الإمبراطور!
03-02-2016

 

كان الجميع يشتمّ الرائحةَ، لكنّ أحدًا لم ينبسْ بكلمة. حتّى أولئك الذين تجرّأوا على إلقاء تعليقاتٍ ساخرةٍ محاولين دفعَه إلى الاغتسال، لم يصيبوا الهدفَ. بدا كأنّه لا يريد أن يسمع؛ فهو أكثرُ اتّساخًا من أن يُظهر لهم انصياعَه إلى ملاحظاتهم. وقد فَرض عليهم رائحتَه، كما يَفرض أغانيَه وموسيقاه في سهراتهم الخاصّة، أو كما يَفرض نكاتِه البذيئة وأحاديثَه المبعثرة غيرَ المفهومة.

لم تكن رائحتُه استعارةً رمزيّةً ــــــ على غرار استعارات باتريك زوسكيند في العطر ــــــ دالّةً على روحٍ قذرةٍ أو شخصٍ مكروهٍ مفتقرٍ إلى الحبّ. لا، كانت شديدةَ الواقعيّة، لا تُخطئها الأنوفُ: مزيجًا من العرق الواخز، ونتنِ قدميْن متعرّقتيْن حُشرتا أيّامًا في حذاءٍ ضيّق، ووسخِ شعرٍ مزيّتٍ طويلٍ لم يُغسلْ منذ دهر، وعبقِ ثيابٍ معتّقةٍ بالدخان وبرطوبةِ غرفٍ مظلمة.

كان طويلَ القامة، رشيقَ الخطوات، بالرغم من أنّه كان يتصنّع مشيةً خاصّةً، فيحني ظهرَه قليلًا، ويجرجر قدميْه تمايلًا. شعرُه البُنيُّ الطويل، ولحيتُه غيرُ المشذّبة، وعيناه العسليّتان، منحتْه مظهرًا متميّزًا. لقد كان وسيمَ الهيئة. بل إنّ كثيراتٍ هِمْن به حبًّا ــــــ وذلك أمرٌ قد يبدو غيرَ مفهوم؛ لكنّ الفتيات يمِلن إلى أن يكنّ أكثرَ تساهلًا في أمور العشق. كنّ يضعن معطِّرًا للجوّ في سراديبِ أحلامهنّ، أو يُصبنَ بزكامٍ يُعطِّل لديهنّ حاسّة الشمّ متى أردن. الرائحة القذرة لم تكن مرّةً سببًا في انفصال فتاةٍ عنه، بل كان يحدث النقيضُ تمامًا: كان هو الذي يهجرهنّ أو يخونهنّ، ويتركهنّ باكياتٍ محطَّمات، وينتقل إلى فتاةٍ جديدة، برائحة عطرٍ نافذة.

يتناقل أصدقاؤه ومعارفه، في مقهى الجامعة، أساطيرَ توثّق حادثةَ استحمامه الأخيرة. البعض يؤكّد أنّ أمّه كانت تلاحقه بلوحٍ من الصابون طالبةً منه أن يستحمّ، لكنْ عبثًا.

كان اتساخُه سرياليًّا، أو هكذا أراده أن يكون. في الوقت الذي يتراكض فيه الجميعُ لكسب محبّة الناس، كان يفعل العكس تمامًا: يبذل كلَّ جهده ليكون منفِّرًا. كان ساديًّا، يستمتع بإجبار الناس على اشتمام رائحته. وهم في المقابل كانوا يستنشقوها ملءَ أنوفهم، لأنّهم ظنّوا أنّها أعقدُ من قدرتهم على الاستيعاب.

بدا الأمر كما لو أنّ الجميع يعيد تمثيلَ حكاية "ثياب الإمبراطور الجديدة." لكنّ الإمبراطور لم يكن عاريًا هذه المرّة؛ بل كان فتًى عشرينيًّا مغترًّا بنفسه، لسببٍ غير واضح، ونتِنَ الرائحة.

في زمنٍ أو مكانٍ آخرَيْن، كما الحكاية، كان سيخرج ولدٌ من بين الجموع ليصرخ: "هذا شابٌّ نتنُ الرائحة." وربما كان سيَسدّ أنفَه أو يَرسم على وجهه تعابيرَ توحي بالتقزّز، فيسترجع الجميعُ حاسّةَ شمّهم، ويمتلكون الجرأةَ على تصديق أنوفهم.

في زمنٍ ومكانٍ آخريْن، كان الشبّانُ والشابّاتُ سيهرعون لفتح النوافذ وإحراقِ الملابس العفنة. كانوا سيبتعدون عن الشابّ أمتارًا. وربّما كانوا سيرمونه بالحقيقة المجرّدة: "أنت مجرّد شابٍّ متسّخ!"

لكنْ، في هذه المدينة بالتحديد، يبقى الشابُّ إمبراطورًا. فإذا ما رآه أصدقاؤه مقبلًا من بعيد، عبّوا الهواءَ سريعًا،  ثم حبسوا أنفاسَهم داخل صدورهم، قبل أن يرسموا ابتساماتٍ عريضةً، ليتقدّموا بدورهم خطواتٍ كي يعانقوه، عناقًا طويلًا وحارًّا.

دمشق

نور أبو فرّاج

 صحفيّة سورية من دمشق. لها مقالات في صحيفة السفيراللبنانيّة وعدد من الجرائد والمجلّات السوريّة.