حوار مع المستشار طارق البشري: عن الإسلام السياسي في مصر
02-05-2019

 

 

أجراه: بشّار اللقّيس

تشكّل الحالةُ المصريّة علامةَ استفهامٍ دائمةً بالنسبة إلى المواطن العربيّ، وتؤثّر في الشارع العربيّ عامّة. وإذا كان السؤال عن الحركة الإسلاميّة في مصر مشروعًا  بسبب أولويّته، فإنّ السؤال عن جماعة الإخوان المسلمين وتجربتهم منذ أيام البنّا يبدو بديهيًّا في مقاربتنا الحراكَ الإسلاميَّ في مصر. وهذا ما حاولنا رصدَه في هذا الحوار مع المستشار طارق البشري.

ب. ل.

***

* لنبدأ سؤالَنا بحسن البنّا ومرحلة الثلاثينيّات. كيف تقرأ شخصيّةَ البنّا؟ هل يمكننا اعتبارُه الشخصيّةَ الأكثرَ تأثيرًا وتأسيسًا للإسلام السياسيّ في مصر؟

- من أجل أنْ نفهم حركة حسن البنّا وبدايتَها، يتعيّن علينا أنْ ننظرَ إلى تاريخ الحركات الشعبيّة السابقة له. فجميعُ هذه الحركات الشعبيّة، في فترة القرن التاسع عشر ومطالعِ القرن العشرين، كانت حركاتٍ تصدر عن "الفكريّة الإسلاميّة،" أي عن الفضاء النظريّ لمثقّفي التيّار الإسلاميّ.

وقتها، لم يكنْ ثمّة فارقٌ بين الفكريّة الإسلاميّة والمطالبِ الشعبيّة والسياسيّة المختلفة. ففي فترة محمّد علي، كان عُمر مكرم معبِّرًا عن الحالة الشعبيّة، وكان في حَراكه الشعبيّ ذاك غيرَ منبتّ الصّلة بمرجعيّاته الثقافيّة والدينيّة. نجد الأمرَ نفسَه في حركة أحمد عُرابي، إذ شهدتْ تلك المرحلة نوعًا من الاندماج بين المطالب السياسيّة التي يتقدّم الناسُ بها (من أجل أنْ تكون "مصرُ للمصريين") وبين الفكريّة الإسلاميّة القائمة. وتجدّد الأمرُ مطلعَ القرن العشرين، إذ نجد مصطفى كامل ومحمد فريد قد سارعا إلى تأسيس الحزب الوطنيّ، وكانت الفكريّة الإسلاميّة بمثابة الوعاء الذي تصْدر عنه مطالبُهما الوطنيّةُ والسياسيّة لإجلاء الإنكليز عن مصر. وفي إطار هذا الفضاء، بدأ الكلامُ على "الجامعة الإسلاميّة" وموضعِ مصر كجزء منها.

الفارق الذي حصل في مصر كان بعد الحرب العالميّة الأولى، حيث ظهرت المطالبُ الوطنيّةُ الأولى بشكلٍ علمانيّ. فلقد أتاح سقوطُ الخلافة العثمانيّة، للفكريّة العلمانيّة، تولّي مطالب الشأن العامّ؛ وهو ما وعاه الإسلاميّون مبكّرًا. في المقابل، أتاح تقدّمُ الفكريّة العلمانيّة، للفكريّة الإسلاميّة، التراجعَ عن كونها مرجعيّةً فكريّةً وسياسيّةً عامّةً في آن. بسقوط الخلافة، انفصلت الفكريّةُ الإسلاميّةُ عن المطالب السياسيّة الآنيّة. ويمكننا لحظُ ذلك في نمط عمل حزب الوفد عندما كان نشطًا، إذ كان الحزب ينشط في إطار فكريّة إسلاميّة عامّة.

لذلك، حسن البنّا لم يكن وحده مَن تكلّم في هذا الإطار [الإسلاميّ]. بل إنّ "جمعيّة الشبّان المسلمين" كانت قد ظهرتْ قبله في العام 1927، وتصدّت لهذا الأمر، وحسن البنّا ظهر بحركة الإخوان المسلمين سنة 1928؛ وهذا يدلّ على أنّ الفكرة لم تكن من إبداعاته، بل كانت أقربَ إلى أن تكون استجابةً منه لاتّجاهٍ عامٍّ في مصر يريد أن يعيد إلى الثقافة الإسلاميّة دورَها ومرجعيّتَها الأساسيّة المحرِّكة لكافّة المطالب السياسيّة المعروضة في مصر آنذاك

