Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

مَن الذي يَفهمني غير نفسي : قصيدة مترجمة لجيمي سانتياجو بكا*

ترجمة

 

 

يوقفون  المياه، فأحيا من دون ماء،

يبنون جدرانًا أعلى، فأحيا من دون رؤوس أشجار،

يَطْلون النوافذَ بالأسود، فأحيا من دون أشعّة شمس،

يقفلون  زنزانتي، فأحيا من دون الذهاب إلى أيّ مكان،

يأخذون آخرَ دمعةٍ لديّ، فأحيا بلا دموع،

يأخذون قلبي ويشقّونه، فأعيش بلا قلب،

يأخذون حياتي ويحطّمونها، فأحيا بلا مستقبل،

يقولون إنّني وحشيّ وشيطانيّ، فلا يكون لديَّ أصدقاء،

يمنعون كلّ أمل، فلا يكون لي مَخرجٌ من الجحيم،

يمنحونني الألمَ، فأعيش مع الألم،

يمنحونني الكراهية، فأعيش مع الكراهية،

لقد غيّروني،  ولم أعد الإنسان الذي كنتُه،

لا يتيحون لي الاغتسالَ، فأحيا مع رائحتي،

 يفصلونني عن إخواني، فأحيا بلا إخوة،

من الذي سيَفهمني عندما أقول إنّ هذا جميل؟

من الذي سيفهمني عندما أقول إنّني وجدتُ حرّيّاتٍ أخريات؟

 لا أستطيع أن أطير أو أُخرجَ شيئًا من يدي،

لا أستطيع أن أجعل السماواتِ تُفتح أو الأرضَ ترتجف،

لكنني أستطيع أن أحيا مع نفسي، وأنا مذهولٌ من نفسي، ومن حبّي، ومن جمالي،

مأخوذٌ بإخفاقاتي، وتدهشني مخاوفي،

أنا عنيد وصبيانيّ،

وفي خضمّ حطام الحياة الّذي سبّبوه، أمارس ذاتيّتي،

ووجدتُ أجزاءً من نفسي لم أحلمْ أن تكون منّي:

كانت تخرج من تحت الصخور في قلبي

حين رُفعت الجدرانُ أعلى،

وحين أُوقفت المياهُ وطُليتِ النوافذُ بالأسود.

ولقد تبعتُ هذه الإشارات

كمتعقّبِ آثارٍ عتيق،  

سلكتُ المساراتِ في عمق نفسي

وتتبعتُ المسارَ المبقَّعَ بالدماء،

عميقًا في المناطق الخطرة، فوجدتُ أجزاءً كثيرةً في نفسي،

علّمتْني أنّ الماء ليس كلَّ شيء،

ومنحتني عينيْن جديدتيْن لأرى من خلال الجدران،

وعندما تكلّمتْ [تلك الأجزاء]، سطعتْ أشعّةُ الشمس من أفواهها،

وكنتُ أسخر من نفسي ــــ معها،

ضحكنا مثل الأطفال وتعاهدنا أن نكون مخلصين دائمًا.

من سيَفهمني عندما أقول إنّ هذا جميل؟

 

 

ولد الشاعر الأميركي جيمي سنتياجو باكا ( 2 يناير 1952) في مدينة سانتا - بولاية نيومكسيكو من أصول هندية مكسيكية. قامت جدّته بتربيته ثم أرسلته إلى دار للأيتام. عندما بلغ الثالثة عشرة من العمر، هرب من دار الأيتام وعاش حياة تشرّد كان يمكن أن تصنع منه مجرما محترفا، إلا إن حياته اتخذت مسارا آخر عندما حكم عليه بالسجن خمس سنوات تحت حراسة مشددة. استطاع خلال فترة سجنه اكتشاف موهبته الشعرية وقام بشحذها وتطويرها بقراءة شعراء أثّروا فيه كثيرا مثل نيرودا و لوركا. أصدر أول مجموعة شعرية بعنوان (مهاجرون في أرضنا) عام 1979 وهو العام الذي أطلق فيه سراحه. بعد خروجه من السجن أكمل باكا تعليمه الجامعي فنال شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة نيومكسيكو وقام بتكريس حياته لمساعدة من يحتاجون إلى من يعينهم على التغلب على صعوبات الحياة، فأقام المئات من ورش تعليم الكتابة في السجون والمراكز الاجتماعية والمكتبات والجامعات في أنحاء الولايات المتحدة، وأنشأ عام 2005 مؤسسة تحت اسم (شجرة السدر) تعنى بتوفير التعليم المجاني وفرص تطوير الحياة لمن بحاجة إليها فضلا عن توفير فرص الدراسة والمواد الكتابية والكتب وغيرها. تميّزت أشعار باكا بصلتها الوثيقة بثقافته الأصلية وما تتضمنه من تراث شعبي وأساطير فضلا عن تعلقه بالأرض والتاريخ وتعبيره عن موضوعات أثيرة في الشعر الأميركي عموما مثل موضوعة البحث عن الهوية أو العودة إلى الجذور، وكان لتجاربه الحياتية القاسية أثرها البالغ في شعره. حازت مؤلفاته على جوائز عديدة، ومن بين عناوين مجموعاته الشعرية: (قصائد ميسا السوداء) 1989،  (العمل في الظلام) 1992،  (أشعل النار بهذا الكتاب) 1999.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب