الهبّة الفلسطينيّة: مواجهة النكبة المستمرّة
07-07-2021

 

(ندوة من تنظيم الآداب وحملة المقاطعة في لبنان ومركز بديل ومركز عائدون. المشاركون: جابر سليمان، ورلى نصر-مزاوي، ومي خليلي، ونضال العزّة. إدارة وتقديم: سماح إدريس)

 

بتاريخ 22/5/2021 عقدتْ مجلة الآداب، وحملةُ مقاطعة داعمي "إسرائيل" في لبنان، ومركز بديل، ومركز عائدون، ندوةً رقميّةً بعنوان "الهبّة الفلسطينيّة: مواجهة النكبة المستمرّة." أدار الندوة وقدّمها سماح إدريس، رئيس تحرير الآداب، والعضو المؤسِّس في الحملة، وشارك فيها كلّ من: جابر سليمان، ورلى نصر- مزاوي، ومي خليلي، ونضال العزة. 

***

سماح إدريس

مساء النصر يا فلسطين. مساء الخير لشعبك البطل، الحرّ، المعطاء، الجبّار، الذي أعاد إلينا الثقةَ بأنفسنا، بروحنا، بزنودنا، والأهمّ: بأنّ النصر ممكن، بل قريب أيضًا.

في مثل هذه الأيّام من العام 1948، كانت العصاباتُ الصهيونيّة تطرد مئاتِ الآلاف من شعبنا الفلسطينيّ، وتدمِّر مئاتِ القرى، في واحدةٍ من أكبر حوادث التطهير العرقيّ في التاريخ المعاصر، وبتواطؤٍ مباشرٍ مع الاستعمار الغربيّ. بسبب ذلك، كما تعلمون، لجأتْ آلافُ العائلات إلى خارج فلسطين، أو هُجّرتْ داخل وطنها، وكثيرٌ منها يعيش على مقربةٍ من بيتها الأصليّ الذي هُجِّرتْ منه.

لكنّ النكبة ليست حدثًا حصل وانقضى. وإنّما هي حدثٌ مستمرٌّ إلى يومنا هذا، جرحٌ نازفٌ بشكلٍ متواصلٍ منذ ثلاثة وسبعين عامًا، بسبب سياسات العدوّ التهجيريّة والقمعيّة، وبسبب قوانينه العنصريّة التمييزيّة، التي تُوّجتْ بقانون القوميّة اليهوديّة في تمّوز/يوليو من العام 2018. وهو ما يزال يَحرم الفلسطينيّين حقَّهم الطبيعيَّ والإنسانيَّ والمكفولَ بالقانون الدوليّ في العودة إلى بيته ودياره. وقد آزره في ذلك تحالفُه الوثيقُ المتجدّد مع الاستعمار الغربيّ، وخيانةُ أنظمةٍ عربيّة، وعجزُ أخرى.

النكبة مستمرّة، وهذا يعني أنّ المقاومة مستمرّة، وإن اتّخذتْ أشكالًا مختلفة. واليوم اشتدّ عودُ هذه المقاومة بحيث دفعت العدوَّ إلى الخضوع لوقف إطلاق النار من دون قيدٍ أو شرط. المقاومة اليوم لم تستجدِ التفاوضَ، ولا استسلمتْ، ولا قبلتْ أسطورةَ أوسلو الكاذبة، بل راكمتْ قوّتَها الذاتيّة، واستطاعت بتحالفاتها الذكيّة أن تبني ترسانةً عسكريّةً وكفاءةً ميدانيّةً أذهلتا الصديقَ قبل العدوّ.

اليوم نجتمع لنناقش الحدثَ الفلسطينيَّ الجديد مع أربعة باحثين وعاملين في الشأن الفلسطينيّ، يجمعهم في هذه الندوة هاجسٌ واحد: كيف نعزّز حالةَ التحرر الوطنيّ الفلسطينيّ، على مبعدة من شعارات "حلّ الدولتين" و"المساواة" في ظل بقاء "إسرائيل." نبدأ بنضال العزّة، ثم برلى نصر-مزاوي، وننتهي بجابر سليمان. (ملاحظة: مداخلة مي خليلي تعذّر إرسالها مكتوبةً).

