رين متري: أفلامٌ عن خسارات بيروت، وهجرةِ الذاكرة، وخيالاتِ الحروب
16-09-2017

 

في مدينةٍ خسرت الكثيرَ من معالمِها وناسِها خلال الحرب وبعدها، تواكب المخرجةُ اللبنانيّة رين متري في  صوت خطوات على الرصيف (٢٠٠٤) مقهى المودكا في أسابيعه الأخيرة. كان المقهى قد أُنشئ في العام ١٩٦٩، وصار مرادفًا لمنطقة الحمرا في بيروت: أناقةً، وجمالًا، وتعبيرًا عن تناقضات الحريّة الثقافيّة وشراهةِ البرجوازيّة فيها. نرى حيطانَ المقهى ركامًا من الإسمنت والستانلِستيل والخشب، يتحوّل في العتمة إلى ملجأ مهجور، كأنّه يشهد الحربَ من جديد. تأخذنا الكاميرا إلى ما كان عليه المقهى من قبل، فننظر إلى الحائط الزيتيّ اللامع وإلى الشبابيك المستديرة، ونرنو إلى جلسةٍ في تلك "الغوّاصة" المضيئة. يباشر العمّالُ بتعريته.

صفُّ الطاولات والكراسي الموضَّبة صورةٌ أخرى للأجساد المحشورة. يقولُ عاملٌ قضى أكثرَ من عشرين عامًا في المقهى: "هذا هو حكمُ القويّ على الضعيف." نادلٌ آخر يتمتم: "[القهوة] فتحِتْ أيّام الحرب وتسكِّرْ أيام السِّلم؟!" رنّاتُ الأكواب والصحون، وهديرُ السيّارات وزماميرُها، تشكّل موسيقى الفيلم الرئيسة. تُصوِّر متري مواجهاتٍ جرت بين معتصمين وإدارةِ المقهى. تتخلّل الفيلمَ قراءاتٌ ليليّةٌ أمام المودكا: عن مظاهرات ساحة تيانامن في الصين، والإضراباتِ العمّاليّة في فرنسا، والصراعِ بين البوليس والمتظاهرين سنة ١٩٦٨ أمام مسرح أوديون. تُضفي هذه القراءاتُ ظلالًا رقيقةً على الفيلم، وتعطي حدثَ إقفال المودكا أبعادًا عالميّةً. في نهاية الفيلم يكونُ المودكا قد تحوّل إلى متجر فيرومودا للثياب (قبل أن يتحوّل اليوم إلى مخزنٍ لملابس الرياضة من ماركة عالميّة أخرى). هناك، تعتصم الشابّاتُ والشبّانُ رافعين لافتاتٍ ضدّ العولمة، وتغوُّلِ الروح الاستهلاكيّة. يَحْضر رجالُ الشرطة اللبنانيّة، ويفضّون الاعتصام.

 

تحاول متري في هذا الفیلم أن تُخرج المودكا من ترف شارع الحمرا، فتجعله مكانًا للصداقات والحبّ والأدب والنشاطات الوطنيّة، لتنقله من الخاصّة إلى الذاكرة العامّة، وليكون مناسبةً لتسليط الضوء على جشع المقاولين والتجّار الكبار. هكذا مثلًا نرى على أحد الحيطان في شارع الحمراء إعلانًا يقول: "قاطع البضائعَ الأميركيّة." كما يشير أحدُهم إلى أنّ أولى العمليّات التي نُفّذتْ ضدّ العدوّ الإسرائيليّ بعد اجتياحه بيروت صيفَ العام 1982 كانت أمام نظيره المقابل، مقهى الويمبي، المشهور، الذي حُذف من ذاكرتنا قبله هو أيضًا. نشعر أنّ المقاهي التي نحبُّها يجب أن تحبَّنا هي الأخرى، وأن تَشْهد علينا، مثلما نشهدُ على الحياة والموت.

