Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

في "خصوصيّة" فلسطين 48: الداخل الفلسطينيّ بين التفكّك وإعادة البناء

مقالات

 

"يتوجّب على حركة المقاطعة وكلِّ مَن هاجمَنا أن يَعلم أنّنا، نحن الجماهيرَ العربيّةَ في إسرائيل، عرفنا كيف نخطّ نضالَنا، وعرفنا كيف نواجِه يوميًّا السياساتِ [الإسرائيليّة]. أنتم تعلمون أنّ واقعَنا في داخل إسرائيل مركّبٌ بدرجات."[1]

هذا ما قالته عضوُ الكنيست عن "القائمة المشتركة،" عايدة توما، في معرض ردِّها على دعوات حركة المقاطعة إلى الامتناع عن المشاركة في يومٍ دراسيٍّ نظّمه مركزُ أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ ((INSS. تصريحُ توما هذا يَصْلح أساسًا ممتازًا لفتح باب النقاش حول خصوصيّة الداخل الفلسطينيّ وموقعِها من الحالة الفلسطينيّة العامّة، ويسعى بصورةٍ أدقّ إلى الإجابة عن السؤال الآتي:

متى تتحوّل الخصوصيّةُ إلى حمْلٍ يعوِّق الإستراتيجيّةَ الوطنيّةَ العامّة أو يتناقض معها؟

إنّ الخوض في مثل هذا النقاش يتطلّب، قبل أيّ شيء، توضيحَ ثلاث نقاطِ انطلاق. الأولى أنّ الفلسطينيين لا يعيشون الآن مرحلةَ تحرّرٍ وطنيّ، إذ إنّ الحياة تحت الاستعمار لا تعني بالضرورة وجودَ حركة تحرّرِ وطنيّ. الثانية، أنهم يعيشون الآن حالةَ ما بعد فشل حركة التحرّر الوطنيّ، وحالةَ انهيارٍ كامل، سياسيٍّ ومعرفيّ. الثالثة، أنّه على الرغم من أنّ وجودَ الاستعمار لا يعني بالضرورة وجودَ حركة تحرّر وطنيّ، فإنّ المُستعمِر يَفرض بالضرورة على المُستعمَر الحاجةَ إلى بناء حركة تحرّر وطنيّ.

هذه الثلاثيّة، إنْ أردنا اختزالها، هي على الشكل الآتي: الانهيار؛ ثمّ ناتجُ الانهيار من تيهٍ وتشتّتٍ وتفكّك؛ فالحاجة الماسّة إلى إعادة البناء.

من هذا الباب، تسعى هذه المقالة إلى استغلال الظرف السياسيّ الحاليّ، أيْ الحاجة إلى إعادة البناء، من أجل فتح باب النقاش حول موقع الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة عام 1948، ومساهمتِهم السياسيّة، ومكانتِهم في المشروع الوطنيّ العامّ.

                                                       (الصورة لِمحمود أبو سلامة)

فلسطينيّو الداخل: الاستهلاك السياسيّ

سياسيًّا، يعيش الفلسطينيّون في الأراضي المحتلّة عام 1948 على شقّيْ صراعٍ فاعل:

ــــ الأول هو واقعُ الدولة الصهيونيّة الإداريّ، بفعل جنسيّتهم الإسرائيليّة وجوازِ سفرِهم الإسرائيليّ، وبفعل الفلك السياسيّ الإسرائيليّ الذي تنشط فيه الأحزابُ السياسيّة العربيّة في الأراضيّ المحتلة عام 1948 في معظمها؛

ــــ والثاني هو الهويّةُ الفلسطينيّة العربيّة التي يستمدّون منها امتدادَهم التاريخيَّ والثقافيّ، وخطابَهم السياسيَّ القوميّ.

لكنْ، على الرغم من أنّهم يعيشون سياسيًّا على شقَّي الصراع المذكوريْن، فإنّهم ليسوا جزءًا من النظام السياسيّ الفلسطينيّ: لا يشاركون في هيئاته التمثيليّة؛ ولا يأثّرون في اتخاذ القرار فيه؛ والاتفاقُ السياسيّ الذي وقّعتْه منظّمةُ التحرير الفلسطينيّة مع الصهيونيّة في أوسلو وما بعدها لم يشملْهم ولم يتضمّن حلًّا لقضاياهم.