***

نضال العزّة: الهبّة الشعبيّة الفلسطينيّة في مواجهة النكبة المستمرّة

تشكّل الهبّةُ الشعبيّة أو الانتفاضة الفلسطينيّة الحاليّة نموذجًا نضاليًّا متميّزًا في مواجهة النكبة. فهذه الهبّة، التي أطلقها الشبابُ الفلسطينيُّ في القدس من خلال التصدّي لحواجز باب العامود وللتهجير القسريّ الوشيك في الشيخ جرّاح، وبإسنادٍ واضحٍ من شعبنا في فلسطين المستعمَرة عام 1948، امتدّت إلى الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة المحاصر، وإلى الشَّتات، بل أطلقتْ معها موجةَ تضامنٍ عالميٍّ عارمةً. ما يميِّز هذه الهبّةَ ليس انتشارَها السريعَ وحده، ولا الالتفافَ الجماهيريَّ من حولها فحسب، بل يميّزُها كذلك عودةُ الخطاب السياسيّ بفضل الشباب الفلسطينيّ -- وهو ما برز في هتافات الجماهير المنتفضة وشعاراتِها، وأعاد تسليطَ الضوء على جذور الصِّراع مع المنظومة الاستعماريّة الصهيونيّة.

هذه الهبّة لم تفاجئ العالمَ بوحدة شعبنا في مختلف المواقع فقط، ولا بالدوْر الطليعيّ لشعبنا في فلسطين المستعمَرة عام 1948 وحسب، بل كشفت كذلك أنّ عدمَ معالجة جذور هذا الصّراع وتسويقَ "مشروع السّلام" (عمليّة أوسلو) إدارةٌ فاشلةٌ للصّراع؛ ذلك أنّ النّكبة المستمرّة لن تنتهي إلّا بمعالجة تلك الجذور.

تحاول هذه المداخلة أن توضِحَ أنّ النكبةَ المستمرّة ما زالت توقظ في شعبنا إيمانَه بقضيّته وحقوقِه واستعدادَه للتضحية، وأنّ الشبابَ الفلسطينيّ قادرٌ على استنهاض ذاته واجتراحِ مشروعِ مقاومةٍ تحرّريٍّ حقيقيّ. لذلك، بعد تقديم المفاهيم الأساسيّة، جرى تقسيمُ هذه المداخلة إلى قسميْن أساسيْن: الأوّل، سياسات النكبة المستمرّة والتهجير القسريّ؛ والثاني، أثر الهبّة الشعبيّة الفلسطينيّة في مشروع مواجهة النكبة المستمرّة.

1 - في المفاهيم: النكبة والنكبة المستمرّة. يرجع مصطلحُ "النكبة" إلى الفترة الممتدّة ما بين إصدار قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين في تشرين الأوّل من العام 1947 وتوقيع اتفاقيّات الهدنة، التي كان آخرُها في تمّوز 1949. ومن حيث المحتوى يُقصد بهذا المصطلح عمليّةُ تفكيك المجتمع الفلسطينيّ، وتهجير قرابة 60%  من أبناء الشعب الفلسطينيّ، والاستيلاء على ممتلكاتهم وعلى 78% من فلسطين بحدودها الانتدابيّة، وقتل ما يزيد على 15 ألف فلسطينيّ، وتدمير ما يزيد على 531 قريةً وبلدةً ومدينةً فلسطينيّة، وإنشاء الكيان الصهيونيّ، وإخضاع قرابة 160 ألف فلسطينيّ ممّن بقُوا في فلسطين لنظام الحكم العسكريّ. أمّا مصطلح "النكبة المستمرّة" فيعني اتّباعَ الكيان الصهيونيّ الناشئ سياساتٍ وممارساتٍ لإدامة النكبة والتهجير تطبيقًا للاستراتيجيّة الصهيونيّة المتمثّلة في "السيطرة على أكبر مساحةٍ من الأرض بأقلّ عددٍ من الفلسطينيّين."

2 - اللاجئون والمُهجَّرون الفلسطينيّون اليوم.[1] يبلغ عددُ الفلسطينيّين المُهجَّرين من ديارهم نحو9.1  مليون: منهم 8.3 مليون لاجئ، ونحو 785 ألفًا من المهجَّرين داخليًّا. ينقسم اللّاجئون إلى قسميْن: الأوّل لاجئو العام 1948 ويبلغ عددُهم نحو 7 ملايين، منهم 5.8 ملايين مسجَّلون لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)؛ والقسم الثاني هم لاجئو العام 1967، ويبلغ عددُهم 1.3 مليون. أمّا المهجّرون داخليًّا فيُقسمون أيضًا إلى قسمين: الأوّل مهجَّرون داخل فلسطين المستعمرَة عام 1948، وعددُهم قرابة 445 ألفًا؛ ومهجَّرون داخليًّا في الجزء المستعمَر من فلسطين منذ العام 1967، ويبلغ عددُهم 335 ألفًا. جميع المهجَّرين الفلسطينيّين، اللاجئون والمهجَّرون داخليًّا، ما زالوا محرومين حقوقَهم الأساسيّةَ، أيْ: حقوقَهم في العودة إلى ديارهم الأصليّة، وفي استعادة ممتلكاتِهم، وتعويضهم، وضمان عدم تعرّضهم للتهجير مجدّدًا.