ثمّ إنّ الكاميرا تلعب، بين يديْ متري، دورَ المفتّش الذي يتحرّى صحّةَ مزاعم صاحب المودكا. هكذا نسمع مناصريه يقولون إنّ الضربة القاضية للمودكا جاءت من الحكومة التي أَجبرتْ إدارتَه على تسجيل جميع العمّال في الضمان الصحّيّ، ما كلّفها ١٤٠ مليون ليرة، فقرّر صاحبُه إقفالَه. ثمّ نجد أنفسَنا أمام شائعاتٍ أخرى: عن تبييض أموال، ومحاولات إخفاء مصدر ثراء غير مشروع ذهبتْ ضحيّتَه أمكنةٌ كانت تربطنا بماضينا وبأنفسِنا وتَعِدُنا بالطمأنينة والجمال والديمومة. فنتساءل: كيف ستصبحُ منطقة الحمرا بعد كلّ موت؟ هل ستصبح مقاهيها لقطةً نادرةً على شاشة حاسوب، أمْ قماشًا شاحبًا من الزمن الجميل؟

***

في العام ٢٠٠٩ أصدرتْ متري فيلمًا آخر بعنوان Vulnérable، قابلٌ للعطب. وقد استخدمتْ متري العدوانَ الإسرائيليّ على لبنان صيفَ العام ٢٠٠٦ إطارًا خلفيًّا للفيلم، ولم تتعاطَ مع الحدث السياسيّ بشكل مباشر. فالحرب تظهر وتختفي في المشاهد التلفزيونيّة، والكاميرا تتركنا أمام هواجس بعض الفنّانين الناشئين وإيحاءاتهم الجسديّة، ملقيةً الضوءَ على طريقتهم في التأقلم (أو عدمه) مع وتيرة الحياة اليوميّة وهشاشةِ الاستقرار. لا تدلُّنا متري على مواضيع محدّدة أو أجوبةٍ جاهزة، وإنّما تدعونا الحواراتُ إلى التفكير في قدرة الإنسان على القتل وعلى تقبّل الهزيمة في آنٍ واحد. أحدُهم يشير إلى إشكاليّة الحداثة التي أسّستْ لتطهيرٍ عرقيّ مثل "محرقة اليهود،" لكنّه لا يربط هذه الإشكاليّة بالكيان الإسرائيليّ، فيبقى الحوارُ إيحائيًّا فقط. عازفُ الباص يَخرج من حالة إفلاسٍ إثر العدوان الإسرائيليّ، فتحظى فرقتُه باهتمامٍ جديدٍ، فتَستحضر متري موسيقى حديدٍ يتكسّر ويحتكُّ بعضُه ببعض، ولحنًا ناشزًا يوحي بفوضى مناسِبةٍ لحالة الترحال النفسيّ.

في الفيلم أبعادٌ فنّيّة متفاوتة. الكاميرا تؤْثر العفويّة وبساطةَ العرض. تَقطع الحواراتِ والسردَ مشاهدُ رمزيّة: يدان بينهما عصافيرُ تحلّق، ما إنْ تمدّنا بالأمل حتّى تسير بنا إلى الهلع، إلى الدمار الذي تُحْدثه طائراتٌ إسرائيليّة؛ ومن فتحةٍ في الحائط نرى مكانًا مهدّمًا في ضاحية بيروت الجنوبيّة، ولكنْ ثمّة فتحةٌ ثانيةٌ تطلّ على السّماء. وكما في الفيلم الأول، تستنهض متري فكرةَ البطولة، التي تبدو كأنّها اعتراضٌ على طقوس الهزيمة الخفيّة التي يعيشها اللبنانيّون أوّلًا والمناخُ الليبراليّ ثانيًا؛ فالذين يتحدّثون عن البطولة غدوا قلائل، بل هناك تهكّم ثقافيّ ليبراليّ إزاء هذه المفردة. نرى مشهدًا من مئة وجه ليوم واحد، الفيلم الوحيد للمخرج الراديكاليّ كريستيان غازي الذي لم تحرقْه يدُ الحرب والدولة والميليشيات، وهو مشهد يتحدّث عن الهزيمة ويأتي على ذكر غيرنيكا، فنربط العدوانَ الإسرائيليّ على لبنان صيفَ العام 1982 بتدمير هذه المدينة الباسكيّة في ربيع العام 1937، وبقتل مئات المدنيّين الباسكيين في غارات جويّة نازية ــــ فاشستيّة هناك وآلافِ المدنيين اللبنانين والفلسطينيين هناك. عازف الباص يتحدّث عن التكنولوجيا الحديثة التي أنتجتها الدولُ الصناعيّةُ المتطوّرة: هذه هي قدرة القوى المهيمنة في عصر "التنوير" على التخلّص من جماعات إنسانيّة بكاملها.