إنّ الانفصالَ بين المطالب السياسيّة والحركيّة الإسلاميّة لم نجده في مصر إلّا بعد الحرب العالميّة الأولى، وهو الأمر نفسه الذي كان قد حصل في مصر وتركيا. وهذا ما دفع بالحركة الإسلاميّة إلى بدء العمل لاستعادة دورها. الأمر جليٌّ بشكل كبير. سنجده مثلًا في حادثة حائط البُراق سنة 1929،[1] عندما بدأتْ حركاتٌ أخرى - غير الإخوان المسلمين - في الظهور واستعادة أدبيّات الثقافة الإسلاميّة في خطابها. هكذا، سنجد أنّ الحزب الوطنيّ بدأ بتبنّي مسألة البُراق من جديد، وكذلك بدأ حزبُ "مصر الفتاة" بالظهور، وبدأت الفكرةُ الإسلاميّة في العودة.

"الفكريّة الإسلاميّة" على مدى القرن العشرين كانت مرتبطةً بالحركة الوطنيّة، إذن، ومدينةٌ لمصطفى كامل ومحمد فريد بعدما أنشآ الحزبَ الوطنيّ (بدأ بالتشكّل منذ العام 1900، وأعلن عن نفسه سنة 1907). من هذه الفكريّة، ظهرتْ حركةُ الإخوان المسلمين، ومن ثمّ "مصر الفتاة" بقيادة أحمد حسين (الذي غيّر اسم حزبه إلى "الحزب الإسلامي،" ثمّ الحزب الاشتراكيّ في الأربعينيّات). الإخوان المسلمون عبّروا عن الفكريّة الإسلاميّة مجرّدةً من المطالب السياسيّة إلى حدٍّ ما في بدايات عملهم، متأخّرين عن حركات أخرى كانت قد عبّرت عن نفسها سياسيًّا من خلال مطالب الجلاء والسيادة وغيرها، وبمرجعيّات إسلاميّة بيّنة.

*هل يمكن القول إنّ الأربعينيّات كانت مرحلة بدء تحوّل الإخوان المسلمين نحو العمل المسلّح انطلاقًا من الظروف الدوليّة (نهاية الحرب الباردة...)، والظروف الداخليّة (ترهّل بنية الدولة والعائلة الملكيّة...)؟

- لم تكن جماعةُ الإخوان المسلمين معارضةً للسلطة في بادئ الأمر. ظهر نشاط الإخوان المسلّح بعد حرب العام 1948 في فلسطين، وبعد بدء الحَراك الثوريّ في وجه الاستعمار الإنكليزيّ في مصر. لقد ارتبطتْ فكرةُ السلاح عند الإخوان بهذين العنصرين الخارجيين أكثرَ من ارتباطها بمسألة الدولة و"الدعوة" نفسها.

أمّا مرحلة ما بعد السجون وبداية مرحلة السبعينيّات، فالأمور اختلفتْ نتيجةً لتغيّر القواعد التي تعمل بموجبها الدولةُ والنظامُ العامّ. أقصد أنّ التنظيم ابتعد عن العمل المسلّح مع تغيّر شروط العمل السياسيّ في مصر.

*عندما نتحدّث عن تاريخ الإخوان المسلمين، فإنّ أولَ ما سيطالعنا مسألةُ صدامهم مع عبد الناصر، ومع التجربة القوميّة بشكلٍ عامّ، وبالتحديد بُعيْد ثورة 1952. برأيك، عمَّ عبّر الصدامُ بين الإخوان والدولة آنذاك؟

- عبد الناصر في الثلاثينيّات اتصل بجماعة الإخوان المسلمين، واتصل بغيرهم من الحركات (مثل الحركة الشيوعيّة). يمكن توصيفُ الاتصال ذاك بـ"اتصال تعارف،" أو بـ"اتصال شبابيّ."

هناك جانبٌ دعويّ عند الإخوان، وهناك جانبٌ سياسيّ. الدعوة تتوجّه أوّلًا إلى الجمهور، قبل أن تتوجّه إلى الدولة؛ وكلّما تبنّاها الجمهور "رشحتْ" فكرتُها إلى الدولة. أمّا الجانب السياسيّ فلا يكون موجّهًا إلّا إلى الدولة، إمّا لتغيير سياساتها، أو من أجل تولّي الحكم. الإخوان أتقنوا فكرةَ الدعوة، لكنّهم اكتفوْا بها، ولم يهتمّوا بالجانب السياسيّ في الموضوع. وكان هذا بمثابة ضعفٍ سياسيّ فيهم:

ففي الدعوة، أقوم بدوري كداعٍ، وأعتبرُ مَن أمامي مدعوًّا. ولذلك، فإنّني أتصوّر في الدعوة أنّني على صواب، وأنّه على خطأ، وأنّه سيكون على صوابٍ بقدر ما يقتنع بحديثي. أمّا في السياسة فينبغي أن أقومَ بعمليْن: أ) الأوّل أطالب فيه الناسَ بما أتطلّع إليه سياسيًّا. ب) الثاني يتعلّق بكيفيّة الحوار مع من يختلف عنّي سياسيًّا؛ وهذا الحوار لا يُقصد به أنْ أقنعَه بمواقفي، بل أن أحدّد معه المساحة المشتركة بيننا في العمل السياسيّ، وأنْ نحدّد نقاطَ الخلاف وآليّاتِ التعاون.

