زمنُ العزّ
27-03-2019

 

حين أكتب عن ماهر اليماني تعود بي الذاكرةُ إلى زمن العزّ، زمنِ عمالقة هذه الأمّة، زمنِ انطلاقة المقاومة الفلسطينيّة والتفافِ الجماهير العربيّة حولها. وقد كان لمدينة بعلبكّ، حيث وُلدتُ وأحيا، شرفُ المشاركة في هذا الاحتضان. فقد فتحتْ بيوتَها، وقلوبَ أبنائها، لتستقبل قادةَ المقاومة و"مشاريعَ" المقاتلين أحسنَ استقبال.

في حيّ الصلْح، كان للجبهة الشعبيّة النصيبُ الأوفر في قلوب أهل بعلبكّ؛ ذلك لأنّ كثيرين من أهالي الحيّ سبق أن انخرطوا في صفوف "حركة القوميين العرب" التي انبثقت "الجبهةُ" منها. ويعود الفضلُ الأوّلُ في ذلك إلى المناضل أبي زهري المعصراني، الذي التقينا في بيته القائديْن الرمزيْن الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حدّاد، أثناء زيارتهما الأولى إلى بعلبكّ. وكان أبو زهري قد دأب على نشر فكر "الحركة" في كافّة شرائح المجتمع البعلبكيّ، فلاقى ذلك قبولًا واسعًا، وخصوصًا لدى مناضلين أمثال: عقاب شلحة، وعلام علام، وعزيز صلح، وهاني عيارة، وقاسم صلح، وسعدون الجمّال، وخالد سرور، ومحمد الشمالي أبي خالد، وسهام وهبة، وحفيظة الرفاعي، وأبي علي مصطفى الأحمر، وعدنان الجبة، وأبي كمال خزعل، ومحمد عبد الواحد، ونوّاف المقداد، ومحمد علي صلح، وشحادة ومحمد الشياح، وعادل الذكرة، والكثيرين من أنحاء منطقة بعلبك - الهرمل كافّةً.

في أحد منازل بعلبكّ كان يقيم مناضلٌ فلسطينيّ، اسمُه أبو علي الجنداوي (الصفدي). أبو علي هذا حوّل منزلَه إلى "محطّةٍ" يلتقي فيها قادةُ الجبهة الشعبيّة والمناصرون والأصدقاء. وهناك، في هذه "المحطّة" التي لا تبعد عنّي كثيرًا، تعرّفتُ إلى مناضلين كثر، ومنهم الحبيب ماهر.

وأذكر أنّني كنتُ ألتقي ماهرًا في معسكرٍ للتدريب في مرتفعات بعلبكّ الجبليّة، وكان يوكِل إليَّ مهمّةَ مدّ الرفاق بالوجبات الغذائيّة. ولهذه الغاية استخدمتُ مرارًا سيّارةً أميركيّةً تخصّ والدَ أحد الرفاق من آل شاهين. كنتُ أركنها عند سفح الجبل، وأُكمل طريقي إلى المعسكر سيرًا على القدميْن. وعندما أصل يستقبلني ماهر، ونجلس مع الرفاق نتقاسم الخبزَ والملحَ وهمومَ الثورة والحياة.

***

توالت اللقاءات بالحبيب ماهر كلّما سنحت الظروف. وكان يزورني بين الفينة والفينة بعد أنّ عرّفتُه إلى أهلي، فأحبّهم وأحبّوه.

ثمّ انقطع التواصلُ به. إلى أن اختُطفتْ طائرةُ "العال" الإسرائيليّة في أثينا، وعلمتُ أنّه هو مَن قاد تلك العمليّة، وهو مَن فجّر الطائرة.

ومرّت الأيّام، وحصل الاجتياحُ الصهيونيّ للبنان سنة 1978، فأبلت المقاومةُ الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة اللبنانيّة بلاءً حسنًا، إذ لقّنتا العدوَّ الصهيونيَّ درسًا بليغًا (لم تتمكّنا من الاستفادة منه لاحقًا للأسف). وعلى الرغم من ضآلة الإمكانيّات، وبعد صمود أسطوريّ تجاوز الشهرين، فقد تمكّنت القوّاتُ الفلسطينيّة – اللبنانيّة المشتركة من صدّ العدوّ ودحره. وقد نقل وقائعَ الصمود المشرِّف الرفيقُ الأمينُ العامّ للجبهة الشعبيّة، الدكتور جورج حبش، وذلك أثناء زيارته بعلبكَّ بعد نهاية العدوان. وقال حرفيًّا إنّ الرفيق قائدَ قطاع الجنوب، أبا أحمد فؤاد، ونائبَه الحبيبَ ماهر، كان لهما الدورُ الأبرزُ في ذلك التصدّي، خصوصًا بعد أن تخلّت بعضُ "القيادات" عن مواقعها. وكذلك أخبرنا أنّ أبا عمّار، عندما زار الجنوب، التقى الرفيقيْن المذكوريْن، وقبّل رأسيْهما، وقال: "بوركتما، حفظتما الكرامةَ ورفعتما رأسَنا."

