حزب الدعوة: إلى أين؟
08-09-2019

 

شكّل سقوطُ الخلافة الإسلاميّة صدمةً في وعي بعض الجماعات الإسلاميّة التي لم تعْتدِ العملَ السياسيَّ بعيدًا عن فضاء الخلافة.

ففي العام 1928، أُطلقتْ في مدينة الإسماعيليّة (مصر) النواةُ الأولى لتنظيم الإخوان المسلمين، على يد حسن البنّا، للإجابة عن سؤالٍ ألحّ طويلًا على الإسلاميين، حول غياب منظومتهم السياسيّة. وقد عرّف البنّا دعوتَه آنذاك بأنّها "دعوةٌ سلفيّة وطريقةٌ صوفيّة."

ثمّ تلاه سيّد قطب، فقسّم المجتمعات إلى إسلاميّ وجاهليّ. وعرّف المجتمعَ الجاهليّ بأنّه المجتمع الذي لا يُطبَّق فيه الإسلام، ولا تحْكمه تصوّراتُ الإسلام وقيمُه وموازينُه ونظامُه وشرائعُه وخلقُه وسلوكُه.

***

تأثّرت الكتلةُ الإسلامية العربيّة الشيعيّة الأكبر ـــ العراقيّة طبعًا ـــ بالحَراك السنّيّ السياسيّ آنذاك، واعتبرتْه محفِّزًا لها. كما رأت نفسَها جزءًا من مشروع سياسيّ إسلاميّ كبير.

هكذا تأسّس حزبُ الدعوة في العراق سنة 1957 حزبًا إسلاميًّا، عابرًا للطوائف والحدود والدول. وقد قصد إلى تحقيق مجتمع إسلاميّ، بجميع مقوّماته وأبعاده، عبر عملٍ جماعيّ منظّم، يتنامى تأثيرُه إلى أن تتغيّر معالمُ المجتمع، نوعًا وكمًّا، وذلك بإحلال الشريعة الإسلاميّة محلَّ القوانين الوضعيّة.[1]

هدَفَ "الدعوةُ،" منذ تأسيسه، إلى ضمّ أفرادٍ من كلّ المذاهب الإسلاميّة التي عانتْ تسلّطَ الاستعمار وعملائه. وظهر في وقتٍ كانت التيّاراتُ الماركسيّةُ والقوميّةُ فيه قد بدأتْ تجتاح الساحةَ العراقيّة، حتى وصل المدُّ الشيوعيّ إلى النجف ـــ المعقلِ التاريخيِّ للمرجعيّة الدينيّة.

 

هدَفَ "الدعوةُ،" منذ تأسيسه، إلى ضمّ أفرادٍ من كلّ المذاهب الإسلاميّة

 

في البدء، تشكّل الحزبُ من مجموعة صغيرة جدًّا. وقد ساعد وجودُ السيّد مهدي الحكيم، ابنِ المرجع السيّد محسن الحكيم، إلى جانب محمد باقر الصدر، ومرتضى العسكري، على حماية عناصره من هول ردّات الفعل على طرحهم العملَ الحزبيَّ السياسيّ في بيئة النجف. فقد كان ثمّة مَن يعتقد بـ"حُرمة" إقامة الدولة الإسلاميّة، كالمجتهد الكبير حسين الحلّي (على ما نقل السيّد مهدي الحكيم في مذكّراته)؛ ورأى البعضُ الآخر وجوبَ الامتناع عن أدنى حراك سياسيّ في انتظار ظهور الإمام الثاني عشر كي يملأ الأرضَ عدلًا وقسطًا بعد أن مُلئتْ ظلمًا وجورًا.

حاول الصدر تقعيدَ مبادئ للعمل السياسيّ الإسلاميّ، على طريقة الأحزاب القوميّة والماركسيّة، تمهيدًا لتشكيل أرضيّةٍ نظريّةٍ لنظام حكمٍ إسلاميّ. فانطلق من عدّة نقاط، أهمُّها:

أ) ضرورةُ قيام حزب إسلاميّ. ذلك أنّ الشباب المسلمين الذين ينتمون إلى التيّارات العَلمانيّة والقوميّة لا يعرفون شيئًا عن إسلامهم؛ ولو كانت هناك حركة إسلاميّة تأخذ بأيديهم لَما اختاروا غيرَ الإسلام سبيلًا لعملهم الحركيّ.