بكلماتٍ أخرى: فلسطينيو 48 يستمّدون من النظام السياسيّ الفلسطينيّ هويّتَهم، ولكنّهم لا يؤثّرون فيه. وهم يعيشون تحت سلطة النظام الصهيونيّة، ولكنّهم أيضًا لا يستطيعون التأثيرَ فيه لكونه ــــ بنيويًّا ــــ نظامٌ إثنيّ يهوديّ "ديمقراطيّ" في حدود هيمنة اليهود وتعزيزها فقط. وهم أيضًا يستمّدون الهويّةَ الفلسطينيّة والعربيّة من السياق العربيّ، ولكنّهم لا يؤثّرون فيها وفي صياغتها. وبكلماتٍ أكثر دقّة: يعيش فلسطينيّو الداخل في توازن دقيق على شقّي الصراع، فيتأثّرون من أيّ تغيير بسيط فيه ولا يؤثّرون فيه.

من واقعِ التوازن الدقيق هذا، يمكن تحليلُ المواقف السياسيّة التي تبدو متضاربةً للوهلة الأولى مع خطاب النُّخَب السياسيّة، وبخاصّةٍ خطابُ رئيس "القائمة المشتركة" أيمن عودة. فعودة يبدأ خطابَه برفضٍ جذريّ لسياسات "الأسرلة" الإسرائيليّة و"العربيّ الإسرائيليّ،" ولكنّه يَستنكر أيَّ عمليّة يُقْدم على تنفيذها شابٌّ من فلسطين 48 ضدّ قوّات الاحتلال. وهو يؤكّد وحدةَ الشعب الفلسطينيّ، ولكنّه يرفض بشكلٍ قاطع أن يكون فلسطينيّو 48 جزءًا من منظّمة التحرير الفلسطينيّة، داعيًا إلى تأسيس كيان ثقافيّ غير سياسيّ جامع لكل الفلسطينيّين.[2]

ومن هذا المبدأ أيضًا، يمكن فهمُ تصريح عايدة توما التي ترفض "المزايدة" وطنيًّا من قِبل حركة المقاطعة، ولكنّها في المقابلة ذاتها تدّعي استقلاليّة قرارها السياسيّ.[3]

ومن هذا الواقع أيضًا يمكن فهمُ الآليّة التي تستخدمها الأحزابُ الفلسطينيّة داخل فلسطين 48 من أجل الحفاظ على هذا التوازن: تَرفض كلَّ ما قد يَمنح الصهيونيّةَ ذريعةً لهدم إطار "المواطَنة"؛ وترفض الانضمامَ الكلّيّ إلى إطارٍ سياسيّ فلسطينيّ جامع؛ وتَرفض كلَّ ما من يهدِّد تمايزَنا الثقافيّ عن الصهيونيّة، من قبيل مشاركة الفلسطينيّين في الأحزاب الصهيونيّة أو إنتاج "العربيّ الإسرائيليّ" الذي لا يعرف ثقافتَه وتاريخَه. وعلى هذا التوازن، الدقيقِ جدًّا، تعيش الأحزابُ الفلسطينيّةُ في الداخل المحتلّ، وهو شرطُ وجودها وأساسُ وجودها أيضًا.

ولعلَّ أكثرَ ما يعبِّر عن حالة التأثّر وعدميّة التأثير هذه هو ما حصل في مواقعَ عدّة، كان أبرزها: اتفاقيّة أوسلو،  والانقسام الفلسطينيّ، والحرب الأهليّة السوريّة وما يعيشه العالمُ العربيّ من استقطاب مذهبيّ طائفيّ، والانتفاضة الثانية.

ــــ فمثلًا، تشير التحليلاتُ السياسيّة إلى أنّ انفتاحًا طرأ على علاقة فلسطينيّي 1948 بالدولة الصهيونيّة في أعقاب توقيع أوسلو، ما أدّى إلى انخفاض نسبة العنصريّة في المجتمع الصهيونيّ، وإلى زيادةِ الميزانيّات المقدَّمة إلى المجالس المحلّيّة العربيّة على الرغم من غياب موضوع فلسطينيّي 48.

ــــ وتشير دراسةٌ صدرتْ عن المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجيّة (مسارات)، وتبحث كلفةَ الانقسام الفلسطينيّ على التجمّعات المختلفة بعد مرور عشرة أعوام، إلى أنّ هذا الانقسام أدّى إلى تعزيز آلة الأسرلة الإسرائيليّة داخل فلسطين 48 بعد تفكّك الحقل السياسيّ الفلسطينيّ الذي كان يمدّ النخبَ السياسيّة بالفعل السياسيّ الذي يُنتج الهويّةَ الوطنيّة.

