Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

الخيار الثالث

الافتتاحية

 

الانتصار لخيارٍ ثالثٍ، خارج قطبَي"الاستبداد الوطنيّ الداخليّ" من جهة، و"الديمقراطيّة المرتبطة بالإمبرياليّة" من جهةٍ أخرى، لم يعد من المسلَّمات لدى غالبيّة العاملين في الشأن الثقافيّ والنضاليّ في الوطن العربيّ. وبدلًا من أن يَنشط هذا الخيارُ في تجاوز الخندقيْن، باتجاه مشروعٍ  قوميّ عربيّ تحرّريّ ديمقراطيّ، فقد صار في موقع الدفاع عن نفسه، وإنكارِ "مثاليّتِه" أمام دروس الجيوإستراتيجيا والواقعيّة السياسيّة.

لكنْ علينا، أولًا، أن نصوّبَ التسميات. فالاستبدادُ العربيّ ليس مستقلًا تمامًا رغم ادّعائه العكسَ، بل يتغذّى من داعمٍ خارجيّ، وقد يغدو تابعًا له في بعض اللحظات الحرجة. لذا، فإنّ تهمة "الارتباط بالخارج" لا تنطبق على "المتعاونين" مع الغرب الإمبرياليّ وحدهم، بل قد تنطبق على الاستبداد "الوطنيّ" أيضًا. كما أنّ المرتبطين بالغرب الإمبرياليّ ليسوا، بالضرورة أو بالبديهة، ديمقراطيين مناقضين للاستبداد، إلّا إذا اعتبرنا حكّامَ العراق ما بعد "التحرير" سنة 2003 أو كرزاي الأفغانيّ نماذجَ للديمقراطيّة (ولو بالصيغة "الانتقاليّة").

وعلينا، ثانيًا، أن نؤكّد أنّ الوقوف ضدّ سياسة القطبيْن المذكوريْن لا يعني، بالضرورة، شجبَ بعضِ مقولاتهما النظريّة. فإذا نادى الاستبدادُ المحليّ بسرديّاتٍ تحريريّةٍ عربيّةٍ كبرى، كالمقاومة وتحريرِ فلسطين والاشتراكيّةِ والوحدةِ العربيّة، فذلك لا يعني أنّ هذه السرديّات ـــــ في حدّ ذاتها ـــــ سرديّاتٌ استبداديّةٌ، ولا حياةَ لها خارج الاستبداد. وعلى المقلب الآخر، فإنّه إذا نادت القوى المتحالفةُ مع الغرب الإمبرياليّ بالديمقراطيّة وحقوقِ الإنسان مثلًا، فذلك لا يعني أنّ الديمقراطيّة وحقوقَ الإنسان ــــ في حدّ ذاتهما ــــ ذريعتان إمبرياليّتان لاستعمارنا!

ولئن حصل في تاريخنا الحديث أنْ قَدَّمتْ غالبيّةُ شعبِنا و"نُخَبِه" أولويّةَ مواجهةِ الغزاة والمحتلّين على كلّ مطلبٍ تغييريٍّ داخليّ، فذلك لم يحصلْ إلّا أثناء فتراتٍ قصيرةٍ نسبيًّا، هي فتراتُ المواجهة الفعليّة المحتدمة (وقبيْلها أحيانًا)، في حين لم يتوقّف "الاستبدادُ الوطنيّ" على مدى عقودٍ عن استخدام "المعركة مع الخارج" شمّاعةً لتبرير الفساد والقمع المتمادييْن. وفي كلّ الأحوال، فإنّ الخيارَ الثالث، كما نراه، هو خيارُ المقاومة الجذريّة ضدّ كلّ ما يذلّ الفردَ والأمّةَ، ويعوِّقُ تحرّرَهما وتقدّمَهما؛ أيْ ضدّ الصهيونيّة والاستعمار والرأسماليّة الجشعة والفساد والاستبداد والطائفيّة والمذهبيّة، معًا. فباستثناء حالات المواجهة الفعليّة مع العدوان الخارجيّ، كما سبق الذكر، فإنّ الخيارَ الثالثَ يَعتبر أنّ تحريرَ أجزاءٍ من الأمّة من الاحتلال الإسرائيليّ مثلًا، على أهميّته البالغة، يبقى ناقصًا نقصًا فادحًا إذا بقيت الأمّةُ بأسْرها فريسةً للشركات الناهبة أو المتعاملة مع "إسرائيل،" أو بقيتْ خاضعةً لأنظمة السحلِ والقمع، أو رعيّةً ذليلةً من رعايا النظام الطائفيّ الفاسد. وبالمثل، فإنّ تمتّعَ الوطن بحريّة التعبير، وحصولَ المهمَّشين والمهمَّشات على حقوقهم الفرديّة والجماعيّة، والحصولَ على بيئةٍ صحّيّةٍ سليمة، إنجازاتٌ مهمّةٌ جدًّا على مستوى الفرد والجماعة، لكنّها ستبقى ناقصةٌ نقصًا ذريعًا إذا ظلّت فلسطينُ وأقسامٌ من سوريا ولبنان تحت السيطرة الإسرائيليّة، أو بقي اقتصادُنا تابعًا لإملاءات الصندوق الدوليّ، أو واصل قرارُنا السياسيُّ ارتهانَه لـ "هِبات" الخارج.

