Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

عشر سنوات على الانقسام الفلسطينيّ: نحو نبذ الثنائيّة المقيتة

مقالات

 

 

تمرّ هذه الأيّامُ الذكرى العاشرة للانقسام بين حركتيْ "فتح" و"حماس،" من دون ظهور أيّة إشاراتٍ عمليّةٍ إلى إنهائه والتفرّغِ لمقارعة الاحتلال. على العكس من ذلك، فإنّ المؤشّرات كلَّها تشير إلى تعميق هذا الانقسام، بل إلى ترسيخه ومأسستِه أيضًا. فحركة "حماس" عمدتْ إلى تشكيل "لجنة إداريّة" لحكم قطاع غزّة؛ وكردّة فعل، قامت "فتح" التي توجِّه السلطةَ الفلسطينيّة باتخاذ خطواتٍ غير مسبوقة شملتْ: تقليصَ رواتب الموظّفين الحكوميين في القطاع بنسبة تتخطّى 30 في المئة، وقطْعًا كاملًا لبعضها، والتحفّظَ عن المبلغ المدفوع لاستهلاك الكهرباء والأدوية والخدمات الصحّيّة.

إنّ سيطرة ثنائيّة "فتح ــــ حماس" على الساحة النضاليّة الفلسطينيّة، وتحوّلَها إلى تناقضٍ رئيسٍ تُعبّأ على أساسه كوادرُ الطرفيْن والجماهيرُ في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وما يصاحِب هذه الثنائيّة العجيبة من قائمةِ صفاتٍ يُسقطها كلُّ طرفٍ على الأخر: هذه جميعُها قد بلغتْ مرحلةً لم يعد فيها المواطنُ الفلسطينيُّ العاديّ، الذي يعاني ويلاتِ الاحتلال والاستيطان والأبارتهايد والحصار، قادرًا على تحمّلها!
ليس في المرحلة التي بلغناها ولو الحدُّ الأدنى من الاحترام لرأي أيِّ شخص، أو فصيلٍ، خارج إطار السلطتين الحاكمتيْن (تحت حراب الاحتلال!). وكلُّ المؤسّسات التابعة للفصيليْن، من شركة الكهرباء إلى سلطتَي الطاقة وغيرِها، لا تقدِّر أيَّ نقدٍ كان، لأنّ تقويمَه يأتي من منظار هذه الثنائيّة؛ هذه الثنائيّة المقيتة التي تُسهم في قتلنا ببطءٍ شديد، وأوصلتنا إلى تشفٍّ متبادلٍ بين الطرفيْن، بل إلى المساهمة في خلق ظروفٍ قهريّةٍ غير مسبوقة. وأمّا الفصائل الأخرى فذيليّة، ضعيفة، لا ترتقي إلى مستوى تسميتها "قوًى سياسيّةً" لشعبٍ يعاني اضطهادًا مركّبًا.

والجدير ذكرُه في هذا السياق أنّ "الأَسْلَوَة" (1) التي تعرّضتْ لها القضيّةُ الفلسطينيّة على يد الجناح اليمينيّ المهيمن والمحتكِر للقرار الفلسطينيّ، كما اللعب بالمكتسبات النضاليّة الهائلة التي ضحّى من أجل نيلها الشعبُ الفلسطينيُّ على مدى عقودٍ من الكفاح، كانتا نقطةَ تحوّلٍ في مفهوم "النضال" وأهدافه: فجرى حصرُ المقاومة بمقاومة الاحتلال العسكريّ المباشر للضفّة والقطاع فقط، وتمّ تجنُّبُ الحديث عن الأشكال الأخرى للاضطهاد الصهيونيّ، وخُلِط بين التكتيك والاستراتيجيّة بطريقةٍ "فهلويةٍ" قزّمت الهمَّ الفلسطينيَّ إلى معاناة سكّان الضفّة الغربيّة (المتنازَعِ عليها حسب اتفاقيّات أوسلو!) وقطاعِ غزّة، اللذين أصبحا يشكّلان الشعبَ الفلسطينيَّ برمّته!

لكنّ فيروس أوسلو استطاع أن يعدي العملَ الوطنيّ الفلسطينيّ بشكل عامّ، إذ جرت "أسلوةُ اليسار" من خلال "أنجزةٍ" (2) تعاملتْ مع التراث الثوريّ الهائل الذي ميّز عقودَ الستينيّات والسبعينيّات وجزءًا كبيرًا من الثمانينيّات. وهكذا أصبح "اليسارُ" أيضًا يناضل من أجل إقامة "بانتوستان" على نمط المعازل العرقيّة السيّئة الصيت في جنوب أفريقيا؛ وهذا ما يتناقض جذريًّا مع منطلقات اليسار الإيديولوجيّة.

كما انتقلت العدوى الأوسلويّة إلى بعض الفصائل الإسلاميّة الكبرى التي تبنّت برامجَ أكثرَ "واقعيّةً" تضمن كسبَ "المجتمع الدوليّ" إلى جانبنا، وعمدتْ إلى إرسال رسائل تطمينيّة إلى الإدارة الأمريكيّة تعبّر فيها عن مدى "براغماتيّتها" من خلال قبولها بالحل العنصريّ عينه: أي "الحلّ" الذي يتعامل مع ثلث الشعب الفلسطينيّ فقط... ولكنْ بشكلٍ يتميّز عن اليمين العلمانيّ، أيْ من دون الاعتراف بإسرائيل!