***

لقطة من فيلم لي قبورٌ في هذه الأرض

    In this Land Lay Graves of Mine، (لي قبور في هذه الأرض) 2014، هو أطولُ أفلام متري. تأخذنا متري فيه إلى جنوبٍ لبنانيّ عاشت حلاوتَه ومرارتِه؛ جنوبٍ منقسمٍ على ذاته، ولكنّ أهلَه توحّدوا (في معظمهم) في ومضاتٍ نادرةٍ ليقاوموا "إسرائيل." تبحث في خرائط الخوف عن الخطوط الوهميّة والحقيقيّة التي فرّقت اللبنانيّين بعضَهم عن بعض. تقدِّم عرضًا نادرًا وجريئًا لأقسى مراحل الحرب. لذا جاء قرارُ الدولة اللبنانيّة بمنع هذا الفيلم ليؤكّدَ لنا أنّ الحربَ ما تزال مستمرّة وإنْ بأشكال جديدة؛ ذلك أنّ السعي إلى طمس الذاكرة القريبة إنّما هو دليلٌ على رسوخها العميق في وعينا ولاوعينا.

ترحل بنا متري إلى عين المير، وهي قرية شرقَ مدينة صيدا، غالبيّةُ مواطنيها من المسيحيين، حيث بيتُ عائلتها، وقطعةُ أرضٍ ورثتْها عن أبيها وقرّرتْ أن تبيعَها في العام ٢٠٠٩. في هذه الأرض المهجورة نرى بستانًا تفترشه الأزهارُ البرّيّة، وعريشةً مهلهلةً، وأبوابًا صدئة. عند مدخل البيت شجرةُ أكيدنيا جفّت ثمارُها، وأخرى وارفةٌ تحمل حبّاتِ الحامض.

هذه هي ذكرياتُ متري عن عين المير. منها ما هو واضح، ومنها ما هو إيحائيٌّ كأنّه لوحةٌ مائيّةٌ لمكانٍ اندرس. هي ذكرياتٌ: فيها الطفولةُ الدافئة، وفيها الكوابيس. حكايتُها هي حكايتُنا جميعًا، نحن أصحابَ الذاكرات المتضاربة أو المتقطّعة أو الضبابيّة عن الحروب.

نرى متري، في صورةٍ، طفلةً تحمل بارودةَ صيدٍ أطولَ منها؛ صورةٍ تستعيدها متري عدّة مرّات في الفيلم، مضيفةً إليها صورةَ والدها. وفي الفيلم تتحدّث عن استقرار العائلة في جونية، وعن زياراتها إلى عين المير في موسم قطف الزيتون. ثمّة سلسلة من اللقطات بالأسود والأبيض، لا تلبث أن تشكّل مجموعةً من بقايا الذاكرة، تعلّقها متري على حائط البيت، متفرّقةً أو مضمومةً. بعد سنوات من التهجير، تلتقط متري، شأن كثيرين هُجّروا من بلداتهم، صورًا فوتوغرافيّةً عن لحظة العودة إلى عين المير. وفي مشهدٍ بانوراميّ وقريبٍ معًا، يقف أفرادُ عائلتها في طريق ترابية، ثمّ يستديرون لينظروا إلى عدسة الكاميرا؛ فكأنّ المشهد يقول إنّ العودة إلى عين المير عسيرة لأنّهم صاروا خارج المكان.

غير أنّ الصورة وحدها لا تفي بالغرض، فيرفدُها الصوتُ أيضًا. والصوت الذي نسمعه في الفيلم هو صوت متري ذاتها، التي تحكي عن شعورها بالخسارة؛ فالغربة صارت في كلّ مكان: في عين المير، وفي جونية، وفي فرن الشبّاك حيث يقع بيتُها الحاليّ. تقول لنا متري إنّها أرادت لهذا الفيلم أن يوثِّقَ خوفَ المسيحيّين من المجازر والنزوح، خوفًا كانت تراه وهمًا لسنوات. تضعنا أمام صورة باخرةٍ في ميناء صيدا، وطابورٍ طويلٍ من المغادرين. بعدها، تطالعنا صورُ المظاهرة المدنيّة المشهورة التي انطلقتْ من صيدا بقيادة الشهيد معروف سعد في 26/2/1975، ولافتةٍ كُتب عليها: "لقد دخلنا التاريخَ أيّها الساسة ولن نخرج من الجغرافيا."

تعتمدُ متري على مقابلاتٍ أجرتها مع عدد من اللبنانيّين والفلسطينيّين الذين ذاقوا التهجيرَ والثكل. الوحشيّة تنعكس في الصور الفوتوغرافيّة النادرة، وتهيّئ المناخَ النفسيَّ الأهمَّ للسرد بلا موسيقى. سيّارات مفحّمة، وأشلاءُ نساء ورجال وأطفال، وقتلى أمام البيوت وقرب المخيّمات يبدون من البعيد كالنفايات على جوانب الطرق. تسيل الدماء من امرأةٍ وطفلين. قربهما مقاتلٌ أو قاتل، يحمل غالون بنزين.

المشاهد التي تسيطر على أكثر مساحات الفيلم تتعلّق بإعمار المساحات المهدَّمة التي هُجِّر منها المواطنون المسيحيون، وبالسباق الطائفيّ الجديد، وبالحروب العقاريّة بين رعايا الطوائف. ومن ثمّ فإنّ هناك مهجّرين أصلحوا بيوتَهم فعلًا لكنهم تركوها من جديدٍ طواعيّةً بعد أن تغلغلت الغربةُ في حجارتها وهوائها. صحيح أنّ أجراس الكنيسة في عين المير عادت لتدقّ، لكنّ المكان خسر قلبَه؛ لا شيء الآن سوى الوحدة المؤلمة. وفي لقطةٍ معبّرة نرى والدةَ متري وهي تختلس النظرَ من شبّاك غرفة جلوس كئيبةٍ فارغةٍ من الصور من دون أن تفتح الستائر ــ ــ كأنّ الخارجَ، بأكمله، مريب.

لقد اختارت متري نماذجَ إنسانيّةً رائعةً لتحكيَ قصصَها ولتشهدَ على الماضي الحيّ. من هذه النماذج: امرأةٌ نزحتْ مع عائلتها من بنت جبيل (الجنوب) إلى برج حمّود (إحدى ضواحي بيروت) وراحت تصف الحرب بأنّها صراعٌ طبقيٌّ بين العمّال والبرجوازيّة المتمثلّة في الدولة؛ وعاملةٌ (هي فاطمة الخواجة) استُشهدتْ خلال إضراب العاملات والعمّال في مصنع غندور في بداية السبعينيّات من القرن الماضي؛ وصيّادون وعمّالُ تبغٍ وفعاليّاتٌ نقابيّة ولافتةٌ تقول: "السمك الكبير يأكل الصغير." وبمهارة، تعيد متري تفكيك حكاية "البعبع" الفلسطينيّ، وفكرة "تطهير" المكان من "الآخَر،" مشيرةً إلى أنّ المسيحيّين عاشوا مع المسلمين في تلك المنطقة، وقبلهم عاش الدروزُ والشيعة؛ ومع ذلك فبيعُ الأرض إلى مسلمٍ اليوم بات يخيف المسيحيّين لأسبابٍ كثيرة.

أهميّة الفيلم تكمن في تشريح الذاكرات المتضاربة عن الحرب، وفي ربطها بالحدث التاريخيّ. يضع الفيلم المقولات الطائفيّة تحت المجهر، وفيه تحكي متري عن إحساسها العميق بالذنب: فقد تجاهلتْ مأساةَ التهجير والقتل التي حلّت بالمسيحيّين، ولذلك فإنّ عليها الآن أن تسمّي الأشياءَ بأسمائها كي تسدّ ثغَراتِ الذاكرة المفقودة، وكي "تركّب" الحاضر كما هو.

                                                        لقطة من فيلم Vulnerable

***

فيلم Lost Paradise ، الفردوس المفقود (2017)، يعكس تطوّرًا فنيًّا مهمًّا في أسلوب رين متري الإخراجيّ، ويتطرّق إلى نواحٍ جديدةٍ في العلاقة بالمدينة والذاكرة والجسد. مساحاتُ الصمت الطويلة والسرد الذاتيّ ترتكزُ إلى مشاهد إعمار بيروت. تُوقفنا الكاميرا طويلًا أمام مراكز التنقيب عن الآثار، المحاطةِ بضجيج السيّارات والنقر بأدوات الحفر على التراب وسط الأواني البلاستيكيّة. عملُ الإعمار يهشِّم زجاجَ الذاكرة، فيوازي عملَ التدمير.

تعود بنا متري، من وقت إلى آخر، إلى بيروت القديمة في بداية القرن العشرين، لنرى كيف اتّسعت الفجوةُ بين ماضي المدينة وحاضرِها، فتوقظ فينا الحنينَ إلى معالمَ فنّيّةٍ وتاريخيّة زالت؛ بعضُها قبع في الذاكرة، والبعض الآخر في الصور والحكايات الشعبيّة. الحنين هنا مرتبط بفشل اللبنانيّين في استيعاب نتائج الحروب، واستيعابِ ما يحدثُه التسابقُ العقاريُّ من تشويه للأمكنة وتغريبٍ للإنسان عنها. لم تعد المدينة تعرف نفسَها أو تعرفنا. الفيلم يتناول حالة العجز عن التأقلم مع سرقة الذاكرة. يحكي عن فشلنا في التمسّك بالمدينة كما كانت، أو كما يمكن أن تكون.

وفي الذاكرة يَحضر الرجل أيضًا، أبًا وحبيبًا. ومن خلالهما تحاول متري أن تُحْيي صورةَ البطل الذي دافع عن عائلته ووحدة أرضه. تستخدم سردَها وصمتَها، وحضورَها وغيابها، لتضعنا أمام أحاسيس الرغبة والفراغ، والضياع والإيروسيّة.

وإذا كان الاهتمامُ بتصوير علاقة الدين بالإيروسيّة قد انعكس في أوّل فيلمٍ لميتري ودام خمس دقائق، وهو بعنوان A propos de la poire، على ذكر الإجاصة (2001)، فإنّنا في الفردوس المفقود ندخل من إيقاع المدينة المتعَب إلى سرير الغرفة، إلى ذاكرةٍ أخرى يَحتفظ بها جسدُ متري. هنا الشهوةُ هي التي تصوغ معنى الحياة. فهنا تتوجّه أنظارُنا إلى الأقسام البيضاء العارية، إلى فخذيها ويديها وعنقها، ونتعرّف إلى هواجس ضياع الصّبا والرغبة. تتراكب صورُ البيوت المدمَّرة، وتتداخل مع صورة متري، بينما الحبيبُ يحتضنها.

***

أعمال رين متري رحلاتٌ مشوّقةٌ وجريئة داخل خواطرها الذاتيّة، وداخل الصراعات التاريخيّة التي شهدها لبنانُ منذ سبعينيّات القرن الماضي.  تثابر في طرح الأسئلة الصعبة حول الحرب، وفي استدراجنا للوصول إلى الأجوبة التي نخاف منها. تصوّر ببراعةٍ القلقَ من ضياع الذاكرة الجمعيّة، وتتمسّك بحكايات مدننا وقرانا التي يسعى الاقتتالُ الطائفيّ والصفقاتُ السياسيّة والحروبُ العقاريّة إلى طمسها.

مونتريال  


[1]خلال إحدى المحاضرات التّي نظّمتها ميشال هارتمان ومالك أبي صعب في آذار ٢٠١٧ حول المرأة والحرب في لبنان بدعمٍ من قسم الدراسات الإسلاميّة في جامعة ماكغيل في مونتريال، عرضت المخرجةُ اللبنانيّة رين متري فيلمَها، لي قبورٌ في هذه الأرض.

رلى الجردي وميشال هارتمان

رلى الجردي: درست علم الإنسان في الجامعة الأميركيّة في بيروت، 

وأنهت دراسة الدكتوراة في التاريخ الإسلامي

والأدب العربي المعاصر في جامعة يال في أمريكا سنة ١٩٩٨.

 

ميشيل هارتمان: أستاذة في جامعة ماكغيل، منتريال (كندا)، وتركّز حاليًّا على سياسة الترجمة الأدبيّة من العربيّة إلى الإنكليزيّة ومشاكلها في السوق الأدبيّة العالميّة. تَرجمت عدة روايات إلى الإنكليزيّة، منها: روايات ايمان حميدان، والكسندرا شريتح، وجنى الحسن، ومجموعة قصصية (Beirut Noir) نشرت كتابين عن استخدام اللغة في الأدب اللبنانيّ الحديث. وهي ناشطة في المجموعات الكندية الآتية: Faculty for Palestine و College and University Workers United

وأنهت دراسة الدكتوراة في التاريخ الإسلامي

والأدب العربي المعاصر في جامعة يال في أمريكا سنة ١٩٩٨.