زيارة في زمن الكورونا
29-04-2020

 

رنّ هاتفي الجوّال، ورفرف اسمُ "ماما"على الشاشة كالمَلاك. توقّعتُ أن تمنحَني وابلًا من الأدعية التي تُبعد الحسد. إلّا أنّ ظنّي خاب.

- حبيبتي، هل تتذكّرين انتصار؟

- كلّا.

- كيف كلّا؟ هي ابنةُ أمّ حسام التي كانت تقطن في حارتنا الشاميّة. كانت تعمل في مصنعٍ للخياطة، واعتادت أن تأخذَ فتياتِ الحارة للعمل فيه. إلّا أنتِ، لم يعجبْكِ ذلك. هي الآن في هولندا.

- أهلًا وسهلًا. هولندا ترحِّب بها.

- أي نعم يا ليندا. ترحّبين كأمّك بالمعارف والأحباب.

- قصدتُ...

بعد ساعتيْن، كانت الستّ انتصار تجلس مكاني على الطاولة المستديرة. تزبد وترعد، وتمطّ رقبتَها كأنّها أشكالٌ هندسيّة، وهي تقصّ الحكايات، مستخدمةً كلَّ حواسّها وأطرافها إلى أبعد حدّ، كمن يَعْرض مشاهدَ إيمائيّة.

إذًا، كورونا خانم هي مَن جعلكِ تأتين من إيطاليا إلى هنا. أقاربُكِ في ألمانيا رفضوا استقبالَكِ لأنّ أخاكِ الذي تسكنين عنده في إيطاليا يُشْتبه في إصابته بالفيروس. سيكون مجيئُكِ إلى هولندا خيرًا. لا تقلقي. أهلًا بكِ، إلى حين تحسُّن الوضع.

***

لم تصمت الستّ انتصار وهي تتحدّث وكأنها إذاعةٌ تبثّ على مدار اليوم. المقلق في الموضوع أنني أعيش منذ ثلاث سنوات مع ابنتي، الهادئةِ نسبيًّا، وأنا لا أتكلّم بقدْرِ ما أستمعُ وأقرأ. وجودُ انتصار في بيتي نشر الفوضى. كانت أشبهَ بلسانٍ كبيرٍ يتحرّك، فيرتطم بالأسنان، ويُصْدر هديرًا كما ترتطم الأمواجُ الهائجةُ بالصخور. وزاد من إرهاقي اضطراري إلى التركيز على ما تقوله؛ فهي تتوقّف فجأةً وتسألني رأيي في كلِّ ما قالته.

الستّ انتصار قادرةٌ على خلق حديثٍ من أيّ تفصيلٍ تافهٍ. والحديث يتشعّب: فهي مثلًا تبدأ بالشوكولاتة، لتنتهي بأنّ أمريكا سببُ دمار العالم. وهي تُتقن نحتَ الألم في قلبها، كحِرَفيّي الغوطة حين يحوّلون لوحَ الخشب إلى موزاييك.

***

ذاتَ يوم، بينما كنّا نجلس في الصالة، قفزتْ كالزنبرك الذي فرّ من أنبوبةِ قلم:

- افتحوا الستارة!

أغلقتُ عيني اليسرى ووضعتُ كفّي فوق جبيني، علّها تفهم انزعاجي. فما كان منها إلّا أن دعتني إلى الانتقال إلى الكنبة المجاورة. ثمّ بدأتْ حديثًا عن فيتامين د، وكيف أنّ الطبيب وصف لها دواءً لمدّة أشهر ولكنّها لم تستفدْ منه.

طلبتْ من ابنتي إحضارَ حقيبتها، وأخرجتِ الدواءَ منها، فقرأنا النشرةَ الدوائيّةَ والتركيبة، ومتى يُستخدم. بعدها، قارنّا التأمينَ الطبّيَّ بين البلديْن، فرأت أنّ عليَّ إرسالَ اقتراحاتٍ إلى المسؤولين الهولنديّين كي يُحسِّنوا العلاجَ وتَعاملَهم مع اللاجئين المرضى، مضيفةً أنّ المقترحات في هذه البلاد تؤخذ بجدّيّة. ولوهلة، ظننتُ أنّنا نُعدّ برنامجًا ينقذ العالم.

***

كنتُ قد وعدتُ ابنتي بأن أشتريَ لها حذاءً رياضيًّا، فرافقتْنا الستّ انتصار. قلبتْ فردةَ حذاءٍ وقرأتْ أنّه صناعةٌ برتغاليّة. "أتعْلمين أنّ السفر إلى البرتغال ليس مكلفًا، وأنّ بإمكانك الذهابَ من هناك إلى إسبانيا؟" وأردفتْ: "اللغة متقاربة بين البلديْن، إلّا أنّ وضعَ البرتغال الاقتصاديّ أسوأُ من إسبانيا؛ إنّه بسوء وضع إيطاليا. في إيطاليا ندفع ضرائبَ شرائيّة. هل تدفعون ضرائبَ مثلنا؟ الأسعار مرتفعة، ونكاد لا نستطيع شراءَ حذاء. انظري إلى حذائي! بكم تقدّرين ثمنه؟

- لستُ ممّن لديهم ذكاءٌ في هذه الأمور، أجبتُها.