ــــ أمّا في خصوص الاستقطاب المذهبيّ في العالم العربيّ، فإنّ التحليلات كافّةً تشير إلى شرخٍ مجتمعيّ في داخل فلسطين 48 بين مؤيّدٍ ومعارضٍ للنظام السوريّ، إلى حد تهديد وحدة "لجنة المتابعة" ذاتها.[4]

ــــ وأمّا الانتفاضة الثانية، فكانت التجسيدَ الأكبرَ للتوازن: مجتمع يَستهلك السياسةَ ولا ينتجها. استهلك الانتفاضة أيضًا من الضفّة الغربيّة وغزّة، فانتفض، وسقط الشهداءُ، وأعلن الإضراب؛ ولكنْ، في المقابل، ذهبت النخبُ السياسيّة إلى "احتواء الموقف": فعُقد لقاءٌ مع إيهود باراك، بصفته رئيسَ الوزراء، وتمّ التوجّه إلى "المواطَنة" إطارًا احتجاجيًّا يعيد تأطيرَ الانتفاضة في ظرف التوازن؛ ما نتجتْ منه شعاراتٌ كـ: "دولةٌ تقتل مواطنيها."

 

التوازن بين تغييريْن: الفلسطينيّ المنهار والصهيونيّ المتديّن

تشكّل "الخصوصيّةُ" التي تتحدّث عنها عايدة توما في المقابلة التجسيدَ اللفظيَّ لهذا التوازن. و"الخصوصيّة" في الشرط الفلسطينيّ العربيّ هي "تفهّمُ" إطار "المواطَنة" الصهيونيّة، أيْ تذكيرٌ للعربيّ والفلسطينيّ بالشقّ الآخر من التوازن المذكور: المواطَنة والحفاظ عليه. لكنْ تبقى أسئلةٌ من نوع: متى تتحوّل كلمة "خصوصيّة" إلى قيمة ضاغطة على توازناتٍ أخرى، مثل الصراع الصهيونيّ ــــ العربيّ، كما يمكن أن يحصلَ مثلًا عند عرض فيلم في لبنان أخرجه فنّانٌ من فلسطينيّي 48 بتمويلٍ من وزارة التربية والتعليم الصهيونيّة؛ أو كما حصل عندما شكّلت "الخصوصيّة" ذريعةً لمشاركة توما في ندوةٍ نظّمها مركزُ أبحاثٍ صهيونيّ، وتستهدف الشعبَ الفلسطينيّ، وتتضارب مع حركة المقاطعة التي تشكّل جزءًا لا يتجزّأ من أدوات الشعب الفلسطينيّ في مقاومة الاحتلال؟ هل يتوجّب على حركة المقاطعة تفهّمُ "الخصوصيّة،" أمْ غضُّ النظر عنها وإخضاعُها للقرار الوطنيّ العامّ؟

هذه أسئلة المستقبل بالنسبة إلى فلسطينيّي الداخل، وتتطلّب الإجابةُ عنها فهمَ المرحلة التي يعيش فيها طرفا هذا التوازن، الصهيونيّ والفلسطينيّ/العربيّ، وتوجّهاتهما.

ــــ صهيونيًّا، هناك شبهُ إجماع على أنّ المشروع الصهيونيّ يمرّ في مرحلة جديدة يُطلَق عليها اسمُ "إسرائيل الثالثة."* وهي تتميّز بالسمات الآتية: 1) صعود الخطاب الدينيّ ــــ القوميّ الذي بات يحلّ محلَّ الخطاب القوميّ، ويستمد شرعيّتَه من التوراة والنصوص الدينيّة، ويرى في "إسرائيل الكبرى" حلمًا وفي الأغيار أعداءً، بغضّ النظر عن مكانتهم السياسيّة والقانونيّة أو الدستوريّة. 2) يحوز السياسيُّ الصهيونيّ شرعيّتَه من المستوطنين في الضفّة الغربيّة، الذين باتوا يشكّلون مخزونَ أصوات اليمين الحاكم واليمين الذي سيَحْكم في المنظور القريب. 3) حصول تغييرات جذريّة في النظام السياسيّ الصهيونيّ، الأمرُ الذي يقلِّل من هامش "المواطَنة" الذي نشطتْ فيه الأحزابُ الفلسطينيّةُ داخل 48 من خلال المحكمة الإسرائيليّة العليا والمؤسّسات الإسرائيليّة التي لا تزال ليبراليّة الطابع في النظام السياسيّ الصهيونيّ عمومًا.

