ترف الإنتاج الثقافي المستقلّ؟
29-07-2021

 

نعيش في لبنان إحدى أسوإ مراحل حياتنا: الكهرباء ساعة في اليوم أحيانًا، المولّد بضع ساعات، المكيّف بضع ساعات أيضًا، لا بنزين للسيّارات إلّا بعد الوقوف أمام المحطّات يومًا كاملًا، المازوت في شحٍّ متواصل، واليوم لا ماءَ لنشتريه من المخازن والمتاجر. هذا ناهيكم بسرقة ودائعنا، وتحكُّم طبقة فاسدين وقتلة بكلّ مقوّمات حياتنا، ودمار جزءٍ كبيرٍ من عاصمتنا بعد تفجير المرفأ، واندلاع الحرائق، وتكليف رئيس حكومة جديد "يتمتّع" بكلّ مواصفات الطبقة الفاسدة الحاكمة منذ عقود.

في ظروفٍ كهذه، ألا يبدو الإنتاجُ الثقافيُّ المستقلّ ترفًا فعليًّا؟

هكذا يتوهّم مَن لا يعيش في بيروت، أو لبنان عمومًا. فالواقع أنّ مواصلةَ هذا الإنتاج أبعدُ ما تكون عن الترف. تصوّرْ أن ينقطعَ الإنترنت كلَّ نصفِ ساعة، أو أن تنقطعَ الكهرباءُ وأنت تتحدّث في ندوةٍ رقميّة، أو أن يحترقَ المولِّد وأنت لم تحفظْ كلَّ ما رقّنتَه، أو أن ينطفئَ هذا المولّدُ فجأةً بسبب نفاد المازوت. وتصوّرْ أنّك تعمل في جوٍّ ملتهبٍ يتعدّى 32 درجةً، وأنّ العرقَ يتصبّب من حاجبيْك ورموشِك وعنقك وأناملك على لوحة المفاتيح.

نقّ؟

هو نقٌّ فعلًا. لكنّنا لا نملك ترفَ النقّ طويلًا. نعم، النقّ هو الترفُ الذي لا نملكه طويلًا. قد نتأخّر في الإصدار الثقافيّ (مجلّةً أو كتابًا أو ترجمةً أو ندوةً...). وقد نتعثّر. وقد نسقط. لكنّنا سنحاول دائمًا أن ننهضَ ونواصل. لا لأنّنا أبطال -- وكيف نكون أبطالًا ونحن نكاد لا ننام من الحرّ، ونقضي أيّامَنا ونحن نستجدي المصارفَ ومحطّاتِ الوقود كي تعطيَنا ما يروي غليلَنا وغليلَ سيّاراتنا؟

نحاول أن ننهضَ وأن نواصلَ عملَنا لأنّنا، ببساطة، لن نرضى بأن نهديَ الأوغادَ والمرتزقةَ والعملاءَ والخونةَ والسارقين متعةَ الرقص على جثثنا وأحلامِنا، ونشوةَ التلذّذِ بسرقاتهم.

قد تتلوّثُ كلماتُنا بالمزيد من الحقد والعطش والعرق والسُّخام والغبار. وقد تختنق عباراتُنا بكلّ قاذورات المدينة والعالم. وقد تفقد صياغاتُنا المكتوبةُ الكثيرَ من رهافتها وبلاغتِها وأناقتها، بل قد تلامس أحيانًا حدودَ الشتم والبصاق. لكنّ النقّ لا يمكن أن يكون قدرَنا، ولا اليأس مصيرنا، ولا الشتم وسيلتنا الأبديّة.

ويبقى السؤالُ الأبديّ حتى الملل: هل للإنتاج الثقافيّ المستقلّ دور؟ (لاحظوا أنّنا نشدّد على صفة الاستقلال؛ فلا ثقافةَ دائمةً وراسخةً وتفيد الناسَ إنْ تبعت السلطةَ أو روافدَها – محلّيّةً أو إقليميّةً أو عالميّة).

مع حثالةٍ سارقةٍ وقاتلةٍ وحقيرةٍ كهذه، قد لا تبدو للكلمة التتغييريّة المستقلّة سطوة. حتى إحراجُ هذه الحثالة قد لا يحصل... ببساطة لأنْ لا أخلاقَ ولا قيمَ لها كي تَشعرَ بأيّ إحراج! فكيف إذا كانت تلك الكلمةُ تواجه اكتساحًا متناميًا لإعلام مقايضةِ الكهرباء والماء والمكيِّف والمازوت والبنزين... ببيْع كلّ المبادئ الأخلاقيّة والقومية والوطنيّة والتقدميّة؟

لكنْ هل مَن باع ذلك كلَّه حصل على الرخاء الموعود؟ اسألوا مصرَ السادات ما بعد كمب ديفيد!

ومع ذلك، فنحن لا نملك مهنةً غيرَ الكتابة والنشر المستقلّيْن. وسنواصل هذه المهنة، مهما صعبت الظروف، ومهما تعثّرْنا أو تأخّرْنا أو كبوْنا. وسنكون إلى جانب كلِّ مَن يعمل، بكدّ وتفانٍ وحبّ، على الخلاص من سارقي أحلام شعبنا في الحياة الكريمة الحرّة.

بيروت

 

سماح إدريس

رئيس تحرير مجلة الآداب الورقيّة (1992 ـ 2012) والإلكترونيّة (2015 ـ...). له كتابان في النقد الأدبيّ، وأربعُ رواياتٍ للناشئة، وإحدى عشرة قصّة مصوّرة للأطفال، وعشراتُ الدراسات والمقالات والكتب المترجمة. عضوٌ مؤسِّسٌ في "حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان" (2002 ـ ...). ينتهي خلال أعوام من إنجاز معجم عربيّ  ضخم صادر عن دار الآداب.

كلمات مفتاحية