***

هذه الأفكار العامّة تحتاج، بالطبع، إلى بلورةٍ شاملةٍ وتفصيليّةٍ معًا، وهو ما لن يتأتّى إلّا في إطار ورَشٍ فكريّةٍ عميقة. ولا نعني بالورَش هنا اجتماعاتٍ مغلقةً، داخل قاعاتٍ مغلقةٍ، تنحصرُ في "نُخَبٍ" عربيّةٍ انفصل جزءٌ كبيرٌ منها عن حركة الناس وهمومِ الناس، واكتفى باستظهارِ ما كتبه أو قرأه منذ أجيال؛ في حين اكتفى جزءٌ آخرُ منها بالتنظير المملِّ لليأس من الوضع العربيّ و"العقلِ العربيّ."

كما أنّنا لا نعني بها، حصرًا، اجتماعاتِ "الناشطين" الصاخبين كيفما كانوا. فجزءٌ مِن هؤلاء يَفتخر بكرهه للثقافة والمثقفين والسياسةِ والسياسيين، متوهّمًا تحقيقَ ثورةٍ بلا ثقافة ولا برامجَ، متباهيًا بتقديس "الشعب" و"العفويّة"؛ وجزءٌ آخرُ من الناشطين أدمن المصطلحاتِ والأساليبَ الأنجزيّة،(1) فقدّم أولويّةَ التحرير الاجتماعيّ والجندريّ على التحرير الوطنيّ والقوميّ، أو تجنّبَ كلَّ تصريح بتأييد المقاومة المسلّحة ضدّ المحتلّ والغازي.

الورَش التي نعنيها هنا هي حركةٌ واسعةٌ من العاملين الفعليّين (لا "المؤمنين" المنظّرين) على بناء مشروعٍ عربيٍّ ثوريٍّ يحمل الخطوطَ العامّةَ أعلاه: فيكون مناهضًا شجاعًا للصهيونيّة والاستعمار والاستبداد معًا، مناضلًا من أجل الحقوق الفرديّة والجمعيّة على حدّ سواء، مستقلًّا عن كلّ إملاءٍ أو تمويلٍ رسميّ نظاميّ أو خارجيّ.

***

قبل أكثر من عقد، وتحديدًا بعد سقوط بغداد في ربيع العام 2003، أنشأنا في بيروت ائتلافًا ينادي بـ "عروبةٍ جديدة،" وهو يحمل أفكارًا مماثلةً لما طرحتْه السطورُ أعلاه. كنتُ عضوًا مستقلًّا في ذلك التجمّع الفتيّ، الذي ضمّ مستقلّين آخرين، لكنّ نواتَه ارتكزتْ إلى مناضلين فلسطينيين ولبنانيين وسوريين وسعوديين وبحرينيين وغيرِهم. وكما كان متوقّعًا، فقد تعثّر هذا التجمّعُ وترنّح، ولاسيّما تحت ضغط "ثورات" الربيع العربيّ، التي عزّزت الاستقطابيّة بين حدَّي "الاستبداد الوطنيّ" و"الديمقراطيّة المرتبطة بالإمبرياليّة،" بدلًا من أن تطوّر خيارًا ثالثًا كما كان بعضُنا يأمل. وثمّة محاولاتٌ تجري منذ مدّة من أجل ضخّ الحياة في هذا الائتلاف العربيّ المشلول.

إنّ مبادراتٍ من هذا النوع لن تقلبَ الموازينَ الحاليّةَ بالتأكيد، لكنّها ستُسهم في خلق بصيص أملٍ يَحُول دون انضواءِ مزيدٍ من العرب اليائسين تحت أيٍّ من الاستقطابيْن، أو دون هجرتهم النهائيّة خارج حدودِ هذه الأمّةِ المنكوبة.

بيروت

 


1- كلمة حديثة منحوتة من NGOs أي المنظمات غير الحكوميّة.

اتّصل بنا من نحن دار الآداب