Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

قبلة

قصة قصيرة

 

ــــ أدرس في السنة الثالثة محاسبة، كليّة التجارة.

اكتفى صاحبُ محلّ الفضيّات بهذه الجملة، فقبِلني عاملًا لديه فورًا. ولم يكن هذا لأنّ الجملة كانت سحريّةً مثلًا، بل لأنّ مَن رشّحني هو شقيقُ صاحب المحلّ وصديقُ والدي. وصاحب المحلّ كان يعرف اسمي وكلّ شيء عنّي، لكنّه أراد أن يريني طريقتَه في المقابلات والأسئلة، ويعرّفني إلى طبقة صوته التي يستخدمها حين يكون جادًّا.

أتى عامل آخر، فبدأ صاحبُ المحلّ يُملي عليّ قائمة التعليمات: "لا تمسكْ هذه. ولا تفتحْ هذا. ولا تُنزلْ سعر هذه. وهذه الفضّة مصدرُها دولة الهند. وهذه الإمارات..." وأنا، بكلّ لامبالاةٍ، أستمع. ثمّ أمسكَ أداةً تشبه المسدّس، وقال الجملة التي حاول أن يضع ثقله كلّه فيها: "وهذه أهمّ حاجة..." رسمتُ علامة الاستفهام على وجهي كي يسترسلَ في الشرح. فقال واضعًا ثقله من جديد على الجمل:

"ستأتي النساءُ ليخرصن آذانهنّ. وسيأتين بطفلاتهنّ. وهنا، كن شديدَ الحذر، إذ يمكن أن تخرم آذانهنّ بشكلٍ لا ينصلح بعده أبدًا، وستدخل السجن!"

هنا طارت لامبالاتي، وصرخت: "أيش؟!"

هذه المرة كان هو من رسم علامة الاستفهام على وجهه ونظر إليّ. فشرحتُ، محاولًا أن أضع اعتراضي، بثقله كلّه، على كلّ كلمة: "عمّي أحمد أخبرني أنّي فقط سأبيع، ولن أجري عمليّات التخريص!" نظر إليّ بازدراء، وقال: "كلّا. ستثقب الآذانَ أيضًا!"

في أوّل يوم تخريص، جاءت أمٌّ مع ابنتها الصغيرة. كانت صغيرةً ولطيفةً جدًّا، وتوقّعتُ لها شبابًا رائعًا. أجدتُ استخدامَ آلة التثقيب مع الجميع: أمسكُ الطفلةَ من رأسها، فأزيح شعرها، وألتقط أذنها، فأضع عليها المخدّر، وأصوّب المسدّس نحوها، ثمّ أغلقُ على القرط الصغير البابَ كي لا يسقط، وبعدها أقبّل الطفلة من خدّها، وتمضي الأم سعيدة.

بعد أسبوع جاءتني أوّل حالةٍ شابّة. كانت فتاة متوسّطة الجمال، بيضاء البشرة، عيناها صغيرتان لطيفتان. اختارت أقراطًا صغيرةً بشكل العقرب، وظلّت تبتسم بغنج. أزاحت بنفسها حجابَها، وكان شعرها مشدودًا بقوّة إلى الخلف. رششتُ المخدِّر على  أذنها الصغيرة، وانتظرتُ لوهلةٍ مفعوله، ثمّ أمسكتُ أذنها، وملتُ بوجهي نحوها كي تلفحني رائحتُها، فلمحتُ المنطقةَ الشفّافة خلف الأذن، التي تمتدّ إلى محيط جذور الشعر. كانت شفّافة جدًّا، بيضاءَ جدًّا. رفرف قلبي، وسيطرتْ عليّ فكرةٌ واحدة: أن أُقبّل تلك المنطقة!

ارتجفتْ يدي، وشعرتُ بالخدر في ساقَيّ. كنتُ أحسّ بالرعب وأنا أفكّر في أنّي قد أخطئ في ثقب أذنها، وتخيّلتُ الدماء تغطّي البقعة الشفّافة من عنقها الجميل. أخذتُ أتنحنح محاولًا تهدئةَ نفسي، وهي تنظر إليّ ببراءة. أتممتُ العمليّة بنجاح، وظلّ الشعورُ الجميلُ يسري فيّ حتّى الليل.

كنتُ أُمضي النهارات في الكلّيّة، أنظر إلى وجوه البنات، عيونِهنّ، إذ ترتدي الأغلبيّةُ النِّقابَ، وأبدأ في تخيّل أعناقهنّ، وشفاهِهنّ، وجذورِ شعرهنّ، وصوتِ تنفسّهنّ. ثمّ أصرف بقيّة اليوم في المحلّ، أدعو أن تكون الوافداتُ فتياتٍ شابّات. وكنّ يأتينَ ولو قليلًا، فأمسكُ بأذن الواحدة منهنّ، وأتأمّل شفافيّة جلودهن، وأنظر بسعادة إلى شفافههنّ، الرطبةِ أو الجافّة، النضرةِ أو المتعبة، الفاتحةِ أو الداكنة. ثمّة فتيات تعمّدنَ أن أرى أعناقهنّ، وأخريات احتفظن بالحجاب مشدودًا حول رؤوسهنّ بحيث لا أرى أكثر من الأذن أو ما يتعدّاها قليلًا. وكنت ألعب لعبة التخمين: هذه السمراء سيكون لديها شعر ناعم لا محالة؛ وهذه البيضاء ستكون بالتأكيد أكثر حرصًا على ألّا أرى أكثر من أذنها؛ أمّا هذه الطويلة فستكون جميعُ أقراطها زهورًا وورودًا. وكنتُ أصلّي كثيرًا لو تسقط حجاباتُهنّ، لو أرى شكلَ شعرهنّ، وكيف تتناسق أفوادهنّ مع جباههنّ وذقونهنّ. لكنّ هذا لم يحدث مرّةً واحدة. وكنت، عوضًا من هذا، أتأمّل في الطفلات، وأستخرج الأخطاءَ الموجودة في شكل الوجه، وألتقط بعينٍ خبيرة مكامنَ الجمال، وما سيكون عليه مستقبلًا. كانت حياتي عبارةً عن وجوه فحسب، وبدأت بعدها أسأل نفسي: هل الجمال كلّه وجهٌ؟

سافر العامل الآخر إلى قريته لأنّ أخاه سيتزوّج، فبقيتُ وحدي في العمل. وذات يوم فوجئتُ بشابّة تدخل وحدها، فتختار بسرعةٍ أخراصًا على شكل وردة صغيرة، وتقرّر ثقبَ أذنها اليمنى. وبسرعة أيضًا، تضع حقيبتها، وتفتح حجابها، وتعْرض أذنَها اليمنى مع جزء من عنقها وشعرها. أمسكتُ رأسها، ورششتُ المخدِّر على أذنها، وملت برأسي كاملًا كي أخترق عنقَها وما خلف أذنها. ثمّ جئتُ بمسدّسي، وثبّتُّ عليه الوردةَ الفضّيّةَ الصغيرة، ثمّ أمسكتُ بها من جديد. حين تأكّدت أنّها تخدّرتْ، ثقبتُ أذنها، وبسرعة أغلقتُ على الوردة الصغيرة الطريقَ، ثمّ شددتُ رأسها نحوي بالسرعة ذاتها، وقبّلتها في المنطقة الشفّافة، وتركتُ هناك بللًا من شفتيّ.

اليمن

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب