحزب محدودين بـ"الطبقة العاملة" بالمعنى الكلاسيكيّ المألوف؛ فالطبقة العاملة تتكوّن، حاليًّا، من مجموعاتٍ مختلفة، تنتمي إلى مناطقَ وجنسيّاتٍ متنوعة، وتعمل وفقًا لعقودٍ لا يمكن حصرُها في شكلٍ واحد. وعليه، فإنّنا نحتاج، اليومَ، إلى توسيع الشريحة التي يحمل الحزبُ صوتَها ومعاناتَها وطموحَها، بحيث تضمّ مختلفَ المهمَّشات والمهمَّشين، اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا ومناطقيًّا. ولمّا كانت حاجاتُ هؤلاء تتنوّع، بل قد يتعارض بعضُها مع بعض أحيانًا، فإنّ الحزب مدعوٌّ إلى صياغة علاقةٍ جديدةٍ معهم لكي يبلور كيفيّة التعاطي مع تضارب هذه المصالح، ومع أولويّاتها ــــ ترتيبًا أو تأجيلًا.

تطرح الجملة اللاتينيّة "هنا والآن" (Hic et Nunc) مسألةًّ سياسيّةً يحتاج الحزبُ الشيوعيّ إلى أن يجيبَ عنها اليوم: ما هو الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ في هذا الزمن وفي هذا الموقع الجيوسياسيّ؟ كيف يطوّر مفاهيمَه السياسيّة ومقاربتَه وأدواتِه، فلا يكون "ليِّنًا فيُعصر ولا قاسيًا فيُكسر"؟

"هنا والآن،" إذًا، هي شبهُ مانيفستو (بيان)، يفسّر فيه الحزبُ الشكلَ الحاليَّ للدولة اللبنانيّة وعلاقتَنا بها، ويحلّل الاقتصادَ اللبنانيّ، ويبلور مواقفَه من المرأة وسائر المضطهَدين. ولا بدّ من أن يتضمّن هذا المانيفستو كيفيّةَ استعادة الحزب الشيوعيّ لمقاومته المسلّحة، وجعلِها عابرةً للمناطق والطوائفِ والطبقات، ومبنيّةً على أساسٍ فكريّ يَعتبر الاحتلالَ الصهيونيّ جزءًا من الأزمة الاقتصاديّة في المنطقة وسببًا من أسباب تشرذم مجتمعاتنا وفقدانِ هويتها. وعلى هذا المانيفستو ان يشمل دورَ الحزب في مدّ شباك التواصل مع كلِّ حليفٍ مرحليٍّ محتمل، شرط أن يضمن ذلك التواصلُ لأعضائه الاستقلاليّةَ في اتّخاذ القرار، واستمراريّةَ عملهم في كلّ المناطق وداخل مختلف النقابات والتحرّكات الشعبيّة.

وأخيرًا، فإنّ على المانيفستو أن يركّزَ على دور الحزب في بلورة أساليب مختلفة لتغيير موازين القوى. وتغييرُ موازين القوى هذ يتمّ من القاعدة نحو الرأس؛ وهذا يعني أن يدعم الحزبُ الفئاتِ المهمّشة في مناطقها وأماكنِ عملها ودراستها. التغيير يبدأ من هناك، ثم يتراكم ليضرب رأسَ الهرم. وهنا نشير إلى أنّ الهدف البعيد المدى للحزب سيكون، ونقولها من دون أدنى مهادنة، الوصولَ إلى السلطة في لبنان.

أهداف الحزب المرحليّة

تتمحور الأهدافُ المرحليّة للحزب حول تفعيله من الداخل من أجل ربطِه مجدّدًا بهموم الناس وحاجاتهم. ونرى هنا أهدافًا مرحليّةً أربعة، هي: تفعيلُ المنظّمات، وبناءُ قطاعات جديدة (تُعنى بالبيئة والتخطيط المدنيّ...)، وتطويرُ القطاعات الموجودة، وبناءُ نقابات واتّحادات طلابيّة ودعمها.

ولا بدّ من القول إنّ هذه الأهداف المرحليّة تدور في فلك أهداف الحزب الطويلة الأمد، وعلى رأسها تحريرُ المواطن من هيمنة النظام الرأسماليّ، ومقاومةُ الصهيونية بكلّ الطرق الممكنة.

 

أدواتُ العمل

تتحدّد فعاليّةُ الأدوات أو عدمُها بالصراع المرحليّ؛ فالعنفُ، مثلًا، ليس مرفوضًا بالمطلق، ولا مُشجَّعٌ بالمطلق، بل نستعمله بحسب متطلّبات المرحلة وشروط الصراع. فما هي الأدوات التي نحتاج إلى تطويرها وإدخالها ضمن الطرق التغييريّة المتاحة؟

نبدأ أوّلًا بتقسيم العمل إلى لجانٍ تخصّصيّةٍ لا تكتفي بتلقّي التقارير من المناطق والقواعد والقطاعات، بل تكون أيضًا فاعلةً في معرفتها ـــ حاجاتٍ ومشاكلَ وتركيبةً طائفيّةً وعائليّةً وطبقيّة. ويُعتبر هذا التقسيمُ خطوةً أساسيّةً على طريق المركزيّة الديمقراطيّة، التي تسمح للقواعد بالتحكّم في قراراتها، وتسمح للقيادات بدعمِ ما يجري في الاتّجاه الصحيح.

ثانيًا، يتمّ العملُ عبر الهيئات المختلفة باتّباع المقاربة التالية:

أ) تطوير اللغة المستخدمة كي تصل إلى أوسع الفئات ومختلفِ الخلفيّات. فليس من الضروريّ حاليًّا، مثلًا، أن نجعل كلَّ مستضعَفٍ ومستضعَفة قارئيْن نهميْن للفكر اليساريّ، لكنّ من الضروريّ تقديمَ التفسير الماركسيّ لأزماتهم بمصطلحاتٍ وأساليبَ مبسّطةٍ تكون أساسًا لتخطّي الخطاب الطائفيّ والعنصريّ والطبقيّ المهيمن. ويتطلّب ذلك تشكيلَ لجنةٍ إعلاميّةٍ تخصّصيّة، تعمل على فهم الخطاب الإعلاميّ السائد، وتُنتج خطابَها الخاصّ ولغتَها البصريّة ـــ السمعيّة الخاصّة.

وهنا يجدر أن نشير إلى انقراض الإنتاج "الفنّيّ" للحزب، وإلى لزوم أن يتولّى عمليّة إنتاج فنّيّ تُظهّر إيديولوجيّته.

ب) تطوير لجان الأحياء التي تنشط في المدن والقرى والعشوائيّات. فالهجمة كاسحة وشاملة على القرى والمدن والمناطق: من تهجيرٍ قسريّ طبقيّ (gentrification)، إلى استيلاءٍ على المشاعات، فتفشٍّ لمكبّات النفايات ومحارقِها، وتآكلٍ للأراضي الزراعيّة، وتمدّدٍ لموجة البناء. يضاف إلى ذلك كلّه منعُ بيع بعض الأراضي لرعايا الطوائف المختلفة، واستغلالُ وضع العشاوئيّات "غيرِ الشرعيّ" للضغط على أهلها ومنعِهم من الحصول على الخدمات.

هذه، وغيرُها من أشكال استغلال النظام الرأسماليّ للمهمَّشات والمهمَّشين، لا تمكن مواجهتُها بردّات فعلٍ على أحداثٍ فرديّةٍ هنا وهناك، وإنّما تنبغي مقاربتُها في وصفها نتائجَ للنظام الرأسماليّ. ومن ثمّ، لا جدوى إلّا في مراكمة وعيٍ طبقيٍّ حيال سوق العقارات وطرقِ عمل رأس المال، وفي تطوير مفهوم علاقة رأس المال بالمدينة ومختلف أشكال "الشرعيّة،" وحقّ الناس في المسكن الملائم.