ــــ أمّا فلسطينيًّا، فإنّ الحالة تتميّز بالآتي: 1) انهيارُ المشروع الوطنيّ؛ وهو ما يجسِّد الانقسامُ الفلسطينيُّ شكلًا من أشكاله. 2) نقلُ ثقل النظام السياسيّ الفلسطينيّ برمّته إلى الضفّة وغزّة، الأمرُ الذي أدّى إلى تراجع تمثيل اللجوء وتركِهِ في مهب الأزمات الداخليّة للبلدان التي يعيش فيها؛ ما أفرز حالةً من اللجوء الثاني بسببِ ما يمرّ به العالمُ العربيّ. 3) انسداد الأفق السياسيّ والمشروع الذي استند إلى التسوية.

وإذا ما أردنا اختصارَ التحوّلات في شقَّي التوازن الذي يعيش عليه الداخلُ الفلسطينيّ فإنّه تعزيزُ الهجمة الصهيونيّة على الهويّة الفلسطينيّة، التي لا يمكن فصلُها عن السياسة التي تصوغها وتُشكّلها.

الظروف الموضوعيّة المحيطة، التي تشكّل التوازنَ المذكور، تتغيّر، وتفرض على هذا التوازن تحدّيًا جدّيًّا وجذريًّا. ولا تشكّل المظاهرُ التي بدأتْ تطفو على السطح في الأعوام الأخيرة ــــ كالعنف الداخليّ الفلسطينيّ الذي أودى بحياة 70 فلسطينيًّا، وانتشار السلاحِ الذي بدأ يقتل الأمانَ الفلسطينيَّ الداخليّ، والمخدِّرات، وتراجُعِ المشاركة الفلسطينيّة في السياسة وفي الفعّاليات الوطنيّة داخل فلسطين 48 ــــ إلّا تمظهراتٍ نهائيّةً للتغيّر الجذريّ في التموضع على توازنٍ مختلّ، والتمسّك بهذا التوازن على الرغم من تغيّر الظروف الموضوعيّة التي شكّلتْه.

ذلك أنّ الخلل يأتي لصالح الطرف القويّ والمتماسك الذي يشكِّل هذه "الخصوصيّة،" وهو ــــ للأسف ــــ الطرفُ الصهيونيّ. فالعنف بين فلسطينيّي 48 ناتجٌ من تفكّك هويّتهم الجامعة، ومن طغيانِ الهويّات الفرعيّة لديهم، كالعائليّة والطائفيّة، ومن التيه، ومن عدمِ شعورهم كمضطهَدين بقيمتهم التاريخيّة التي يستمدّونها من فلسطينيّتهم وعروبتِهم العريقة. وتراجعُ المشاركة السياسيّة نابعٌ من تجربة تاريخيّة تفيد بعدم جدوى هذه المشاركة في النظام الإثنيّ اليهوديّ للدولة الصهيونيّة، ومن انهيار السياسة الفلسطينيّة في العقدين الأخيرين. وهنا، لا بدّ من إجراء تغيير جذريّ في التموضع الذاتيّ، على مستوى السياسة والمعرفة السياسيّة.

 

فلسطين بين إعادة البناء والانهيار الشامل

الشرط الفلسطينيّ لا يَقبل الانهيار؛ فالانهيار يعني الاندثارَ بالضرورة، وذلك حين يكون الصراعُ صراعًا مع حركة استعمار استيطانيّ كالصهيونيّة تسعى إلى الإبادة الشاملة للرواية التاريخيّة وللثقافة السياسيّة والبنى السياسيّة والاجتماعيّة المساندةِ لهذه الرواية. وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإنّ الاستعمار يَفرض مقاومتَه.

وهذه المقاومة يمكن أن تكون فرديّةً وخلاصيّة، كنموذج الشباب الفرديّ الذي خرج في العام 2015 بالسكاكين ــــ وهذا هو الردّ الطبيعيّ على وجود الاستعمار، وعلى غياب بنًى سياسيّة تحتضن وتؤطِّر وتعبِّئ. ولكنْ يمكنها أيضًا أن تكون منظّمةً من خلال مشروع وطنيّ تحرّري وبنًى سياسيّة. في الشرط الفلسطينيّ الآنيّ، نحن أمام الحالة الأولى، وهي ناتجة من غياب الثانية وانهيارها. وهنا لا نتحدّث فقط عن انهيار منظومة، بل عن تحوّلها أيضًا من مشروع حركة تحرّر إلى مشروع سلطة تستمدّ شرعيّتَها السياسيّة من الاستعمار ذاته. وهو ما يضع فلسطينَ برمّتها ــــ سواء غزّة المحاصرة، أو أماكن اللاجئين الذين باتوا من دون ممثّلٍ سياسيّ، أو الضفّة التي ينهشها الاستيطانُ، أو فلسطين 48 التي باتت في حالة تفكّكٍ مجتمعيّ ووطنيّ هويّاتي ــــ أمام ضرورة النهوض بذاتها سياسيًّا قبل فوات الأوان.

