مقاربات ماكرون السياسية للشأن الديني وإهدار السياق التاريخي
12-11-2020

 

 

كثيرةٌ هي التحفّظاتُ التي تثيرها المقارباتُ السياسيّةُ التي قدّمها الرئيسُ الفرنسيّ ماكرون للظاهرة الثقافيّة الدينيّة الشديدةِ التعقيد. جاءت تلك المقارباتُ بمناسبة الأحداث العنيفة التي وقعتْ في فرنسا ردًّا على ما اعتُبر إساءةً بالغةً للنبيّ العربيّ الكريم، محمّد بن عبدِ الله، بعد إعادة نشر رسوم الكاريكاتير المعروفة. ثم جاءت أقوى التصريحات الملتبسة للرئيس نفسِه، لتزيد الطينَ بلّةً والرؤيةَ الفكريّةَ تشويشًا، وذلك بعد أن ارتكب طالبٌ مسلمٌ جريمةَ قتل أستاذه الفرنسيّ الذي عرض تلك الرسومَ في الصفّ، وبعد جريمة قتل ثلاثة أشخاصٍ آخرين في كنيسةٍ في مدينة نِيس، إذ أعلن ماكرون أنّ "الإسلام دينٌ يعيش في أزمة."

 

إدانةُ جرائم العنف لم تقابَلْ بإدانة الإساءة للمقدَّسات

لنسجّلْ، بدايةً، قيامَ زعاماتٍ وهيئاتٍ وشخصيّاتٍ إسلاميّةٍ، في فرنسا وخارجها، بإداناتٍ شاملةٍ وقويّةٍ لأعمالِ العنف وجرائمِ القتلِ البشعة التي نفّذها مسلمون ضدّ مواطنين فرنسيّين، متورِّطين بتلك الإساءات أو غيرِ متورّطين بها. غير أنّ هذه الإدانات الإسلاميّةَ لم تقابَلْ بإداناتٍ فرنسيّةٍ واضحة، رسميّةٍ أو غير رسميّة، للإساءة المتكرّرة التي صَدمتْ وجَرحتْ ملايينَ المسلمين، الفرنسيين وغير الفرنسيين. وقد شذّت عن ذلك حفنةٌ، منهم رئيسُ أساقفة مدينة تولوز الفرنسيّة روبير لوغال، الذي حذّر من خطورة نشر الرسومِ المسيئة، وأكّد أنّها إساءةٌ للمسلمين والمسيحيّين على حدٍّ سواء، وينبغي ألّا تنتشرَ بعد الآن. وأضاف، ملمِّحًا إلى كلامٍ لماكرون، أنّ هناك حدودًا لحريّة التعبير.[1] لاحقًا، اتَّهمتْ أوساطٌ سياسيّةٌ وإعلاميّةٌ واسعةٌ الأب لوغال بأنّه "انهزاميٌّ استسلم أمام الإرهاب." ولعلّ أقصى ما أعلن عنه الرئيسُ الفرنسيُّ في مقابلته التلفزيونيّة مع قناة الجزيرة في هذا الاتجاه، واعتُبر تراجعًا عن مداخلاته المتشنّجةِ السابقة، قولُه إنّه ليس مسؤولًا عن تلك الرسوم، وإنّه لا يؤيّدها، وإنّ الدولةَ الفرنسيّة لم ترسمْها، ولكنّ واجبَه - كرئيس دولة - هو حمايةُ مَن يرسمُها لأنّها تقع تحت بند "حريّة التعبير" و"قوانينِ الجمهوريّة."

من ناحيةٍ أخرى فقد قدّم ماكرون جريمةَ قتل المدرِّس بطريقةٍ أقلُّ ما يقال عنها إنّها اختزاليّة، وتصعيديّة، ولا علاقةَ لها بواقع الحال. فقد قال حرفيًّا: "لقد قطعوا رأسَ مدرِّس لأنّه كان يعلّم بحرّيّة!"[2] وهذا قفزٌ على الفعل المسيء الذي دفع ذلك الشابَّ إلى ارتكاب فعلته المدانة، وكأنّ القاتلَ كان بالضرورة عدوًّا للتعليم الحرّ، لا فردًا مدفوعًا بسببٍ آخر. ولنلاحظْ، عَرَضًا، أنّ ماكرون استعمل صيغةَ الجمع ("قطعوا")، بما لا يضعُها في سياقها الصحيح لكونها جريمةً فرديّةً، لها دافعُها المعروف. وهذا ليس تبريرًا لها بأيّ حالٍ من الأحوال، بل هي القراءةُ الموضوعيّةُ لِما حدث.

 

تعريف العلمانيّة وأنواعها

عرّف ماكرون العلمانيّة تعريفاتٍ شعبيّةً فقال: "العلمانيّة هي في إمكانيّة الإيمان أو عدم الإيمان في آنٍ واحدٍ، من دون أن تكونَ هناك تبعاتٌ على مواطنتك."[3] أو: "هي مبدأُ الفصل بين الكنيسة والدولة، وهي أنّ الدولةَ محايدة، ولا تنشغل بأمر الدين، ولا تموِّلُه ولا تنظِّمُه. والعاملون في الوظيفة العموميّة عليهم - من باب الحياد - أن لا يُظْهروا أيَّ إشاراتٍ أو علاماتٍ دينيّةٍ لاستقبال الجميع. ومدارسُنا التي تعلِّم عقولًا ليست راشدةً تضمن فضاءً محايدًا، بلا رموزٍ دينيّة، ويمكن أن نرى رموزًا دينيّةً في الجامعة. ومع ذلك، فالعلمانيّة لا تعني محوَ الدين."[4]

هذه التعريفات خارج سياق الحادثة تمامًا. قد نختلف أكاديميًّا مع هذه التعريفات أو نتّفق، غيرَ أنّ الخلافَ في هذا السياق أصلًا لم يكن على محتوى العَلمانيّة، الفكريّ والاجتماعيّ عمومًا، أو على طبيعة نسختِها الفرنسيّة، لأنّ المسلمين في فرنسا لم يطالبوا بتطبيقِ ما سمّاه ماكرون "القانونَ الإسلاميّ." ثمّ إنّ الحادثَ نفسَه لا يتعلّق مباشرةً بها؛ فالعَلمانيّة شيء، والإساءةُ إلى مقدَّساتِ ملياريْ مسلم شيءٌ آخر.

 

لقد عاش ملايينُ المسلمين في فرنسا العَلمانيّة أجيالًا عدّةً في تناغمٍ والتزامٍ بالقوانين عامّةً

 

لقد عاش ملايينُ المسلمين في فرنسا العَلمانيّة، وغيرِها، أجيالًا عدّةً، في تناغمٍ وانسجامٍ وتفهّمٍ والتزامٍ بالقوانين عامّةً. ولم يسجَّلْ أبدًا أيُّ تمرّدٍ جماعيٍّ من قِبلهم، سلميٍّ أو مسلّح، ضدّ الدولة، أو رفضٍ لدفع الضرائب الرسميّة لأسبابٍ وبواعثَ دينيّة. ولهذا لا يمكن أن تُحتسبَ التصرّفاتُ الفرديّةُ المتطرّفةُ عليهم، كجاليةٍ أو طائفةٍ إسلاميّةٍ مليونيّة.

 

الدولة والفرد والجالية

وعلى افتراض أنّ هناك مَن خرق القانونَ الفرنسيَّ من المسلمين في فرنسا أو غيرها، فهل هذا تمرّدٌ طائفيٌّ وانفصاليٌّ قام به المسلمون الفرنسيّون أو المقيمون فيها؟ وما علاقةُ هذه الملايين بما يقوم به أفرادٌ أو مجموعاتٌ من "المتطرّفين العنيفين"؟ إنّ ملايينَ المسلمين، الذين قدّر ماكرون أعدادَهم بين الأربعة والستة ملايين، لم يخرقوا القانونَ الفرنسيّ كطائفة أو كمعتنقي دين. وإذا كان هناك أفرادٌ خرقوه، فليتعاملْ معهم القانونُ كمواطنين فرنسيّين أو كمقيمين على الأراضي الفرنسيّة. أمّا إذا التزم المسلمون أو غالبيّتُهم بتعاليمِ دينِهم وطقوسِهم التي لا تتناقض مع القانون أو تخرقُه (وهذا هو واقعُ الحال طوال أكثر من قرن)، فما الخطأ الذي يحاسَبون عليه؟