وهنا كانت مشكلة الإخوان، وهذا ما استمرّ معهم إلى اليوم. لذا عندما أنظر إلى الخمسينيّات، وتحديدًا منذ سنة 1954، أيْ في الفترة التي وقع فيها الخلافُ مع عبد الناصر، فإنني أجد أنّ هذا الخلاف لم يكن على الإسلام، بل على ما انطبعتْ عليه الدولةُ المصريّة في أنّها لا تحتمل وجودَ تنظيم أهليّ مستقلّ عن إرادتها.

عبد الناصر لم يكن لديه تنظيمٌ سياسيّ شعبيّ؛ وهو ما أجّج هذه القسمة بين الطرفين، وعزّز لديّ هذه المقاربة، وملخّصُها: أنّ الخلاف بينهما كان على كيفيّة التعامل، وكيفيّة المشاركة وتنظيم المجال العامّ. لذلك خرج عن الإخوان يومها الشيخ محمد الغزالي، وهو مَن هو في الدعوة والفكر السياسيّ. وخرج سيّد سابق، ومعه مجموعةٌ من الناس. وبدأوا العملَ في المجال العامّ. بعضُهم ارتبط بعبد الناصر، وبعضُهم لم يرتبطْ به سياسيًّا، بل ظلّ في المجال الدعويّ.

*وماذا عن خلاف السادات والإخوان؟

- أولًا، لم نعرف عن السادات أنّه اختلف اختلافًا جذريًّا مع عبد الناصر طوال حكم الأخير، خصوصًا في ما يتعلّق بايداع عبد الناصر الإخوانَ السجونَ. في تقديري أنّ السادات، بعد تولّيه الحكم، كان يسعى إلى كسب شرعيّة زائفة وسريعة مضادّة لعبد الناصر كي لا يبقى تحت عباءته. لذا قام بسياسات ضدّيّة تجاه حقبة سلفه: عبد الناصر قاتل "إسرائيل،" أمّا السادات فوقّع اتفاقيّةَ سلام معها. عبد الناصر واجه الولاياتِ المتحدة والغربَ، فارتمى الساداتُ في أحضان الولايات المتحدة والغرب. عبد الناصر واجه الإخوانَ المسلمين، فتحالف الساداتُ مع الإخوان. عبد الناصر بنى دولة،  فسلّم الساداتُ الغربَ وذوي رؤوس الأموال في الداخل كلَّ مقدرات الدولة!

أمّا عن السادات وجماعة الإخوان، فقد كانا يستغلّان بعضهما بعضًا فترةَ السبعينيّات. لقد فهم الإسلاميون أنّ مساحتَهم المتروكةَ لهم في الشأن العامّ موقّتةٌ وعابرة، فسعوْا إلى استغلالها بكلّ ما أوتوا من قدرة. وفي المقابل، كان نظامُ السادات يرى فيهم بديلًا شعبيًّا آنيًّا للتخلص من شعبيّة ناصر وامتداداته المجتمعيّة. هنا تقاطع الطرفان في المقاربة، مع علمهما أنهما يسعيان معًا - كلٌّ بحسابه - إلى كسب شرعيّة شعبيّة زائفة وسريعة.

 

كان السادات وجماعة الإخوان يستغلّان بعضهما بعضًا فترةَ السبعينيّات

 

الأمر استمرّ مع مبارك، بصورة أكثر قتامة، مع سعيه إلى تثبيت دعائمِ نظام السادات وقواعدِ العمل السياسيّ التي أسّسها السادات، والمضيّ في هذا الطريق الجديد إلى آخره. إنّ ما قام به مبارك هو تثبيتُ الزرع الذي استنبته الساداتُ داخل مصر.

* هل في إمكاننا القولُ إنّ الصدام بين الإخوان المسلمين والدولة هو مصيرُ التجربة الإسلاميّة في مصر، ماضيًا وحاضرًا ومُستقبَلًا؟

-  تكوّن جهازُ الدولة في مصر على أساس الكفاءة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع قبل قرنين من الزمن. لكنّ هذا الجهاز لم يتركْ أيَّ فرصة لأنشطةٍ أهليّةٍ كي تقوم إلى جواره وتؤدّي الخدماتِ المجتمعيّة المطلوبة، ولكي تدير بعضَ المرافق المختلفة فيه.