***

 

ماهر اليماني وسماح إدريس في جناح دار الآداب، بيروت، نهاية 2018

 

عاد الانقطاع إلى علاقتي بالحبيب ماهر. وذاتَ يوم، قبل سنوات قليلة، زارت ابنتي عُبادة مكتبَ مجلة الآداب في بيروت، حيث التقت الدكتور سماح إدريس الذي عرّف الحاضرين بها. وإذا برجلٍ يقف بينهم ويسألها مدهوشًا: "انتِ ابنة الرفيق حسن؟" فأجابته: "نعم." لقد ربط ماهر بيني وبين عبادة، وذلك لشدّة ذكائه وقوّة فِراسته. طلب ماهر من عبادة رقمَ هاتفي. وإذ بصوتٍ يعيدني إلى أكثر من خمسٍ وثلاثين سنةً إلى الوراء يسلّم عليّ ويسألني: "بتعرف مين بيحكي معاك؟" وبلا تردّدٍ أجبتُ: "ماهر اليماني!" فقال: "ايوا، ماهر."

فرحتُ كثيرًا بعودة التواصل بعد طول انقطاع مع مَن رافقتُ وصادقتُ وأحببتُ. واتفقنا على اللقاء. وفي يومٍ ربيعيّ اتصل ماهر وقال إنّه سيمرّ بي. حدّدتُ مكانًا يعرفه، وقطعتُ المسافاتِ البعيدةَ بسرعةٍ غيرِ معهودة من شدّة الشوق. وإنْ هي إلّا لحظاتٌ حتى توقّفتْ سيّارةٌ رماديّةٌ متواضعةٌ صغيرة، وترجّل منها رجلٌ كلّله المشيبُ، ولم تغيّر الأيّامُ من ملامحه إلّا القليل. هرعتُ نحوه، وطال عناقُنا. استقللْنا السيّارةَ إلى البيت، حيث كانت زوجتي وعُبادتي وأهلي في استقباله وكأنّه هبط من السماء. رحّب الجميعُ بماهر، ودار بينهم حوار طويل، في الوقت الذي كنتُ أحضِّر فيه وجبةَ الغذاء من الصفيحة البعلبكيّة التي كان ماهر يحبّها كثيرًا مع اللبن.

***

بسبب انشغالات ماهر الدائمة، بين مختلف المناطق اللبنانيّة والسوريّة، لم يتسنَّ لنا التواصلُ إلّا عبر الهاتف، وفي لقاءٍ قصيرٍ جرى في معرض الكتاب في "بيال" في جناح دار الآداب. كما التقيتُه، مع شريكته وحبيبته زينب، في ندوتيْن أقامهما اللقاءُ الوطنيُّ ضدّ التطبيع وحملةُ مقاطعة داعمي "إسرائيل." الأولى في بلدة بدنايل (قضاء بعلبكّ)، والثانية في الهرمل، وتحدّث في الندوتين الرفيق سماح. كان حضورُ الحبيب ماهر لافتًا للأنظار، ومحطَّ تقدير الحضور والمنظِّمين واحتفائهم البالغيْن.

***

قبل شهور، تعرّضتُ لوعكةٍ صحّيّة، فأجمع الأطبّاءُ على أنّ الوضعَ يستدعي عملًا جراحيًّا. عندما علم ماهر بالأمر من عُبادة قال لها: "عليّ تأمينُ الدم، وكلُّ ما يَلْزم الرفيق حسن." وفي السياق نفسه قال لها: "يا لها من حياةٍ قست علينا: أنا ابتُليتُ بالسرطان، وحسن بمرض القلب!"

***

استمرّ تواصلي بماهر عبر الهاتف. إلى أن كان آخرُ اتصال بيننا. وفيه قال: "سنبقى ثابتين على مواقفنا يا رفيق، على الرغم من انهيار الكثير من القيادات العربيّة في مستنقع التطبيع."

هكذا رحل الحبيب ماهر، تاركًا لنا إرثًا نضاليًّا وتجاربَ غنيّةً نأمل أن ينهلَ منها جيلُ التحرير القادم.

بعلبك  

حسن كسر (أبو عبادة)

التحق بصفوف "حركة القوميين العرب" وهو في الخامسة عشرة. وكان من الناشطين في "رابطة الطلّاب" التي كان للحركة دور فاعل في تأسيسها. شارك في أكثر من دورة تدريبيّة في صفوف الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

بدأ بتدريس مادة الرياضيّات، ومن ثمّ انتقل إلى العمل في مجال المقاولات والبناء. وانتخب لدورتين متواليتين لعضوية المجلس البلديّ لمدينة بعلبك. واليوم، يشغل منصبَ نائب رئيس نقابة عمّال البناء في محافظة بعلبك ــــ الهرمل.