سلالة الكلمات
24-04-2017

 

 

عاش منصور سبعةً وستّين عامًا، ولم يمت كما خلقُ الله، بل أصيب بطعنةٍ في ظَهره، ذات ظُهرٍ قائظ ورطب من شوّال سنة 1070 للهجرة. ومَن طعنه هو والدُ الصبيّة التي أكلها في ظلال الوعور، وحملتْ منه في بطنها ذئبًا، كما تناقل أهلُ المنطقة أسطورته في ما بعد. وكان أنْ وَضعتْ تلك الصبيّة وليدَها تحت ستار الفضيحة، ثمّ سُحب جروُها، ودُفن بعد ثلاثة أنفاس هي حصّتُه من الحياة .

كان منصور يردّد، منذ طفولته، كلماتٍ غير مفهومة. وظل يردّدها حتّى وقت طويل، إلى أن كفّ عن ذلك في مطالع كهولته، إلّا في لحظات الغضب الشديد، وبلا وعيٍ أو في لحظات النشوة المتأتّية من كلّ ما يشتهي.

تُمِّيز من كلمات منصور هذه ثلاثَ كلمات: سم يز سم، كم روخ، سيفادوس!

ما حدث بعد حين هو ظهورُ أسعد بشكلٍ مفاجئ. وأسعد هو ابنُ نوريّةٍ، عبرتْ من هذا المكان قبل اثنين وعشرين عامًا، وقالت أمام حشدٍ من المحيطين بها في ساحة القرية إنّ منصورًا أكلها لحظةَ ظهيرةٍ لن تنسى رائحتَها في حياتها، وإنّ أسعد جروُها من صلب منصور.

لم يصدّقها القرويّون، وظنّوا أنّها تطمع في ميراثٍ أو انتماء. لكنّ أسعد غضب منهم فجأةً، ونطق بالكلمات الثلاث، والزبدُ يقطر من فمه. دهش الجميع، وفغروا أفواههم؛ فها هو منصور يغلي في جسد ذلك الشاب المسمّى أسعد.

عاش أسعد في القرية وكأنّه يعرفها منذ بدء العالم. ثمّ مات بطريقة تشبه الطريقة التي قتل فيها منصور، إذ أكلته امرأة متزوّجة حديثًا؛ أكلته طويلًا في ظلال الوعور، فقتله زوجُها بطعنةٍ في الظهر، ثمّ فقد عقله. أمّا تلك المرأة، فقد عاشت بعد أن حملتْ في بطنها الجروَ ذا الكلمات الثلاث. وكانت تمشي طوال السنوات التالية حتّى موتها، مرفوعةَ الرأس ونقيّةً ومشبعة، كأنّها تضاجع مَن تحبّ سبع مرات في اليوم. لكنّ أحدًا لم يقترب منها إلّا ليلةَ موتها وبعد دفنها؛ فقد دخل إلى حجرتها التي تَسجّى فيها أخو زوجها، ذلك الرجلُ الذي أحبّها طوال حياته ولم يتجرّأ على النظر في عينيها حتّى ماتت. تلك الليلة فتح لها عينيها عنوةً، ونظر فيهما طويلًا حتّى سمع ثلاث كلمات تخرج من زوايا فمها (سم يز سم، كم روخ، سيفادوس). فأكلها ميّتةً، ثمّ مات. أمّا ابنها عويضة، فقد كان مسالمًا وجميلًا، لكنّه بالغُ القسوة حين يغضب، أو حين يردّد الكلمات الثلاث.

حين أصبح عويضة شابًّا، اقتادته قوّاتٌ من الإنكشارية إلى إسطنبول، لينضمّ إلى جيشها الذي يخوض حربًا مبعثرةً وأثريّة. وفي جبال لبنان، توقّف الرتلُ العسكريّ للاستراحة. وهناك ابتعد عويضة في البريّة قليلًا بحجّة أنّه يريد الخلاء. وعلى سفحٍ تكسوه أشجارُ الصنوبر الباسقة، وتكسو تربتَه الأعشابُ النابتة بين بساط إبر الصنوبر الجافّة، وجدها... وكأنّها تنتظره منذ ولادتها. كانت هيلانة تلهث، وقد انقلبتْ عيناها حين مسّها. فأكلها مبرطمًا بكلماته الثلاث منذ المساء وحتّى صباح اليوم التالي. وقبل أن يعثر عليه الجنودُ الأتراك، كان عويضة قد أعلن عن عصيان مسلّح في جبل لبنان ضدّ الاحتلال العثمانيّ. لكنّه قُتل بعد ثلاثة أشهر، على يد أحد أعوان السلطات التركيّة، ذاتَ ظهيرة مشبعة بالريح وصفير إبر أشجار الصنوبر.

أمّا هيلانة فقد هاجرتْ برفقة والديها إلى البرازيل، وفي بطنها جروٌ صغير. وفي سان باولو، وُلد أليخاندرو، وهو يبرطم بالكلمات الثلاث. كانت هيلانة تشكر الربّ صباحَ مساء، لأنّه أتاح لها أن تنجب طفلًا إثر لحظةٍ عاتيةٍ تشبه لحظاتِ الربّ في جلاله وسمّوه .

عاش أليخاندرو في تلك المدينة كقطّ برّيّ. وبعد بلوغه السادسة عشرة، ألقيَ القبض عليه وهو يأكل طفلةً في الثانية عشرة من عمرها. وبرغم أنّ الطفلة صاحت في وجوههم، كأنثى الذئب، بأنّها هي مَن اختارته ودعتْه لِيلتهمَ الأحزانَ العالقةً بطفولتها، فقد حُكم عليه بالسجن سنتين، ليُقتل في اليوم الثالث من إطلاق سراحه على يد كاهن شابّ، رآه يعبر فجرًا من باحة الدير خارجًا من الجناح الداخليّ للفتيات.

وَلدت الطفلةُ جروها في الشهر السابع من الحمل. وكان مولودًا ذكرًا أسمتْه بابلو. عاش بابلو في كنف جدّته لأبيه، هيلانة، مع أمّه. كانت هيلانة ترعى طفلين: أحدهما أمٌّ للآخر. وكانت تشعر بالامتنان لما حدث؛ فقد كانت تسمع الصغير بابلو يبرطم بأحرف من تلك الكلمات الغامضة، فتصاب بدوار النشوة، ويكسو جسدَها وبرٌ ناعمٌ وقاسٍ .

كان بابلو شاعريًّا وسمحًا وجميلًا. حتّى إنّ الفتيات كنّ يطفن حوله، وحول منزله، طوال الوقت. لكنّه لم يكن يشعر بهنّ، بل عرف بعمق أن تبتّلَه ليس مقصودًا. وبرّر للكثير من صديقاته في الجامعة حالتَه الساكنة حيال أجسادهنّ التي كنّ يحككنها فيه، بعد أن يتعرّين أمامه من الشهوة بالقول: "لا أعرف مَن التي ستأكل وردتي. إذا لم تأتِ فستبقى وردتي في شرنقتها تنام في حضن الأبد!"

حتّى أتت تلك الفتاة. كانت زينة. وهي عربيّة، من أصل سوريّ، تعيش في البرازيل. وقبل أن تأكله، وقد أصبح في يديها كقطعةٍ من الرغوة، قالت له بحزم: "ليس هنا." 

فسألها لاهثًا من وطأة العطش: "أين؟!"

لم يكن جوابها صاعقًا، بل بدا كأنّه الجواب الوحيد المقبول. قالت، وهي تمرّر شفتيها بموازاة فمه، وتسحب زفيرَه إلى رئتيها: "في سوريا... هناك في وعور قريتي الصغيرة."

بعد سبعة عشر يومًا، كان بابلو يأكل زينة في ظلال وعور شرسة أيقظتْ فيه عمرًا غاربًا في ثناياها، فبرطم بكلماته الثلاث وزأر كما لم يفعل من قبل. ثمّ قُتل على يد ابن عمّ زينة، وهو شيخٌ صغير. أمّا عمُّها، الشيخ أنيس، فقد لعن زينة منذ دخولها إلى القرية برفقة ذكرٍ أعجميّ غريب. ويقال إنّ جدّتي زينة قد مزّقتْ ابنَ عمّها بأظافرها حتّى توقف قلبُه عن الخفقان، ثمّ عاشت في الوعور حتّى ولادة أبي. ثمّ أعانها بعضُ الفقراء في القرى المجاورة. وحين بلغ جروها ثلاث سنوات من العمر، ماتت مبتسمة.

عاش والدي في تلك القرية مسجَّلًا على اسم المختار. وتلقّى تعليمًا مناسبًا. ثمّ تزوّج بعد أن تخرّج من الكلّيّة العسكريّة، ولم ينجب أطفالًا. حتّى رأى أمّي في العاصمة، فأكلها ذاتَ ظهيرةٍ شعواء في حريق آب. ثمّ قُتل على يد ثلاثة رجال مجهولين. ولقد نفى أخوالي الثلاثة ذلك حتّى هذا اليوم. وما دفعني إلى سردِ ما سبق هو أنّني نطقتُ بهذه الكلمات من دون وعي هذا الصباح. ولكنْ، ليس بتأثير امرأة؛ بل لأنّني أقرأ بعض القصائد التي تعود إلى شاعر أوغاريتيّ، هو أوغاريوس ابن رام، الذي قُتل على شاطئ المتوسّط قبل ثلاثة آلاف عام. فقد كانت الكلمات الثلاث هي مطلعَ آخر قصيدة كتبها قبل مقتله، وترجمةُ هذه الكلمات حرفيًّا هي:

سم يز سم = لحظة النشوة

كم روخ = اقتلني

سيفادوس = بضراوة محارب

***

الوقت الآن ظهرًا. ها أنا أرى من نافذة مكتبي امرأةً ترفل بثوبها القصير الملوّن. وها أنا أسمع صدى تلك الكلمات كلّما اقتربتْ من النافذة.

إنّها هي.

دمشق

 

موفّق مسعود

قاصّ ومسرحي وسيناريست سوريّ، ولد سنة 1967.

من أعماله المنشورة: الغريق السومري (مجموعة قصصيّة 2002)، غوايات البهاء وكأس سقراط الأخيرة (مسرحيّتان 2008)، الرجل الدائريّ (مسرحيّة 2008)، وله العديد من الإسهامات المسرحيّة تأليفًا وإخراجًا.