الياسمينة الوحيدة
27-11-2018

 

ماتت المرأة الوحيدة وحيدةً في الشارع. وقعتْ أرضًا كأنّها صاعقة. لم يركضْ نحوها أحد، ولم يلتقطْها أحد. بقيتْ على الرَّصيف وحدها، باردةً وبيضاءَ ورقيقة.

كانت تعمل في مصنعٍ في قلب بيروت. تقصد عملها نشيطةً كلّ صباح. تتعمّد الوصولَ قبل الجميع كي تستمتعَ بسيجارةٍ وفنجانِ قهوةٍ ساخن. وحين يبدأ العمّالُ في التَّوافد إلى المكان، تلملم أفكارَها ودخانَها، وتلوذ بصمتها إلى غرفةٍ تتشاطرها مع عاملتيْن أُخرييْن في المصنع.

تثرثر "جمال" و"عناية" طوال النَّهار، بينما تغرق المرأةُ الوحيدةُ في صمتها وتتركهما تتغامزان عليها. تُنجز عملَها في وقتٍ قياسيّ، لكنّها لا تترك المبنى قبل أن ينتهي الدَّوام. في إحدى المرّات طلبتْ إلى صاحب المصنع أن يسمحَ لها بالانصراف، متوقّعةً أن يراعي أنّها في العادة تُنهي عملَها قبل الجميع بمهارةٍ وإتقان. أجابها أنّه يدفع لها راتبًا مقابل ساعاتٍ معيّنة، وأنّها إنْ خالفتْ ذلك فستكون سارقةً في نظر القانون. استغربت المرأةُ الوحيدةُ كلامَه، لكنّها لم تجادلْه؛ فهي تعلم جيّدًا عقليّةَ أرباب العمل، وتعي أنّ سلّتها ستخرج فارغةً إنْ جادلتْه، وقد يصل الأمر إلى فصلها من العمل، فيكون عليها البحثُ عن عملٍ آخر، وحالُ البلد كحال مرطبان المربّى في مطبخ جدّتها.

لم يكن لديها حبيب. أحبّت مرّتين، عصام ومعين. كلاهما تركها فجأةً ورحل. عصام رحل من دون أن يقول أيَّ شيء؛ سافر كأنّه طيرٌ مهاجر. ومعين عاد إلى طليقته بعد سبع سنوات أمضياها معًا. بعد ذلك، لم يعد يهمُّها شيء. عرفتْ كثيرين. عوّضتْ بأحبّاءَ آخرين وهواياتٍ أخرى أحيانًا، وكذبتْ على نفسها أحيانًا كثيرة. لهت مرّاتٍ ومرّات. وأحيانًا فضّلتْ أن تظلّ وحيدةً. كانت تحبّ السينما. أدمنتْ، بعد رحيل معين وعصام، مشاهدةَ الأفلام، ثمّ اكتشفتْ قراءة كتب الحبّ والحرب.

عاشت مع جدّتها لأبيها، وكانت هذه امرأةً سبعينيّةً شرّيرةً ومستبدّة. لم تكلّمْها كثيرًا، ولطالما تشاجرتا لأتفه الأسباب (كأنْ تنير المرأةُ التي ماتت وحيدةً لمبةَ غرفة الجلوس، فتأتي جدّتُها وتطفئها). كانت تقصد البحرَ بعد الظهر، تمشي أو تجلس، صامتةً في الحالتين، ثمّ تعود مع الليل إلى غرفتها، فتتسلّى قليلًا بتصفّح الفيسبوك، أو تشاهد نصفَ حلقةٍ من مسلسلٍ مملّ. تقرمش بعضَ الفستق والتّرمس في السَّهرة. تسأل جدّتَها ألفَ مرّةٍ إنْ كانت تريد شيئًا قبل أن تخلد إلى النوم، فلا تردّ المرأةُ السبعينيّة، ولا تكترث المرأةُ التي ماتت وحيدة. تنسحب وتنام بهدوء، مستعدّةً ليومٍ آخرَ مشابه.

في يوم شتويّ غائم، وفي الشارع الذي مشته نحو بيتها وعملها وبحرها وزرعتْ ياسمينةً صغيرةً في طرفه، وقعت المرأةُ الوحيدةُ وماتت وحدها، بينما كان الجميعُ ينتظر مرورَ موكب الرئيس.

صيدا

وداد طه

روائيّة فلسطينيّة. تعمل في حقل التعليم. تحضّر أطروحةَ دكتوراه في الأدب العربيّ. لها ثلاثُ روايات منشورة: ليمونةان، أخون نفسي، حرير مريم. ولها عدّة مقالات ومراجعات نقديّة في الرواية، بالإضافة إلى عدد من القصص القصيرة المنشورة في صحف ومجلات عربيّة.