العاري... وكنزاتُ الصوف المهترئة
15-10-2016

 

 

يفتح عينيه ببطء. يدير وجهَه نحو النافذة، رامقًا بوجهٍ يابسٍ الضوءَ الذي يتسلّل من وراء الستارة. يزيح الغطاءَ عنه، ويجلس على حافّة السرير.

تلتقي عيناه بالمشجب الفارغ قرب باب الغرفة المشرع، فيَشعر بوخزةٍ في صدره، بينما يفكّر في بذلته العسكريّة الملمّعة الأزرار. "أتراها أدركتْ، وهو يخلعها البارحة ويضعها في الخزانة لا على المشجب كما في كلّ يوم، أنّها تقاعدتْ هي أيضًا"؟

يتحرّك بقدمين ثقيلتين نحو المطبخ. ينتظر غليانَ الماء في الركوة النحاسيّة التي تتّسع لثلاثة أكواب قهوة، فيما هو يحدّق في الصورة القديمة المعلّقة منذ سنين على جدار الصالة؛ يُطلّ منها رجلٌ صارمُ العينين، يرتدي بذلةً عسكريّة، شابكًا ذراعيْه على صدره العريض.

 يحمل الركوةَ بيد، والفنجانَ باليد الأخرى. ويسير نحو الصالة. يقف أمام الصورة محدّقًا فيها.

"أكان يملك يومًا نظرةً كهذه"؟!

لم يعد يذكر؛ فهو، منذ خلع بذلتَه العسكريّة، خلع شيئًا آخرَ ليس قادرًا على تحديده. لكنّ ذلك لا يهمّ الآن. المهمّ هو ذلك الصدى الذي يلي خطواتِه أينما تحرّك، ويكتشفُه اليومَ، للمرّة الأولى، في البيت الذي أمضى فيه أكثرَ من عشرين عامًا.

لقد كان مستعجلًا دومًا. ولم يتسنَّ له الوقتُ ليلحظَ الخواءَ في بيته الشحيحِ الأثاث، الذي يشْبه كائنًا جائعًا غائرَ العينين وأخرس. لعلّه كان سيتعلّم الضحكَ أو الغناءَ لو سكنتْه امرأةٌ تغنّي لأطفالها، كما أمّه التي كانت تحفظ أغانيَ كثيرةً عن الحبّ والفرح. لكنّه، وهو الذي لطالما اعتبر الزواجَ مصيدةً نجا منها المرّةَ تلو الأخرى، فضّل الخواءَ على الضجيج، وإنْ كان ضجيجَ أغنيةٍ أو ضحكات.

يشعر فجأةً بالبرد، ويفكّر للحظات في أنّه مريض. "لا، ليس المرض. هذا شهرُ تشرين الثاني، أوّل الشتاء." يعود الى غرفته، يسير نحو الخزانة. يتجاوز الدرْجَ العلويّ الذي يضمّ كنـزاته العسكريّة. ويفتح الدُّرجَ السفليّ. يتأمّل الكنزاتِ المطويّة بعناية، ويلتقط كنزةً صوفيّةً زرقاءَ اللون، لونه المفضّل. وبينما يتأمّلها، يلحظ ثقوبًا صغيرةً افتتحها العثُّ في أحد كمّيها. يتفحّص باقي الكنزات ويكتشف ثقوبًا مماثلة. يشْتم العثّ، ويعيد الكنزات إلى الدرج.

 أحدُهم يقرع الجرس. "لا بدّ من أنّها الثامنة، موعد قدوم بائع الحليب." يفتح الباب. يتناول الزجاجة بصمتٍ، هازًّا رأسَه ردًّا على تحيّة البائع الذي تدلّ ابتسامتُه على أنّه متآلفٌ مع الردود الجافّة.

"أليس رجلًا محظوظًا بائعُ الحليب؟! من ذا الذي سيأخذ منه درّاجتَه وزجاجاتِه حين يصبح في الستّين"؟

لا أحد. لكنّ ثمّة كثيرين سيتكفّلون بتجريدِ مَن هم مثله مِن بذلةٍ، أمضى، هو شخصيًّا، أكثرَ من أربعين عامًا يرتديها كما لو كانت جلْده.

يترك البابَ مفتوحًا، ويجلس على كرسيّه الهزّاز. ويغمض عينيه.

 "طيّبُ القلب مَن اخترع هذا الكرسيّ. هزّاته المنتظمة توحي بحياةٍ ما."

 تركُهُ البابَ مشرعًا سمح لأصوات الشارع أن تعانق صمتَ بيته، وتمنح شحوبَه بعضَ التورّد. المطر يتساقط، مصدرًا أصواتًا حميمةً لحظةَ ارتطامه بالأرصفة. ثمّة أصوات تضحك خارجًا. وبيته الأخرس بدأ يشارك تلك الأصوات ضحكاتِها.

 "لستَ أخرس إذًا"!

طفلٌ يقف قرب الباب المفتوح. يقترب، ويهزّ الرجلَ النائم من كتفيه. فيفتح عينيه. طفل ثانٍ وثالث ورابع... أطفال كثيرون يدلفون من الباب بثيابهم المبلّلة بالمطر وهم يضحكون.

قرب الموقد البارد، تقف امرأةٌ حمراءُ الخدّين. تضع الحطبَ في الموقد، فتشتعل النارُ من تلقاء نفسها. تشتعل من خدَّي المرأة، ثمّ تجلس لتحوك كنزةَ صوفٍ سميكة.

البيت لم يعد بيتًا. إنّه مرجٌ أخضر، وهو يلاحق الأطفالَ بفرح.

صوتٌ غريبٌ ينادي: سيّدي، أحضرتُ لك بقيّة أغراضك. سيّدي... سيدي!

الصوتُ يتلاشى وسط أصوات الأطفال، التي تعلو شيئًا فشيئًا.

المرأة الحمراءُ الخدّيْن تبتسم له. تجفّف شعرَه. وتُلبسه كنـزةَ صوفٍ زرقاءَ سميكة، ثمّ تضمّه إلى صدرها، بينما تغنّي بصوت قيثارة.

ريح قويّة تقتلع سقفَ البيت، والمطر مازال ينهمر؛ لكنّه غاضبٌ هذه المرّة، وممزوجٌ بالتراب الذي تدخل حبّاتُه الخشنةُ في عينيه وتؤلمه.

حفرة كبيرة تبتلع المرأة. يلحقها أحدُ الأطفال، ويلحق به الأطفالُ الباقون.

يشعر باختناق. يفتح عينيه بفزع. يحاول أن يحرّك ذراعيه، لكنه لا يستطيع. يشعر بحبّات التراب تتساقط فوق الصندوق الموصد الذي حُشِر في داخله.

يصرخ بأعلى صوته: أنا لم أمتْ بعد!

يصرخ ويصرخ ويصرخ... حتّى يتملّكه التعب. يغلق عينيه وشفتيه. ويقرّ، باستسلام، بأنّه بلا شكّ قد مات.

سورية

 

ريمة راعي

 كاتبة وصحفيّة سوريّة. صدرتْ لها مجموعتان قصصيّتان: وأخيرًا ابتسم العالم (1999)، والقمر لا يكتمل (2006)؛ فضلًا عن روايتين: أحضان مالحة (2017)، وبائعة الكلمات (2018).