Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

"سيعودُ قريبًا رَاجي"

قصة قصيرة

 

 

فوهةُ مسدَّس لسَعتْ صدغي المُلتهبَ قبل لحظات، فاستفقتُ.

لكنْ كيف لي أن أمِّيز فوهةَ مسدّس من بندقيّةٍ، من رشّاش، من أيّ شيء آخر، والظلامُ المُطبِقُ يخيّمُ على المكان كليًّا؟!

أفتحُ عينيَّ على اتّساعهما، أو هكذا يخيَّلُ إلي، ولا ألتقطُ أيَّ هيئةٍ أو شكل.

جسدي الممدَّدُ على فِراشٍ صلبٍ مُتهالكٌ وفاقدٌ للقدرةِ على الإتيان بأبسط حركة. ألمٌ فـظيعٌ يسكُـن أحشائي. أَهو مخـاضُ "هِبَة"؟ لكنّني أنجـبتُها قبل مـدة! أذكـرُ فرحةَ "راجي" وهو يحضنها بين ذراعيْه لأوّل مرّة بعد الولادة. هو الآخر خرج قبل ثلاثة أسابيع لإحضار الحليب وبعض المؤونة ولم يعُدْ. حماتي تُخفي نحيبَها داخل غرفتها، وهي تؤكِّد لي في كلّ ساعة: "راجي سيعود قريبًا يا ابنتي. لم تفْرحا بعدُ بحياتكما. ستُفـرَج يا ابنتي. ستُفرَج."

أحشائي مازالت تتمزّق. جسدي مشدودٌ ولا قدرةَ لي على تحريكه. أشعرُ بالبَلـل تحْتي، ورائحةُ دمٍ عفنٍ تحاصر أنفي.

لا بدّ أن يعود راجي. ننتظر مع كلّ طرقةِ بابٍ أن يَلوحَ محيّاه الهادئ. ذاك ما تصوّرتُه وأنا أفتح الباب لطَرقاتِ منتصف الليل.

أذكُرُ مُهجتي "هِبة."

هبة أتمَّت خمسةَ أشهر.

أذكـرُ الآن بكاءها الذي قـطّع قـلـبي وهم يقْتـلعـونها من حضني بعد اقْتحامِهم الـبيتَ ليلًا بملابـسـهم السوداء وسحناتِهم المرعبة. أذكرُ كيف قتلوني واقفةً وأنا ألتقطُ صمتَها، وهم يتقاذفونها في ما بينهم ويُلقون جسدها الهشّ من النافذة مثلَ كيسِ قمامة.

أذكرُ عينيْ حماتي الجاحظتيْن في آخر نظرة، وصراخَها الذي أخرسه أحدُهم وهو يلْوي عنقَها بيديه.

أذكرُهم وهم يتناوبون على تمزيق جسدي المُنهك واحدًا تلو الآخر.

أذكرُ كلّ ميْتاتي المتلاحقة بعد طرقات الباب تلك. ولا أذكرُ... هل عادَ راجي؟

المغرب

اتّصل بنا من نحن دار الآداب