ج) تفكيك العلاقة بين "المثقّف" و"الناس" بهدف بلورة برامج تثقيفيّة تكسر الهرميّةَ والهيمنة. من هنا، يجب العملُ على صياغة مفهوم "التنظيم والتثقيف الجماهيرييْن" من منطلقٍ غرامشيّ ـــ فريريّ، عبر مثقّفاتٍ ومثقّفين عضويّين، من داخل الطبقة العاملة والفئاتِ المهمَّشة جمعاء، ينخرطون في تنظيم الناس، مستخدمين لغتَهم، ومنطلقين من معرفتهم بما يهمُّهم وما لا يهمُّهم، بدلًا من إسقاط الحلول عليهم.

ويتطلّب هذا التفكيكُ أيضًا مقاربةً نسويّةً تسمح بتغيير المنطق النخبويّ الموجود، وتسهم في أن تتقدّم النساءُ والفئاتُ الشابّة والأقلُّ خبرةً في الحزب إلى ممارسة أعمالهم وأعمالهنّ بعيدًا عن تسلّط الذكور والأكبر سنًّا والأكثر خبرةً.

 

تحدّيات المستقبل

لا يبدو العملُ سهلًا من الطابق السادس من تلك البناية في منطقة الوتوات[مقرّ الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ]. على قادة هذا الحزب الجُدُد أن يفعلوا الكثير. وجزءٌ من هذا الكثير يتعلّق بالآمال التي وضعها فيهم أعضاءُ الحزب وأصدقاؤه والمهمَّشون ـــ من كلا الجنسين ـــ الذين نزلوا في الأوّل من أيّار إلى الشارع كي يقولوا إنّ هناك أملًا في هذا البلد. والجزء الآخر من هذا الكثير يتعلّق ببناء رافعةٍ للطبقة العاملة والمهمّشين، تغيّر موازين القوى، وتراكِم الوعي النقديّ، من أجل بديلٍ عمليٍّ يكون ــــ بشكله وأدواته ــــ مهدّمًا لسرديّة رأس المال المهيمن القائلة: "لا بديلَ منّي، ولا حياةَ لكم من دوني."

لقد ابتعد هذا الحزبُ لفترةٍ طويلةٍ عن الناس وهمومهم وأحلامهم ولغتهم، إناثًا وذكورًا. وعليه، من اليوم، أن يعيد صياغة علاقته بهؤلاء جميعًا. ولن يتمّ ذلك ما لم يتقرّبْ من كل الفئات المهمّشة، ويفهمْ تركيبة استغلالها، ويتواصلْ معها، لينتجَ ـــ عبْرها ـــ مفكّريها ومفكّراتها الذين يتواصلون معها بلغتها.

 

تغيير اللون؟

كان "الرفيق علي" قد أنهى عملَه تحت آلته العملاقة، وأنا ما زلتُ أنتظرُه تحت الشمس. كشيوعيّ قحّ، يعمل الرفيق علي وحده، وبصمت، في الحقل، كما في قريته، ضدّ من يقاطعونه، ويقاطعون أولادَه، لأنّهم "حُمر." وبرغم تخطّيه الستّين، فإنّ جزمتَه وبنطالَه الزيتيّ وجاكيتَ الـ"فيلد" تذكّر، جميعها، بأيّامٍ كان فيها مقاتلًا.

لاتزال ذكرياتُ المقاومة حيّةً في ضميره، وما يزال يَستخدم إيديولوجيا ماركس ولينين وغيرِهما لتفسيرِ ما يجري حوله. يمرّ جارُه أمام المنزل حيث يركن ابنُه السيّارةَ، ويسأله:

ـــ ما حتغيّر لون ها السيّارة؟

يردّ ابنُه حسن مبتسمًا:

ـــ الأحمر بيلبق ع كلّ شي!

بيروت

اتّصل بنا من نحن دار الآداب