ب) ضرورة قيام دولة إسلاميّة لأنّها ضمانٌ لتبيان تعاليم الإسلام وتبيان أحكامه. فقد رأى الصدر أنّ رجالَ الدين ـــ مهما عملوا على تغيير المجتمع ـــ فإنّ الحكومة ستلغي ذلك التغييرَ بجرّة قلم إنْ لم ترضَ عنه.

***

بدأ حزب الدعوة ينتشر بين طلبة الجامعات، بمن فيهم الطلّابُ غير العراقيين، فكان أكثرُ المنتسبين من لبنان وإيران والبحرين. ثمّ ما لبث أنْ سجّل حضورًا واسعًا في الحوزة العلميّة، لكون المرجع السيّد محمد باقر الصدر نفسه على رأس هرم الدعوة التنظيميّ والدعويّ.

استلهم حزبُ الدعوة أبجديّاتِ فكرته الإسلاميّة من تجربة "الاخوان المسلمين" في مصر، إلى درجةِ أنّ مؤسّسي "الدعوة" درّسوا ـــ إلى جانب كتبهم ـــ كُتبَ سيّد قطب الذي جانبهم في فهم العديد من القضايا، خصوصًا المتعلّقة بـ "تكفير المجتمع أو الحاكم."[2]وكان السيّد الصدر قد استفاد من أنظمة الحزب الشيوعيّ والبعث والقوميين العرب.[3]

***

توالت الأحداثُ على الساحة العراقيّة بعيْد تأسيس حزب الدعوة. وتَواجَهَ الحزبُ مع السلطة في عدّة مراحل. فانسحب الصدر من الحزب بناءً على طلب المرجعيّة التي استشرَفتْ استهدافَه بشخصه. وأُجبر السيّدان مرتضى العسكري، ومهدي الحكيم، على الانسحاب لاحقًا بطريقة مشابهة.

في السبعينيّات حصل صدام مطّرد بين حزب الدعوة وحزب البعث، أفضى بعدد كبير من قادة "الدعوة" إلى الاعتقال والإعدام. وتسبّبتْ هذه الضرباتُ بخسارة 60 إلى 70 في المئة من حجم حزب الدعوة في العراق.[4]

أمّا اللحظة المفارقة في تاريخ علاقة "الدعوة" بالسلطة العراقيّة فكانت بعيْد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.

***

كانت الثورة الإسلاميّة سيفًا ذا حدّين بالنسبة إلى الدعويّين: فهي المؤمَّلة لدى بعضهم، والخاذلة لدى بعضهم الآخر. وقد بدأتْ أوّلُ فصول سوء الفهم العمليّ بين حزب الدعوة وإيران سنة 1979، أيْ فور انتصار الثورة، عندما أذاع راديو طهران (الواسعُ الانتشار في العراق آنذاك) خبرَ دعوة الجماهير العراقيّة إلى المشاركة في الانتفاضة التي ستنطلق يوم 25 رجب.[5]فذلك النبأ كان كارثةً، بكلّ المقاييس، على الحزب، لأنّه أجهض انتفاضةً كاملةً كانت مقرَّرةً في رجب، وذلك بسبب غياب عامل المفاجأة.

 

كانت الثورة الإسلاميّة سيفًا ذا حدّين بالنسبة إلى الدعويّين

 

ثمّ أبدى وزيرُ الخارجية الإيرانيّ، إبراهيم يزدي، حماسَه لأيّ تحرّكٍ تقوم به "الدعوة" ضدّ النظام الحاكم في العراق. وأبلغ مبعوثَ "الدعوة،" محمد صالح فخري، أنّ كلَّ ما يطلبه حزبُه موجودٌ لدى السفير الإيرانيّ في بغداد. عفاد فخري إلى بغداد، وطلب من هذا السفير دعمَ "الدعوة" بمبلغ 300 ألف دينار كدفعة أولى، أيْ قرابة المليون دولار. فأبدى السفيرُ استغرابَه وعدمَ علمه بالأمر، وأبلغه أنْ ليس في حوزته إلّا 1400 دينار، وطابعةٍ ومسدّسٍ كانا موجوديْن في دار الإمام الخمينيّ في النجف!

