الجاهلة
03-11-2015

 

أخبروها بأنّه سافر إلى تركيا بعد انفصالهما بثلاثة أشهر، وهناك تزوّج مغنّيةً من أصلٍ عربيّ. لم تستغربْ؛ فلطالما كانت الموسيقى مصدرَ إغراءٍ بالنسبة إليه.

 

في جلساته كانت الموسيقى موضوعَه الأول. كان يحدّثها عن أنواعها ومواطنها، روّادِها وأصحابِ البصمات فيها. يهديها في المناسبات أقراصًا وأسطواناتٍ مختلفة، مرفقةً بشرحٍ شفهيّ أو كتابيّ. يدعوها إلى أمسياتٍ موسيقيّة، ثم يخصّص وقتًا كافيًا لمناقشة ما استمعا إليه أو شاهداه.

ولن تنسى كيف قضتْ معه سنة 2008 تحديدًا، وهي آخرُ سنواتهما معًا، والسنةُ التي كانت فيها دمشقُ عاصمةً للثقافة العربيّة، يخرجان من دار الأوبرا فيدخلان إلى قلعة دمشق ثم إلى المركز الثقافيّ في دمّر أو المزّة. مطربون وعازفون وفِرَقٌ مشهورة أو مغمورة، وهما يلهثان خلف الحفلات، يُسابقان صفوفَ الانتظار، ليحصلا على بطاقتيْن لحفلةٍ قادمة؛ يقفان تحت الثلج ساعاتٍ متواصلة ليضمنا تذكرتيْن لمسرحيّة فيروز؛ يقضيان حفلة مروان عبادو واقفيْن؛ يُهمِلان موعدًا مهمًّا، أو يتحدّيان وعكة صحّيّة طارئة، في سبيل حضور أمسية مخصّصة لتكريم صلحي الوادي أو لتقديم أعمال محمد عبد الوهّاب.

لم يكن يوفّر فرصةً إِلّا ويذكِّرها بأنّ حادثة الطفولة التي عطّلتْ أعصابَ يده اليسرى سرقتْ منه حلمَه الأوّل بأن يصير عازفًا محترفًا. ويردفُ كلَّ مرّةٍ أنّه لو كان ينعمُ بصوتٍ جميلٍ لملأَ به البيوتَ والمسارحَ والعالم.

لم تكن تجدُ في ذلك هوسًا أو مبالغة؛ فهي أيضًا تحبُّ الموسيقى، وتحبُّ أن تشاركَه لذّتها والاحتفاءَ بها، خصوصًا أنّه واسعُ الاطّلاع، بما يجعل هذه المشاركة أكثرَ بهجةً وغنًى. ولولا رغبتُه في إلباسها ثوبَ طموحاته لما وجدتْ في هذا الوله المشترك ما يكدّر عليها متعتَها. إلا أنّه، وفي غير مناسبة، كان يدفعها، بالتلميح أو التصريح، لتبنّي حلمه القديم في الموسيقى. لا بل إنّه طلب منها، أكثر من مرّة، أن تجدَ لنفسها مكانًا في عالم النوتات، عازفةً أو مطربةً أو مؤدّيةً في فرقة.

كانت تواجِه طلبَهُ المتطفِّلَ والغريبَ بالصراحة الهادئة، فتحكي عن اكتفائها بموقع المتفرّجة المهتمّة، ثمّ تؤكدُ له فكرتَها عن كون المستمع المنتشي أحدَ أهمّ عناصر العمليّة الموسيقية، ومن دونه لا تكتمل طقوسها. يصمتُ، ويغيّرُ الحديث، من دون أن يردعَه ذلك عن فتحه مرةً أخرى.

***

حتى كان ذلك المساء.

أخبرتُهُ عبر الهاتف بنيّتها تجديدَ عقدِها موظّفةً في وزارة الاتصالات. أبدى امتعاضًا واضحًا، وراح يحكي عن حياة الوظيفة الروتينيّة، عن مستقبلها المحدود. ثمّ اتّهمها بأنّها فتاة باهتة، بلا نزعاتٍ وأحلام، تشبه كلَّ الأخريات بقوالب حياتهنّ المكرّرة والجاهزة، يُقلِّدنَ بلا تفكيرٍ سِيَر الأمّهاتِ والجدّات، يستسلمن لأقدارهنّ الشائعة كربّات بيوت أو موظفات مجهولات. وقبل أن يهدأ لتنالَ فرصتَها في الردّ، باغتَها بطلب "استراحة من العلاقة لإعادة التفكير."

أسبوعٌ من الحيرة والصمت أنهتْهُ باتصالٍ هاتفيّ أنهى فيه بدوره كلَّ شيء. تذكرُ جُملَه القصيرة: "مللتُ من كونكِ عاديّة! كنّا صغيريْن عندما أحببتكِ، ولمّا كبرنا اكتشفتُ أنَّكِ مثلُ كلّ البنات، بلا جاذبٍ ولا بريق!" أمّا كلمته الأخيرة فقد كانت قاطعةً كمقصلة:

"جاهلة!"

أخبروها بأنّه سافر إلى تركيا بعد انفصالهما بثلاثة أشهر، وهناك تزوّج مغنيّةً من أصلٍ عربيّ. لم تستغربْ. إلّا أنّ صدى كلماتِه صار الآن أكثرَ تردّدًا: تسمعها في كلّ مكان، تراها في عيون الناس، في العمل وفي الشارع وفي المقهى. حتى عندما تخلو بنفسها تخرج من يديها، من أصابعها، من بين أفكارها:

"جاهلة، جاهلة، جاهلة!"

ستنتقم، ستنتقم من اتصالهما الأخير، من كلماته الذبّاحة كمشرطٍ مسموم، من غروره الخفيّ وأحلامِه القديمة. ستنتقم من زواجه السريع، من الصورة التي تخيّلتْها لزوجته الفنّانة، من حياتهما الجميلة المُحتملة. وستُثْبتُ له أنّها مميّزة ولامعة. ستريه أنّ "عاديّتها" غلافٌ رقيقٌ يخفي تحته جوهرةً نادرة، وأنّ بإمكانها أن تُدير رأسَ الكون اندهاشًا متى شاءتْ.

خطّطتْ لانتقامها جيّدًا. غذّتْ روحَها بخلطةٍ فريدةٍ من الحبّ والحقد والألم. ثم شرعتْ في مشوارها نحو التحوّل والانبعاث.

خصّصتْ مساءاتِ عامٍ كاملٍ لتعلّم الصولفيج، ثم التزمتْ بدروسٍ يوميّةٍ على الكمان. لم تأبهْ لكلّ ما قيل لها عن محدوديّة النتائج عند تعلُّم العزف في عمرٍ متأخّر، وأنكرت العلمَ الذي يقول بضرورة تأهيل اليدين والجسد والأصابع منذ الصِّغَر. كانت تقنعُ نفسها أنّه طالما هناك قاعدة فهناك استثناء. لن تستلم أمام تعميماتٍ غبيّة لا تأخذ في الحسبان إلحاحَ المريد وثباتَ التصميم.

قضتْ أيامًا طويلةً وهي تجرّب وتُعيد. تمرّنتْ على وضعيّات العزف المختلفة. تسجّلُ لنفسها وتستمع. تحذفُ وتكرّر. تستشيرُ أساتذة. تزور مختصّين. تدوّن النصائحَ والملاحظات، وتراجعها. ثم تقدّمتْ إلى مسابقات الهواة. فازتْ وصعدتْ درجة. سافرتْ إلى ألمانيا والتحقتْ بمعهدٍ مختصّ في فرانكفورت، وتخرّجتْ منه بعد عامين عازفةً مؤهَلّةً للوقوف على أكبر مسارح العالم.

ومن هناك انطلقتْ لتشاركَ في المهرجانات العربيّة والدوليّة. عزفتْ مع أهمّ الفرق. أصبحتْ من الأسماء المعروفة في إحياء المناسبات والاحتفالات الموسيقيّة. وأثناء كلّ ذلك كان حلمُها ينشطر ليصبح حلمًا مزدوجًا: حلمَها الشخصيّ الذي بزغ في عقلها وقلبها بعد أن تماهت مع الموسيقى واستطعمتْ بصحبتها حلاوةَ الوجود والنجاح؛ وحلمَها الانتقاميَّ القديمَ الذي لم يفارقْ روحَها لحظة. كانت قد بَرئت من حبّه ولم تعد ترجو منه اعتذارًا أو عودةً. كلّ ما تريده أن يعمى ببريقها الذي لم يكن يراه.

كانت تقولُ لنفسها مع كلّ تقدّم: "لا بدّ أن يعرف. لا بدّ أن يسمع. سيصادفُ اسمي في إعلانات الحفلات. سيقعُ على مقطع فيديو لي في اليوتيوب. سيقرأ عنّي أثناء متابعته لأخبار المهرجانات. سيخبرهُ الناسُ والأصدقاء القدامى عن فتاته القديمة إلى أين وصلتْ. وسيَنخرُ قلبَه الندمُ."

ولم تكن مخطئة. أخبروه بكلّ ما تمنّتْ. لكنّ حلمَها الانتقاميّ لم يتحقق إذ لم تجدْ من يخبرها أين وصل فتاها القديم. لم يخبروها أنّه هاجر إلى لندن، وأنّه اعتزل حياته القديمة وتاب عنها. لم يخبروها أنّه، منذ زمن، عضوٌ في مجموعةٍ إسلاميّةٍ متطرّفة، وأنّ زوجته الفنّانة صارت مُنقّبَةً. لم يخبروها أنّه الآن يخطبُ في الناس ويحذّرهم من ارتياد المسارح والحفلات في هذه المدينة "الفاسقة،" ويحرّم عليهم كلّ ما له علاقة بالموسيقى والعزف والغناء ملوِّحًا بنارِ جهَنَم. لم يخبروها أنّه، بعدما نقلوا إليه أخبارَها، أطرقَ مُستعوِذًا من الشيطان وهو يردّدُ ثلاثًا:

"جاهلة، جاهلة، جاهلة!"

روتردام

زينة حموي

كاتبة من سوريا. خريجة إعلام من جامعة دمشق. تنشر مقالات ونصوصًا أدبيّة وقصصًا قصيرة في صحفٍ ومواقع عربيّة.