فلنضربْ بعضَ الأمثلة على ذلك. إنّ تعدّدَ الزوجات ممنوعٌ بحسب القانون الفرنسيّ، ولكنّه مباحٌ في الشريعة الإسلاميّة. فهل أقدم مسلمٌ فرنسيٌّ أو مقيمٌ في فرنسا على خرْق هذا القانون؟ وحتى إذا ضُبط شخصٌ قد تزوّج بأكثرَ من واحدة (ولا نَعرف أمثلةً على ذلك)، فهل المشكلة هنا جنائيّةٌ قضائيّةٌ تخصّ فردًا، أمْ هي دينيّةٌ تخصّ دينًا وجاليةً دينيّةً؟

وفي مجال مساواة الرجال بالنساء، التي أطال ماكرون الكلامَ فيها وكرّرها، نسأل: هل يعني مجرّدُ الاعتقاد بخلاف هذه المساواة، بسبب الاعتقاد الدينيّ، مخالفةً قانونيّةً ما دام القانونُ يطبَّق على الجميع، مسلمين وغير مسلمين؟

إنَّ العقائد الدينيّة مختلفة و"متخالفة" بعمقٍ في أمورٍ كثيرة. وفيها جانبٌ اعتقاديٌّ إيمانيّ، وآخرُ تطبيقيٌّ طقوسيٌّ حياتيّ. والجانب الأخير، في ما يخصّ المسلمين خارج بلدانهم، يكاد يقتصر على أداء طقوسهم وفرائضِهم الدينيّة، من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وزكاةٍ وغيرِ ذلك، وهذا ما تَضْمن ممارستَه بحرّيّةٍ جميعُ أنواع القوانين في شتّى أنحاء العالم، ولا علاقةَ لكلّ هذه الأمور بما يفعله "المتطرِّفون العنيفون،" أفرادًا أو جمعيّاتٍ أو تنظيماتٍ سرّيّةً. وهم مسؤولون عمّا يفعلون، ولا علاقةَ لهم بالدين نفسِه، ولا بالطائفة الدينيّة المؤلَّفة من ملايين الناس، ما لم ينتخبْهم أحدٌ أو يمنحْهم توكيلًا رسميًّا.

هذه الأمور، التي قد تُعتبر في عداد البديهيّات لدى البعض، تخصّ المسلمين كطائفة، ولا شأن لها بردود أفعالٍ أو أفعالٍ فرديّةٍ تَخْرق القانونَ الفرنسيَّ أو غيرَه، وهي بالأحرى لا علاقة لها بموضوع العلمانيّة والقوانين السائدة. وعلى هذا، فكلُّ الكلام الذي قاله ماكرون نافلٌ وفي غير موضعِه الصحيح.

أمّا بخصوص العَلمانيّة نفسِها، وقد تطرّق ماكرون بطريقةٍ سطحيّةٍ وعلى عجلٍ إلى الفرق بين نسختها الفرنسيّةِ الصارمة ونُسَخِها المخفّفةِ في الدول الإنغلوساكسونيّة، وعلى الرغم أنّ هذا الموضوع بحثيٌّ أكاديميٌّ أكثر منه موضوعًا اجتماعيًّا-سياسيًّا ذا علاقةٍ بالمجتمع وعلاقاتِ الطوائف الدينيّة فيه بعضها ببعض، فإنّه يحقّ لنا أن نتساءل على سبيل البحث المنهجيّ:

ما الذي يعطي ماكرون أو غيرَه الحقَّ أن يَعتبر النموذجَ الذي يرتضيه من العَلمانيّة هو النموذج الأمثل والصالح لكلّ زمانٍ ومكان؟ ولماذا ينبغي أن تكون النسخةُ الفرنسيّةُ من العلمانيّة هي النموذج العالميّ؟ أليست هذه نسخةً من "أصوليّة سلفيّة علمانيّة" جامدة، "صالحةً لكلّ زمان ومكان،" كما يقول الأصوليّون عن نظريّتهم الدينيّة في الحُكم والحياة؟

 

تطبيقات عمليّة مُختلَّة

إنّ التطبيقات العمليّة التي أجرتها بعضُ الدول الأوروبيّة، ومنها فرنسا، لأساليبِ التعاملِ مع الجاليات غير الأوروبيّة، لا يَسْلم من النقد. وهناك الكثيرُ من علامات الاستفهام والتحفّظات التي توضع عليه.