إنّه سؤال المصير السياسيّ للفلسطينيّ عامّةً. وهنا، لا بدّ من ذكر حقيقةٍ غايةٍ في الأهمّيّة: الفلسطينيّ داخل الأراضي المحتلّة عام 48 يتفكّك ويتماسك تبعًا لهويّته السياسيّة الفلسطينيّة، لا تبعًا للإطار الإداريّ الذي ينظّم حياته اليوميّة ــــ أي الدولة الصهيونيّة.

هذه الحقيقة نابعة أساسًا من التناقض البنيويّ بين الصهيونيّة، في وصفها حركةً استعماريّةً، وبين الهويّة الفلسطينيّة في وصفها هويّةً تحرّريّة. فالتحرّر الفلسطينيّ يعني، بالضرورة، وحدةَ الفلسطينيّ؛ مثلما أنّ الصهيونيّة تعني بالضرورة تفكيكَ وحدة الفلسطينيّ من خلال تعزيز وحدة اليهود. إنّها المعادلةُ ذاتُها التي يستوطن فيها الصهيونيُّ على حساب تهجير الفلسطينيّ؛ والمعادلة ذاتُها التي تُبنى فيها الصهيونيّةُ على أنقاض الفلسطينيّ؛ والمعادلة ذاتُها التي يتماسك  فيها المجتمعُ اليهوديّ بشرط تفكيك المجتمع الفلسطينيّ.

وعليه، فإنّ التقدير الذي يستند إلى "الخصوصيّة" هو تقديرٌ يستند إلى الواقع الذي أنتجته الصهيونيّة: واقعِ الخصوصيّات الناتجة من النكبة ذاتها. إنّ "الخصوصيّة" التي يتم الحديثُ عنها هي نتاجٌ صارخٌ لمعادلة تجميع اليهود مقابلَ تفكيك الفلسطينيين. ومن هنا، فإنّ الغبن التاريخيّ الأساسيّ، فلسطينيًّا، كان ببناء برنامج سياسيّ مستندٍ أصلًا إلى "خصوصيّة" فلسطينيّي الداخل، لكون هذا البرنامج مستندًا إلى هدفٍ استعماريّ ومنطلِقًا منه. ومن هذا المبدأ، فإنّ "الخصوصيّة" في حدّ ذاتها، وأصلًا، أداةٌ استعماريّة.

إنّ سؤال "الخصوصيّة" ليس عن وجودها أو عدمه، بل هو سؤالُ الانطلاق منها لتأسيس مشروع سياسيّ على غرار "المشروع" الذي بنيناه حتّى يومنا هذا، أم الانطلاق منها من أجل بناء مصير سياسيّ لكلّ الفلسطينيين ــــ في الداخل والضفّة والقطاع وبلدان النزوح.

هذا هو سؤال المستقبل لكلّ مَن يفكّر في ترميم الحقل الوطنيّ الفلسطيني أو إعادة بنائه.

عبلين (فلسطين)

 

[1]"توما: على كلّ منصّةٍ أفضحُ الاحتلالَ الإسرائيليّ،" الموقع الإلكترونيّ لراديو الشمس: https://goo.gl/TfNf5J

[2]  صرّح عودة بذلك في مؤتمر مركز "مسارات" السادس، وذلك تحت عنوان "فلسطين رؤى استراتيجيّة سياساتيّة." وسيُنشر في الكتاب الذي سيصدر ويحوي جميعَ وقائع المؤتمر.

[3] مصدر ورد سابقًا.

[4] "لجنة المتابعة العليا" هي الجسم التنسيقيّ الوحدويّ الأعلى للحركات والأحزاب التي تنشط في الأراضيّ المحتلة عام 1948. وهي الجسم الوحيد الذي يحوي في داخلة كافة الأطر والحركات السياسيّة.

*للتوسّع يمكن الاطّلاع على "هنيدة غانم، تقرير مدار الاستراتيجيّ 2016."

اتّصل بنا من نحن دار الآداب