إلّا أنها أصرّت على أن أعطي رقمًا. "10 يورو؟" خمّنتُ. ضحكتْ، ورفعت إصبعيْن: "2 يورو فقط!" لكزتني على كتفي، فتقدّمتُ خطوةً وبقيتُ حيث أنا، علّي أتخلّص من ثرثرتها. لكّنها ما لبثتْ أن لحقتني، مردِّدةً: "السوق بدّو شطارة!"

عدنا إلى البيت. طوال الطريق كانت عيناها تلتقطان ما لا نلتقطُه. أحيانًا، تنظر من الحافلة إلى الخارج، فينجذب بؤبؤاها كمغناطيسيْن إلى شيءٍ ما، حتى يغيبَ عن نظرها ويبتلعَه المدى، فتبني عليه قصصًا. وأحيانًا، كان ينتابها فزعٌ مفاجئ، فتُخْرج ما في جيوب معطفها من مناديلَ ورقيّةٍ جفّت فتطاير منها غبارٌ أبيض، تضعها بحجْرها، مع فواتيرَ مكوَّرةِ وملقطِ شعرٍ، والقلقُ واضحٌ عليها، لنكتشفَ في النهاية أنّها تبحث عن بطاقة الباص التي وضعتْها في جيب المحفظة. فنهدأ جميعًا.

ما إنْ دخلتُ المنزل حتى أحسستُ أن كافّة عضلاتي متشنّجة. استغربتُ من عدد الكتب التي قرأتُها عن السيطرة على التوتّر، والتأقلم مع التغيير. فكّرتُ أنّه لا بدّ لي من جلسة استرخاء. كنتُ قد سجّلتُ إحدى هذه الجلسات على جوّالي، فخطر لي أن أضعَ السمّاعات وأبدأَ بالاسترخاء. أمّا زائرتنا فقرّرتْ أن تأخذ حمّامًا ساخنًا. أحسستُ أنّني في تنافسٍ لاغتنام الفرصة. وكعدّاءتيْن، هرعتْ كلٌّ منا في اتجاه. ارتديتُ بيجامتي، وتخلّصتُ من ربطة شعري، وتمدّدتُ في الصالة والأضواءُ خافتة.

بدأتُ التفكيرَ في الكتاب الذي أريد نشرَه. بوجود الستّ انتصار، لن يُنجَزَ هذا الكتاب، أو سيكون كتابًا كافكاويًّا. بدأتُ الشهيقَ من أنفي، وإخراجَ الزفير بهدوءٍ من فمي. وضعتُ إصبعي بين الحاجبيْن. أمّا عيناي فمرتاحتان لأصلَ إلى نقطة التركيز، ولا أفكّر في أيّ شيء. هكذا بلغتُ مرحلة "ألفا" من ذبذبات المخّ، وبدأتُ أريحُ عضلاتِ عينيَّ حتّى أغمضتُهما، وتهيّأْتُ لاسترخاء باقي العضلات. في هذه المرحلة، عليّ إلغاءُ أيّ صوتٍ خارجيّ، والتركيزُ على صوت التسجيل. إلّا أنّ صوتَ انتصار راح يلعلع وهي تسأل عن شيءٍ ما. حاولتُ تجاهلَه. كانت تردّد فوق رأسي:

- مَن الذي سكب القهوةَ ومسحها بالمنشفة البيضاء؟ ليندا؟

لم تعد عضلاتي تعرف ما تفعل: أتُشلّ أمْ تصاب بتصلّب؟

- يا خالة نصّورة، يا حبيبتي، ألا تريْن أنّني مسترخية وأستمع إلى التعليمات؟ كنتُ على وشك...

- أما زلتِ تصدِّقين هذا الكلام؟ لا يوجد أفضلُ من الاغتسال بصابونة الغار وكيس الحمام! سقى الله تلك الأيّامَ عندما كان والدي يلْحم حديدَ القازان الذي يَقْطر ماءً ساخنًا. المياه الكلسيّة تتسبّب مع مرور الزمن بثقوب. وجاءت الحربُ، وانقطع الوقودُ، ولم نعد...

***

بعد يومين من وصول زائرة زمن الكورونا، انقلب البيتُ رأسًا على عقب. رحتُ أفتّش عن الهدوء في طيّات قمصاني، وتحت المفارش، وفوق الرفوف، فلا أجدُ له أثرًا. كانت الأسئلة تأتيني من كلّ حدبٍ وصوب، كأنّها رصاصُ قنّاص.

أصعدُ الدرجَ، فأسمعُ صوتها يأتي عميقًا من المطبخ: "مَن فعل كذا؟"

أكون في الحمّام، فيباغتُني سؤالُها: "أين وضعتِ المقلاة؟"

أدخلُ غرفتي لأنام، فتلكزُني بالأسئلة والاستفسارات.