لكنْ، على الرغم من شبه الإجماع الفصائليّ الرسميّ على "حلّ" عنصريّ كهذا، فإنّ التناقض الفتحاويّ ــــ الحمساويّ أدّى إلى سيادة منطق "إذا لم تكن معي فأنت ضدّي!" وهو ما دفع إلى قمع أمنيّ غير مسبوق على أيدي الأجهزة الأمنيّة. ووصلت الخلافاتُ بين الطرفين إلى مستوًى "كافكاويّ" من حيث تعبيرُها عن عُقدٍ نفسيّةٍ خلّفها الاحتلالُ بترسيخه عقدةَ الاضطهاد والإسقاط النفسيّ. وقد لعبت الإدارةُ الأمريكيّة والأنظمةُ الرجعيّة العربيّة دورًا كبيرًا في تعزيز هذه الخلافات من خلال رفض قبول نتائج الانتخابات الفلسطينيّة سنة 2006.

***

كيف يمكن تخطّي هذه الثنائيّة البغيضة، وما تحتويه من منطقٍ إقصائيّ يقوم على أساس التخوين والتكفير ورفض الآخر الوطنيّ؟

هنا يتساءل البعض: أنحن أمام لعبةٍ ندفع ثمنَها بالدم والمعاناة؟ هل تعي القياداتُ الفلسطينيّة أنّ الغالبيّة الساحقة من سكّان القطاع تعيش على المعونات الدوليّة؟ أمْ أنّ بعضنا قد انتقل إلى إدانة كلّ سكان القطاع بسبب نتائج انتخابات 2006 [التي أتت بحركة حماس إلى السلطة]، ومن ثمّ التشفّي بما يحصل لهم الآن؟ وهل انتقل بعضُنا الآخر من مرحلة مقاومة الحصار إلى التعايش معه، ثم الاستفادة منه؟!

إنّ عجزَ القيادات عن فهم الواقع العربيّ الجديد، وإصرارَها على تبنّي سياسة ردّ الفعل، واعتبارَها أسلوبَ المقاومة المدنيّة الذي تسلكه حركةُ المقاطعة العالميّة (BDS) نقيضًا للأسلوب النضاليّ (الوحيد) الذي تفهمه بعضُ الفصائل (مع أنّه نجح في إسقاط نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا): هذا كلُّه يثير العديدَ من التساؤلات عن أولويّاتنا الوطنيّة.
إنّ الاستفادة من تجارب الشعوب التي ناضلتْ ضدّ الاضطهاد ليست عيبًا، بل واجبٌ علينا. فجنوب أفريقيا تعلّمتْ من الجنوب الأمريكيّ وإيرلندا الشماليّة، التي بدورها استفادت من النضال الهنديّ والنضال الجزائريّ...الخ، مع احتفاظ كلّ نضالٍ بالخصوصيّات المحلّيّة. ومن المعروف أنّ أقربَ التجارب النضاليّة شبهًا بالكفاح الفلسطينيّ هي تجربةُ الحركة المناهضة للتفرقة العنصريّة في جنوب أفريقيا، وبالذات في مرحلة الثمانينيّات من القرن الماضي، حيث تكثّف النضالُ المدنيّ والمقاومةُ الشعبيّة، مصحوبيْن بحملة مقاطعةٍ دوليّةٍ هائلة أدّت إلى القضاء على نظام التفرقة العنصريّة. هناك، عمل المناضلون، وبرؤية سياسيّة واضحة، على تغليب التناقض الرئيس مع نظام الأبارتهايد، على الرغم من محاولات ذلك النظام جعله تناقضًا ثنائيًّا بين حزب المؤتمر الوطنيّ الأفريقيّ وحزب الحريّة (إنكاتا)! وهناك، أيضًا، تعدّدتْ أشكالُ النضال، ولكنْ جرى التركيزُ على ما يصيب النظامَ العنصريَّ في الصميم؛ ذلك لأنّ المرحلة التاريخيّة في ذلك الوقت تطلّبتْ تعبئةَ الرأي العامّ الدوليّ ودعوةَ مؤسّسات المجتمع المدنيّ العالميّ إلى التدخّل لصالح المضطهَد ومقاطعةِ المضطهِد. لم يكن هناك أيُّ تعالٍ نخبويّ، أو أيُّ احتكارٍ للأساليب النضاليّة؛ ولم يُنظرْ إلى القضيّة من منظارٍ إيديولوجيّ ضيّق ينفي أيّةَ رؤيةٍ أخرى.

إنّ الهمّ الفلسطينيّ الآن لا يمكن أن يقتصر على "أن تكون فتحاويًّا أو حمساويًّا"! ويجب ألّا تُستخدمَ الطاقاتُ الشعبيّة الهائلة في تعزيز ثنائيّة كهذه. إنّ رؤية العالم بمنظورٍ إقصائيّ، أو من خلال طريقٍ وحيدٍ لحلّ الصراع (هو المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات)، نقيضٌ لِما استُشهد في سبيله الآلافُ من خيرة أبناء الشعب الفلسطينيّ وبناته.

غزّة

(1) من أوسلو.

(2) من NGOs، أي المنظّمات غير الحكوميّة.
 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب