رانا.. بيروت الشرقيّة
09-11-2017

 

لم يتفيّأ ظلَّ البلكون في أحد أحياء الأشرفيّة سوى سايغن، زوجِ القطّة، الذي يقطن بيتَ العمّة رانا. رانا امرأةٌ نناديها بـ"العمّة" لا لكِبر سنّها (فهي ما تزال في الأربعين)، بل لإغداقها الحُبَّ على الجميع. ولرانا عينان سوداوان تشبهان عينيْ سايغن بل تفوقهما جمالًا. ولها قطّةٌ أخرى، أسمتها بعد رحيل سايغن: وَفا.

وفا هذه مختلفةٌ عن سايغن: هو يحبّ قضاء النهار على البلكون؛ أمّا هي، فتفضّل الخروجَ ليلًا، والجلوس قبالة كوكب القمر، لتغرق في التأمّل.

***

كتبُ العمّة رانا ملوّنةٌ عن غير قصدها، مصفّفةٌ (خلافًا لشعرها)، في عناوينها كلماتٌ كـ"الكرنك" و"القدر" و"البعث" و"زرادشت،" والعبث. كانت وحدها بين سيّدات الحيّ تعير الكتبَ أهمّيّةً بالغة، وتصرف وقتًا طويلًا في التكلّم مع أزهارها (تقول إنّهم أبناؤها وقليلو الكلام). هي وحدها بين سيّدات الحيّ تعيرُ الغروبَ اهتمامًا بالغًا أيضًا. وكنتُ أراها يوميًّا، في تمام غروب شمس بيروت، على سطح منزلٍ كانت القوى الانعزالية تستخدمه معتقلًا وتفرز فيه المعتقلين الفلسطينيّين عن اليساريّين اللبنانيّين.

***

تفضّل العمّة رانا الصمتَ. فإذا تحدثتْ، آثرت الحديثَ مع من لا يحبّون أنفسَهم.

أدراجٌ صغيرةٌ ضيّقة تؤدّي إلى منزل العمّة رانا، كلّها حكاياتٌ قديمةٌ تتخلّلها عناوينُ كبيرة: بيروت الشرقيّة، ومعركة الهوليداي إنّ، وبرج المرّ، و"الطريق إلى القدس تمرّ من جونية."(1)

في العام 1990 تسلّمتْ رانا هذا المنزل. وقتها، كنتَ تلمح في براويز صور، صفحات الجرائد الأولى، التي كانت رانا تعلّقها على الحائط، عباراتٍ مثل: حرب الإلغاء، ولجوء سياسيّ إلى فرنسا، والقرار السوريّ بالدّخول إلى قصر بعبدا.

***

لنعد إلى سايغن. كانت رانا تناديه أغلب الأحيان بـ"الكتائبيّ"؛ فقد كان عدائيًّا، يقاتل ظلّه دائمًا، ولا يحبّ أحدًا.

في أحد الأيّام، على ما تذكر، طَرقتْ بابَ منزلها وحدةٌ عسكريّةٌ أحالت سايغن على التحقيق، وحُكم عليه بالسجن عامين بعد أن رمى زرّيعة الورد من البلكون إثر حرمانه من الطعام. وصودف مرور زعيمٍ "وطنيّ"! غيابُ سايغن أشعر رانا بقيمته الكبرى. "كان كلّ صباحٍ يأتيني وقت شربي القهوة، فيجلس في أحضاني،" قالت. "لقد خسرت حنانه بعد الاعتقال."

***

 بعد شهورٍ على إطلاق سراح سايغون ، لبث أيّامه الأخيرة داخل البيت. أمّا وفا، فما تزال تخرج ليلًا بعد هدوء القصفِ، لتتأمّل ذلك الضوءَ البعيد، ولكنّها تختفي كلّ النهار خوفًا من بزّةٍ عسكريّة جديدة.

 أمّا رانا فراحت تجلس على البلكون، مكان سايغن، منتظرةً انتهاء الحرب..

بيروت

 

  1. جملة منسوبة إلى صلاح خلف (أبو إيّاد) عام 1978 مخاطبًا اليمين الانعزاليّ.
عبدالله الجُعيد

مواليد 1991. كاتب وصحفيّ لبناني. والمدير الأسبق لموقع الآداب الإلكتروني. صدر له: عن غيرِ قَصد (شِعر بالعاميّة و الفصحى، 2015)، ورقصٌ وَوِلادة (شعر،2017).