ففي موضوع منح الجنسيّة الفرنسيّة وغيرها، يتحوّل شرطُ الاندماج الاجتماعيّ (Intégration Sociale) للحصول على الجنسيّة (Naturalisation) - وهذه الكلمة تعني، في ما تعنيه، التَّطبُّعَ أو التطبيع -[5] إلى شرطٍ قسريٍّ لا علاقةَ له بالجنسيّة، ألا وهو التخلّي عن الهويّة الأصليّة والجذور، ومنها العاداتُ والتقاليدُ والديانةُ واللغةُ القوميّة. وهذا ما يُفهَم من التجاوزات والتطبيقات، ومن خلال إلحاح السلطات الرسميّة على تبنّي النموذج الفرنسيّ لنمط الحياة والتفكير "العلمانيّ." وقد تفاقمتْ هذه الظاهرةُ في الدول الأوروبيّة في العقود الأخيرة حتى كادت تتحوّلُ إلى ظاهرةٍ مقلقةٍ يعانيها المهاجرون الأجانب، وخصوصًا العرب المسلمون من الجيليْن الثاني والثالث. وليس مستبعَدًا أن يكون لها دورٌ في دفع شبابهم إلى التطرّف السياسيّ ذي المضمون الدينيّ. فالتفريق بين المواطنين في فرنسا، على أساس لونِ البشرة والدين، وحتى أسماء العلم والبلد الأصليّ واللغةِ الأم، أمرٌ شائعٌ، يقاسيه الشبابُ من أصولٍ غيرِ فرنسيّة رومانيّة كاثوليكيّة، في مجالات الحياة اليوميّة، في الشارع والسوق والمدرسة...

لنطرحْ هذه الفكرة في صيغةِ سؤال: ماذا تريد الدولةُ الفرنسيّة، وماكرون نائبٌ عنها وناطقٌ باسمها، من العربِ والمسلمين في فرنسا؟ هل يريدان منهم أن يكونوا عَلمانيّين على الطريقة الفرنسيّة في حياتهم اليوميّة مثله، أمْ أن يعيشوا حياتَهم كمواطنين فرنسيّين مسلمين تنطبق عليهم القوانينُ الفرنسيّةُ العلمانيّة؟

إنّ دفاعَ ماكرون، وعمومِ المثقّفين الأوروبيّين عن العَلمانيّة، بوصفها التجلّي التطبيقيّ لفلسفة الأنوار، ينطوي على مُصادرةٍ فكريّةٍ واضحة. فقد حلَّت الدولةُ عند هؤلاء محلَّ الإنسان، مركزًا وهدفًا للمضمون العميق لفلسفة الأنوار، التي يَنْسب ماكرون نفسَه إليها تكرارًا. وحين تُدقّق النظرَ، ستجد أنّ الدولة ليست هي التي صارت كذلك، بل هو تصوّرٌ شخصيٌّ محدودٌ عنها، يعود إلى هذا المفكّر أو ذاك الرئيس. وإذا مددنا هذا الاستنتاجَ حتى نهايته، فستنقلب مقولةُ ماكرون "إنّ الإسلام دينٌ يعيش اليومَ أزمةً عميقةً في كلّ أنحاء العالم" لتغدو على الشكل الآتي:

إنّ العلمانيّة بنسختها الفرنسيّة المتشدّدة هي التي تعيش أزمةً عميقةً. ومن الضروريّ تفحّصُ ميدانها التطبيقيّ الفعليّ في عصرنا الحاليّ، والخروجُ بالحلول الناجعة لتفادي الأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة الناتجة منها.

 

ما الذي يعطي ماكرون الحقَّ أن يَعتبر النموذجَ الذي يرتضيه من العَلمانيّة هو النموذج الأمثل والصالح لكلّ زمانٍ ومكان؟

 

نتائج إهدار السياق والخصوصيّات

حين يُسْأل ماركون عن سبب عدم وجود مشكلاتٍ ذاتِ علاقةٍ بالإسلام والمسلمين في دول أوروبيّةٍ علمانيّةٍ أخرى كبريطانيا، يردّ:

"لأنّنا لسنا بلدًا ولا مجتمعًا متعدّدَ الثقافات. صحيح أنّ الدولَ الإنغلوساكسونيّة والدولَ الأوروبيّة الأخرى بنوْا مجتمعاتِهم بطريقةٍ مختلفةٍ جدًّا مع الدين، وأذكر أنّ بريطانيا مازالت مملكةً برلمانيّةً ولها علاقةٌ بالدين، وتأسّستْ مع آلامٍ شهدها القرنُ السابعَ عشر؛ إذن، العلاقةُ مع الدين ليست هي نفسها لأنّها ثمرةُ تاريخٍ مختلف. ولكنّ الدول الإنغلوسكسونيّة لديها تعدّدُ ثقافاتٍ يجعل الأديانَ تتعايش. هل هم أفضلُ منّا؟ أنا لا أحْكم، ولكنّنا مختلفون."[6]

في هذه الفقرة المهمّة، يضع ماكرون يدَه - مصادفةً على الأرجح - على تفصيلٍ شديدِ الأهمّيّة والعمق، ولكنّه يحاول توظيفَه لخدمة أطروحاتِه العامّة، من دون نجاحٍ يُذْكر. فهو يُهْدر السياقَ التاريخيَّ للقراءة المخالفة له، في الوقت الذي يحرص فيه على عدم إهدار السياق التاريخيّ لظاهرة نشوء العَلمانيّة في فرنسا، ويريد من الآخرين أن يفهموها ويتقبّلوها إلى درجة التنازل عن خصوصيّاتهم الناتجة من سياقاتٍ تاريخيّةٍ وتجاربَ مجتمعيّةٍ مختلفةٍ أخرى!

لنحاولْ توضيحَ هذه الفكرة بطريقةٍ أخرى: إنّ ماكرون، في عرضه للنسخة الفرنسيّة من العلمانيّة، يُقِرّ بالاختلاف المضمونيّ بين نُسَخ العلمانيّة، بسبب سياقات قيامِها تاريخيًّا في المجتمعات المختلفة. وهذا أمرٌ صحيحٌ ومعروف: فالعلمانيّة الفرنسية تتّصف بأنّها متشدّدةٌ وشديدةُ الحساسيّة في التعامل مع الظاهرة الدينيّة ككلّ، ومع الإسلام خصوصًا، إلى درجة أنّها غالبًا ما تكون إقصائيّةً تجاهها؛ أمّا العلمانيّة في بريطانيا (ودولٍ أوروبيّةٍ أخرى) فهي أقلُّ تعصّبًا وتشدّدًا، وأكثرُ اعتدالًا وتفهّمًا للخصوصيّات والسياقاتِ التاريخيةِ الناجمة عنها. وماكرون يُقر بذلك صراحةً ودونما لبس، وهو يعزو اعتدالَ النماذج الأخرى إلى ما يسمّيه "تعدّد الثقافات" في تلك المجتمعات. والأقرب إلى الحقيقة هو أنّ "تعدّدَ الثقافات" يمكن أن يُعتبر أيضًا نتيجةً للعَلمانيّة المعتدلة الأنغلوساكسونيّة، لا سببًا لوجودها طوال عهودٍ استغرقها السياقُ التاريخيُّ المعقّد.

وإذا كان ماكرون يطالب الآخرين باحترام العلمانيّة الفرنسيّة القصوويّة والإقصائيّة بعلّة السياق التاريخيّ المختلف لقيامها، فإنّ مِن حقّ الآخرين أن يطالبوه هو أيضًا باحترام سياقاتٍ تاريخيّةٍ لتجارب المجتمعات الأخرى والدياناتِ الأخرى.

لنضربْ مثلًا تطبيقيًّا يوضح المغزى: يطالب ماكرون ومثقّفون فرنسيّون (بل مثقفون عرب) عَلمانيّون بأن يتصرّفَ المسلمُ الذي يَعتبر أنّ الرسومَ الكاريكاتوريّة مسيئةٌ لنبيّه وإهانةٌ لمقدّساته مثلما يتصرّف الفرنسيُّ أو السويديُّ المسيحيُّ أو اليهوديُّ حين يُساءُ إلى أنبيائه ومقدَّساتِه، وذلك بأن يُشِيحَ بوجهه عنها ويهملَها أو حتى أن يتجاوبَ معها كدعابةٍ مضحكة. وفي هذا المطلب بالذات تتجلّى الثمرةُ المرّةُ لإهدار السياق التاريخيّ لتجارب المجتمعات والأديان الأخرى، وللخصوصيّات المجتمعيّة والحضاريّة التي عمرُها عشراتُ القرون، بهدف جعل جميع الناس بطبيعةٍ نفسيّةٍ واحدة، وثقافةٍ واحدةٍ مشابهةٍ للنموذج الفرنسيّ. وهذا أمرٌ أقربُ إلى المحال، لأنّه يقفز على الطبيعة الإنسانيّة وقوانينِ التطوّر الاجتماعيّة الإنسانيّة الشديدةِ التعقيد، إذ لا يمكن اعتبارُ المساس بالمقدَّس شأنًا عاديًّا أو دعابةً لدى جميع الشعوب والمجتمعات دائمًا.

إنّ السياقات التاريخيّة لتطوّر المجتمعات والظواهر الثقافيّة والحضاريّة فيها ليست متماثلةً أو متشابهةً أو متوازية، بل إنّها ليست كذلك حتى بين المجتمعات ذاتِ الدينِ الواحد واللغةِ الواحدة. ويمكننا أن نتأكّدَ من صحّةِ هذه الخلاصة بإجراء مقارنةٍ سريعةٍ بين تطبيقات العلمانيّة وتجلّياتها في فرنسا وبريطانيا، أو داخل فرنسا نفسها بين شمالِها وجنوبها. والأمر ذاتُه يمكن أن يقالَ حين نقارن بين تجلّيات الظاهرة الدينيّة الإسلاميّة في البلدان الإسلاميّة المختلفة وتطوّراتِها. فهي في المغرب ليست نفسها في العراق أو تونس، وهي في مصر ليست نفسَها في السعوديّة أو عُمان. إنّ إهدارَ السياقات والشروطِ التاريخيّة والاجتماعيّة لنشوء وتطوّر الظاهرات الحضاريّة والثقافيّة (ومنها الدينيّة)، إذا ما تحوّل إلى تطبيقٍ سياسيٍّ لرؤية الدولة وقياداتِها، ستنجم عنه أوخمُ العواقب على جميع أطراف الحالة المعنيّة.

ربما يكون من المفيد هنا أن نذكّرَ بالفكرة الملهِمة التي يطرحها الروائيُّ البيروفيّ، الحائزُ جائزةَ نوبل، ماريو بارغاس يوسا،[7] عند مقارنته بين اختلال تعامل المجتمعات الأوروبيّة مع حكوماتها إزاء جائحة كورونا. فحين يسأله محاورُه عن سبب نموّ السخط الشعبيّ ضدّ إجراءات الحكومة لمواجهة الجائحة في إسبانيا (حيث يقيم بارغاس منذ سنين)، في حين ينعدم هذا السخطُ في مجتمعاتٍ كسويسرا والسويد، يعلّل هذه الحالةَ بوجود نوعٍ من "الثقة المتبادلة بين الدولة والمواطنين: فالسويد أو سويسرا دولتان ليس لديهما ماضٍ دكتاتوريٌّ حديث، وهذا هو سببُ وجود ثقةٍ أكبرَ بين المجتمع المدنيّ والمؤسّسات." ويتابع: "لكنْ إذا لم يكن المواطنون متجذّرين بعمق في إحساسهم بالحريّة، فيمكن أن تختفي الحريّةُ بسرعةٍ كبيرة." وكان قد قال قبل ذلك بقليل: "نحن حسّاسون بشكلٍ خاصّ في إسبانيا؛ فقد كانت لدينا ديكتاتوريّةُ فرانكو لمدّة أربعين عامًا، وكان علينا استعادةُ الحرّيّة."

هذه المقاربة ملهِمة لأنّها تعطينا سببًا وجيهًا لأخذ السياقات التاريخيّة للمجتمعات البشريّة في الاعتبار عند مقاربة الظواهر الكونيّة الكبرى وكيفية التعامل معها، ومنها الظاهرةُ الثقافيّة الحضاريّة وفرعُها الدينيُّ تحديدًا. أمّا مقاربتُها بالطريقة "السياسويّة" فستقود إلى نتائجَ سلبيّةٍ إنسانيًّا، وقاصرةٍ مفهوميًّا، وستقود حتمًا إلى المزيدِ من مظاهر القسر والتشنّج وردودِ الفعل العنيفة.

لقد أحصى وزيرُ التربية الفرنسيّة جان ميشال بلانكي[8] أكثرَ من أربعمائة حالة خرقٍ لدقيقة الصمت التي أُجْبِرَ جميعُ تلاميذ المدارس في فرنسا على وقوفها تأبينًا لروح المعلّم القتيل، وأحال عشرةً منهم (كانت خروقُهم أكثرَ جدّيّةً كما قال) على القضاء بتهم "التهديد والتخريبِ واستفزازِ الغير."[9] فكم سيحصي الوزيرُ من حالات الخرق إذا تكرّرت هذه الأحداثُ المؤسفةُ مستقبلًا، واستمرّت لغةُ القسر والممارساتُ المنطوية على إذلالٍ أو استفزازٍ أو تمييز، بدلًا من لغة الحوار بهدف فهم خصوصيّات الآخر (الإنسان العامّ) وسياقاتِ تجاربه التاريخيّة وجذورِه والتفاعلِ معها بشكلٍ ديموقراطيّ وأمميّ متحضّر؟

جنيف

 


[1] مقابلة مع رئيس أساقفة مدينة تولوز، روبير لو غال، أجرتْه وبثّته إذاعة فرانس بلو، في 30/10/2020.

[2] مقابلة خاصّة أجرتها قناةُ الجزيرة الفضائيّة مع الرئيس الفرنسيّ ماكرون:

https://www.youtube.com/watch?v=JLPDHFSaqVE&ab_channel=AlJazeeraChannel%D9%82%

D9%86%D8%A7%D8%A9%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9

[3] المصدر السابق.

[4] المصدر السابق.

[5] قاموسالمنهل، كلمة naturalisation.

[6] الجزيرة، مصدر سابق.

[7] مقالة أجرتها مع ماريو بارغاس يوسا صحيفةُ زيروخ السويسريّة، بتاريخ 2/11/2020، وترجمها إلى العربيّة بشّار حاتم، ونُشرت الترجمةُ في البديل العراقيّ عدد 4/11/2020.

[8] صحافة فرنسيّة يوم 6/11/2020.

[9] المصدر السابق.

علاء اللامي

 

كاتب عراقيّ يقيم في سويسرا. له العديد من المؤلَّفات في الأدب والبحث العلميّ في التاريخ والتراث واللغة، منها: دليل التنشيز، سيرة اليمامة البابليّة (شعر)، قصائد حب باتجاه البحر (شعر أجنبيّ مترجم)، إيجابيّات الطاعون (نصوص مسرحيّة)، نصوص مضادّة دفاعًا عن العراق، نقد المثلّث الأسود (مقالات)، السرطان المقدّس: الظاهرة الطائفيّة في العراق من المتوكّل العباسيّ إلى بوش الأمريكيّ (دراسات)، المبسَّط في النحو والإملاء (لغة)، موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربيّ الإسلاميّ (تاريخ)، نقد الجغرافيا التوراتيّة خارج فلسطين (تاريخ).