فقبل تكوين هذا الجهاز مع محمّد علي، كان المجتمع مليئًا بالجماعات الأهليّة التي تدير كثيرًا من شؤونه الخاصّة: فكانت الطرق الصوفيّة تقوم بالتدريس في الكتاتيب وغيرها، فضلًا عن نظام المعونات الاجتماعيّة التي تقدّمها. وكانت الأوقاف أهليّةً، لا يملكها الحاكمُ وليست له ولايةٌ عليها، وشكّلتْ موردًا مهمًّا للتعليم والنشاطات الأهليّة المختلفة.

أما الدولة الحديثة فترةَ محمد علي، فقد نشأتْ على غير هذا المجال. فهي كانت قد بدأتْ بالتكامل، تحديدًا بين العامين 1820 و1840، من خلال تخصّصات رشيدة قامت على أساس تقسيم العمل في ما بينها، وفقًا لنظُم الحكم والمؤسّسات في أوروبا. ومقارنةً بما كان عليه الحكمُ القديمُ من الفردانيّة واللامأسسة، فقد كانت هذه الإصلاحات تسيرُ على نحو جيّد.

الإشكاليّة أنّ الإدارة الفرديّة القديمة التي ألغتها هذه الإصلاحاتُ لم تطاول المؤسّساتِ المجتمعيّةَ التقليديّة. ومع الوقت تغوّلت الدولةُ وسيطرتْ على كامل النشاط الاجتماعيّ الذي كان من مسؤوليّات مؤسّسات المجتمع الدينيّة والثقافيّة.

لفهم المسألة بشكل أكبر، نحتاج إلى أن نعرّج على التاريخ بعض الشيء. فقد وُلدت الدولة المصريّة الحديثة مع محمّد علي بداية القرن التاسع عشر. ويمكن القول إنّ الدولة التي انطلقتْ بالعمل المؤسّساتيّ منذ ذلك الوقت كانت تقوم بما ينبغي للمجتمع أن يقوم به. لقد بدأت الدولة، منذ العام 1820، بالعمل نيابةً عن المجتمع، وفي غياب شبه تامّ لمؤسّساته الأهليّة.

إنّ المجتمع المصريّ مجتمعٌ سكونيٌّ بطبيعته. فامتداده على طول ضفاف النيل عزّز من علاقته بالنيل أكثرَ ممّا عزز من علاقته بالمجال العامّ. لم تعرف مصرُ الكثيرَ من منعرجات الجغرافيا؛ فهي تفتقر إلى الجبال الشاهقة، وإلى التنوّع الجغرافيّ، ومن ثمّ تفتقر إلى التنوّع المهنيّ، فالاعتقاديّ. لم تعرف مصرُ، قديمًا، الكثيرَ من المهن والأنشطة الاقتصاديّة الداخليّة، المُفْضية إلى ولادة طبقات اجتماعيّة وثقافيّة متنوّعة. ويمكن لحظُ الانسجام الطائفيّ العامّ بين مختلف اتجاهات المجتمع الإسلاميّ في مصر مثلًا ـ وهذا يعود إلى أسباب اقتصاديّة تاريخيّة. وهو ما يجعل الدولة في مصر منقسمةً بشكل طوليّ بين مؤسّسات تحوز كلَّ الفضاء العامّ، ومجتمع ساكن غير مؤهّل لأيّ نوع من الشراكة مع الدولة. هذه إشكاليّة مصر مع الحركة الإسلاميّة. فهذه الحركة تعبّر عن المجتمع الساعي إلى مشاركة الدولة الفضاءَ العام، فيما تحْذر الدولةُ الحركةَ الإسلاميّة وتعتبر أنّ وجودَها لن يكون إلّا على حسابها وحساب مؤسّساتها الوظيفيّة.

هذا الأمر يختلف عن المشرق العربيّ، حيث الطوائفُ تغوّلتْ في المجال العامّ على حساب الدولة. عندنا في مصر، الدولة هي التي تغوّلتْ على حساب المجتمع حتى صارت تنظر إلى أيّ حركة اجتماعيّة باعتبارها مصدرَ تهديد لمشروعيّتها. ربّما كان هذا، وما يزال، مصدرَ القلق بين الدولة والحالة الإسلاميّة في مصر. المسألة ليست في خطابٍ هنا أو تجربة هناك، بل هي بما انعقدتْ عليه التجربةُ المصريّة طوال القرنين المنصرمين.

القاهرة

[1] في 15/8/1929 وقعت اشتباكاتٌ بين العرب والصهاينة أمام حائط البُراق في القدس، وسقط مئاتُ الشهداء العرب والقتلى الصهاينة.