صرتُ كالمهووسة: أتلفّت حولي، والستّ انتصار تجوب البيتَ يسارًا ويمينًا وصعودًا ونزولًا. لا أعلم أين تكون، غير أنّ صوتَها يُنْبئ بمكانها، فأتجنّبه. تمنّيتُ أن أمتلك طاقيّة إخفاءٍ لأتجوّلَ بحرّيّةٍ كسابق عهدي.

***

كانت انتصار تَستحضر طوال الوقت ما فقدتْه في الحرب. خلال إجراءات اللجوء، بدت طفلةً تائهةً محتقنةً بحمّى الحنين إلى الماضي. جاءت بكلّ مخاوفها الموروثة: كانت تظنّ أنّ جميعَ مَن خرجوا من سوريا ملاحَقون من طرف حكومة البلد الذي يقطنونه.

كان كلُّ همّ انتصار أن تتحدّثَ مع أيٍّ كان، فتفرغ شحنةَ الكلام في قلبها كالصاعقة التي تَقطع أيَّ شجرةٍ نصفيْن. أرادت أن تستعيدَ جوَّ العائلة التي تناثرتْ. لم تكن قادرةً على تخزين مآسيها في مكانٍ ما، بل كانت تستعيدُها وتضيفُ إليها شيئًا جديدًا في كلّ مرّةٍ ترويها. وهذا شلَّ قدرتَها على التركيز على حاضرها، وشتّتَها.

***

مضت شهورٌ، والزائرةُ من زمن الكورونا معنا. أمّا أخوها، فقيل إنّه وُضع في الحجْر الصحّيّ، وبعدها انقطعتْ أخبارُه، فلم يعد للستّ انتصار مكانٌ تنتمي إليه. وفي لحظةٍ، حسدتُها على عدم الانتماء، وشعرتُ بأنّني لو كنتُ مكانها لَما بقيتُ أسيرةَ خيوطٍ تشدُّني كما يَشدُّ مخرزُ الجرّاح الجلدَ ليخيطَ عضوًا جرى استئصالُه.

لدى انتصار يقينٌ بـ"أنّهم" اخترعوا الكورونا لتصفية بعض الأشخاص المطلوبين سياسيًّا. وهذا ما أدخلني في نقاشٍ دام أيّامًا، وخرجتُ منه كمن يدخل دربَ تبّانة، أو يرتطم بجرمٍ سماويٍّ ويعود إلى الأرض بفجوةٍ في الذاكرة.

***

تراجعتْ أزمة الكورونا في هولندا، ودخلنا مرحلةَ ما بعد الأزمة واستراتيجيّاتِ التقنين وغيرها. لكنّ الزائرة من زمن الكورونا ما زالت معي. وهي، على عكس اسمِها، ما زالت مصابةً بانتكاسةٍ لا مَخرج منها، وإنْ قلّ حديثُها.

أمّا أنا، فأصبحتُ أكثرَ إدراكًا لأسئلتها، ولمكانِها في المنزل، وأكثرَ ضبطًا لتوتّري، وأكثرَ قلقًا على ضحايا الحروب. وأيقنتُ أنه إذا أردتَ لقضيّةٍ أن "تَبْرد،" فأمِّنْ للمقهورين أماكنَ خارج أوطانهم، أو اخلقْ لهم قضايا يوميّةً دائمة.

نظرتُ إلى وجه الستّ انتصار النائمة على الكنبة وأنا أقرأ لأراغون:

"لقد صنعنا كلَّ شيءٍ للّذين يختنقون

كلَّ شيءٍ للذين يريدون أن يتنفّسوا

بنينا على الليل نوافذ

فتحنا في كلّ مكانٍ ملاجئ

فوفّرنا علينا مؤونة الشكوى."

نحن أنتيكا لا يرغب أحدٌ في اقتنائها. نحن كالآثار التي تُهرَّب في أيّام الحروب بأثمانٍ بخسةٍ لتضمَّها متاحفُ الغرب ويلتقطَ السوّاحُ أمامها الصورَ. إنْ كنتم تظنّون أنّ الكورونا أخطرُ ما حدث في ذلك الزمان، فأنتم مخطئون؛ فتبعاتُ الحروب أكثرُ فتكًا وهدمًا. وإنْ لم تصدّقوا، فاذهبوا إلى المتاحف، حيث خلّدونا بأشكالٍ وألوانٍ عدّة: منّا المنحوتون من الحجر، ومنا الخشبُ المعتَّق، وبعضُنا حبيسُ اللوحات الزيتيّة، وبعضُنا أسلحةُ دمارٍ ممنوعة، وآخرون سُجِّلوا ضحايا جائحةٍ قضت على آلاف البشر قبل مئة عام - - هذا ما قرأتْه لي والدتي من مخطوطةٍ رُكنتْ على طاولةٍ في مدخل المتحف.

اوترخت - هولندا

رندة عوض

كاتبة فلسطينيّة تعيش في السعودّية. لها العديد من القصص المنشورة في مجلّات عربيّة.