وثمّة أمورٌ عديدة أخرى غير مفهومة حدثتْ في تلك الفترة، وأخرى ستحدث لاحقًا، زادت من لبْس العلاقة بين "الدعوة" وإيران. وقد تفسّر حداثةُ سنّ الثورة في إيران أحدَ أسباب حصول تلك الأمور.

هذا، وقد عانى أعضاءُ "الدعوة" سلبيّةَ بعض الأطراف النافذة في إيران تجاه الحركة الإسلاميّة في العراق، كالسيّد مهدي الهاشميّ (مسؤول مكتب دعم حركات التحرّر). ودفعت "الدعوة" ثمنَ صراعات جرت بين خطوطٍ كانت محيطة بالقيادة الإيرانيّة من دون أنْ تكون طرفًا فيها.

بعد تولّي السيّد خامنئي - على مستوى القيادة الإيرانيّة ـــ ملفَّ حزب الدعوة، خلفًا لمهدي الهاشمي (الذي لم يكن ليروق للكثيرين من أبناء الدعوة)، انتقل قسم كبير من أعضاء الحزب إلى إيران. فتبنى الحزب (بشخص كاظم الحائري وشخص الشيخ الآصفي) مفاهيمَ جديدةً كـ"ولاية الفقيه العامّة" بعدما كان له طرحٌ متقدّمٌ حول "الشورى."

لاحقًا، هاجر قسم كبير آخر من قيادات الحزب إلى أوروبا، فأصبحتْ لندن مركزًا يضاهي طهران بل يتقدّم عليها في قيادة هذا الحزب. وقد انعكس ذلك في توجّهات الحزب الذي انقسم إلى اتجاهين: ليبيراليّ، وإسلاميّ ثوريّ. وبان هذا الخلافُ بشكل فاضح بعد الاحتلال الأمريكيّ للعراق سنة 2003، ومع تحرّر الدعويّين من المظلّة السياسيّة لجهات اللجوء الاضطراريّ.

***

مع الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003، وعودة جلّ مَن غادر العراقَ قسرًا، صعد في قيادة "الدعوة" نجمُ كلٍّ من: علي الأديب، والدكتور إبراهيم الأشيقر (المعروف بالجعفري).

كان "الدعوة" الحزبَ الأكثرَ تنظيمًا بعد الغزو. ولمّا كانت الولايات المتحدة قد رفعت الفيتو عن حكم الإسلاميين، فقد نال مع شركائه وحلفائه 128 مقعدًا في الانتخابات البرلمانيّة الأولى، وتراجعوا إلى المركز الثاني بـ 89 مقعد في انتخابات 2010. وبالعموم، تميّز أداءُ حزب الدعوة في الحكم ما بعد الغزو الأمريكيّ بما يأتي:

1 - سقوطُ الحصانة "القدسيّة" عن تجربته الأولى في المعارضة، بعد أداء سياسيّ فاشل على غيرِ مستوًى.

2 - فراغُ إطاره النظريّ. فعلى عكس المرحلة الأولى من عمر هذا التنظيم، فإنّه اليومَ أبعدُ ما يكون عن النظريّة. وعلى الرغم من حضوره الشعبيّ الكثيف، فإنّه ما يزال يفتقر إلى مقرَّرٍ ثقافيّ واضح المعالم.

3 – معاونتُه الولاياتِ المتحدةَ في إنضاج مقاربة فكرة التعامل مع "الإسلاميين المعتدلين،" وهي فكرة نظّر لها المستشرق برنارد لويس، وأنّ ذلك سيقضي على "الإسلاميين المتطرّفين."

4 - عدمُ خروجه من بنيته الطائفيّة، وفشلُه في إنضاج "ثقافة الدولة" مجتمعيًّا.

5 - غيابُ مبادراته المجتمعيّة. فلا يُشهد له الكثيرُ من الإبداع على مستوى استيلاد مؤسّسات اجتماعيّة.

6 - فشلُ إدارته الدولةَ. إذ لا تزال البيروقراطيّةُ مستحكمة، وبرامجُ التعليم العالي غائبةً، فضلًا عن مشكلة القطاع الصحّيّ الكارثيّة.

***

تختلف الآراء حول تجربة حزب الدعوة ويختلف تقويمُها. ربّما كان باستطاعة الحزب أن يقصِّرَ من أمد أزماته السياسيّة والثقافيّة الوطنيّة، إنِ احتوى البعثيين ودمجَهم في تشكيلاتٍ معيّنة، برلمانيًّا وسياسيًّا. على الأقلّ، كان بإمكانه تفادي تشكيل "هيئة اجتثاث البعث" التي تركتْ أثرًا اجتماعيًّا غيرَ محمودٍ في نسيج المجتمع العراقيّ.

ما بين التأسيس وواقع اليوم، ما زال حزبُ الدعوة مصرًّا على طروحاته السابقة، على الرغم من تشتّت قوّته ومقاعده النيابيّة (بين "ائتلاف النصر" و"ائتلاف دولة القانون"). ثمّة حاجةٌ، في رأي كاتب هذا المقال، إلى إعادة قراءة فكرة "الدولة الإسلاميّة،" التي تنطوي داخلها بقيّةُ أطروحات الحزب، السياسيّةِ والاجتماعيّة؛ فيكون مثلًا حزبًا سياسيًّا بأخلاقٍ إسلاميّة، يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في دولة المواطَنة. وبذلك، لن يتحمل المجدِّدون المحتمَلون مسؤوليّةَ خروج الحزب من عباءته الإسلاميّة التاريخية، ولن يكونوا منفصلين عن الواقع، في الوقت ذاته.

لكنْ، إلى اليوم، لا يبدو أنّ أحدًا من قيادات "الدعوة" في هذا الصدد. فالسياسة تأكل كلَّ شيء في العراق، حتّى أحلامً المؤمنين بـ "دعوة" مختلفة. إنّه الزمن ـــ الأزمة، يقول الدعويّون.

بيروت


[1] حسن شبّر، تاريخ العراق السياسيّ المعاصر(قم: حزب الدعوة الإسلاميّة، الكتاب الأول، ج 3، 2006)، ص 133.

[2] كان الصدر رحبًا في قراءة الفقه خارج أدواته التقليديّة. ويُشهد له أنّه أدخل عاملَي الزمان والمكان، وناقش المرجعَ الأعلى حينها السيّد أبا القاسم الخوئي في فتوى "المرتدّ في زمن الشبهة،" وأقنعه بتعديلها.

[3] في هذا الخصوص، يروي رفيقُ السيّد محمد باقر الصدر، وثقتُه، المحامي حسن شبّر، أنّ "السيّد الشهيد كان يسعى إلى أنْ تجتمع لديه الأنظمةُ الداخليّةُ للحركات، سواء كانت إسلاميّة أو غيرها. وتمّ الحصول على أنظمة الحزب الشيوعيّ، والبعث، وغيرهما من الأحزاب ذات التوجّه العروبيّ أو الأمميّ." شُبّر، المصدر السابق، ج 3، ص 149.

[4]يذكر صلاح الخرسان، في كتابه حزب الدعوة: حقائق ووثائق(دمشق: المؤسّسة العربيّة للدراسات والبحوث الاستراتيجيّة، 1998)،أنّ وتيرة الملاحقة والاعتقالات استمرّت. ففي العام 1979 اعتقل النظامُ العراقيّ 100 من وكلاء الصدر دفعةً واحدة، و1200 شخص من المُنتسبين لحزب الدعوة، فحُكم على 86 منهم بالإعدام، وحُكم على 200 قياديّ بالمؤبّد، وعلى 814 بالسجن مددًا متفاوتة، إضافةً إلى آلاف المعتقلين الذين تمّ الاحتفاظ بهم في معتقلات الأمن العامّة.

[5]الخرسان صلاح، المصدر السابق، ص 293.

محمد العجمي

كاتب سوريّ.