3 - النكبة المستمرّة: سياسات استعماريّة عنصريّة وغير قانونيّة. استكمالًا للمشروع الصهيوني في فلسطين وتوطيدًا له، طوّرتْ منظومةُ الاستعمار والأبرتهايد الإسرائيليّة جملةً من السياسات، وشرعنتْها على شكل قوانينَ وأوامرَ عسكريّة. ورغم أنّ وتيرةَ تطبيق هذه السياسات وحِدّتَها تختلفان من مكانٍ الى آخر، ومن فترةٍ إلى أخرى، فإنّها تتكامل وتتداخل، ويجري إنفاذُها في سائر أنحاء فلسطين بحدودها الانتدابيّة. وأبرز السياسات التي تديم النكبةَ وما زالت تُنتج التهجيرَ القسريّ:[2]

- مصادرة الأراضي: تسيطر "إسرائيل" حاليًّا على 85% من فلسطين بحدودها الانتدابيّة، وتُخصِّصها للانتفاع الحصريّ للمستعمرين الصهاينة. في المقابل، يُحصر 20% من السكّان الفلسطينيين الذين يحملون الجنسيّةَ الإسرائيليّةَ في مساحة 3.5% من فلسطين. ويُحصر 93% من الفلسطينيّين من سكّان الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة في مساحةٍ تقلّ عن 10.5% من مساحة فلسطين، أيْ في ما يُعرف بـ"منطقتيْ ألف وباء" بحسب اتفاقيّات أوسلو، ويُعزل الباقون في جيوبٍ متقطّعةٍ تسيطر عليها "إسرائيل" في "المنطقة ج" بحسب هذه الاتفاقيّات.   

- حرمان حقوق الإقامة: بحسب الإحصائيّات الإسرائيليّة نفسها، فإنّ أكثرَ من ربع مليون فلسطينيّ حُرموا حقوقَ الإقامة بين العاميْن 1967 و1994 (هذا الرقم لا يشمل 400 ألف فلسطينيّ هُجِّروا خلال حرب العام 1967). وألغِيتْ إقامةُ قرابة 15 ألف فلسطينيّ من القدس وحدها بعد احتلالها. كما يوجد اليوم 10 آلاف طفل فلسطينيّ، ذكرًا وأنثى، غير مسجّل في القدس لأسبابٍ عديدة، أهمُّها إقامةُ أحد الوالديْن خارج القدس (كأن يكون الأبُ فلسطينيًّا من الضفّة الغربيّة مثلًا).

- نظام التصاريح العنصريّ: هناك 101  نوع من التصاريح التي تفرضها "إسرائيل" على الفلسطينيّين بهدف إحكام سيطرتها على كلّ مناحي حياتهم. فنظامُ التصاريح الإسرائيليّ يقيِّد حريّةَ الحركة والتنقّل، والإقامة، والسكن، والعمل، والتجارة الداخليّة والخارجيّة، ونوع الصِّناعات وحجمها، ومستوى الصحّة، ونوع الأدوية والأجهزة والأدوات الطبّيّة، والزراعة وأنواع السماد وحتى الماشية، وأشكال التصرّف في العقارات، ورُخَص البناء واستخراج المياه وحفر الآبار وغيرها.  

- نظام التخطيط الهيكليّ (الحضريّ): في فلسطين المستعمَرة منذ العام 1948، هناك أكثر من 480 بلدةً وتجمّعًا لا يُسمح للفلسطينيّ بأن يسكنَ فيها. وهناك تجمّعاتٌ يتوقف السّماحُ بالسّكن للفلسطينيّ فيها على قرار "لجان القبول،" وهي لجانٌ صهيونيّةٌ خالصة. أمّا في الضفّة الغربيّة، فـ"إسرائيل" تَحصر إمكانيّةَ التوسّع في المنطقة المصنّفة "ج" بحسب أوسلو بـ1 % فقط. بل هي تربط توسيعَ المسطّحات في هذه المنطقة بنظام التصاريح ورخَص البناء، بحيث تبلغ نسبةُ الرفض 98% .

- حرمان الانتفاع بالمصادر الطبيعيّة والخدمات: تسيطر "إسرائيل" على كافّة المصادر الطبيعيّة في فلسطين، بما في ذلك الأرضُ المحتلّة عام 1967، وتحرم الفلسطينيّين الوصولَ إليها والانتفاعَ بها. فهي تسيطر على الأرض وما في جوفها، وعلى البحر وثرواته، والسماءِ وفضاءاتها. وهي لا تكتفي بحرمان الفلسطينيّين استخراجَ الغاز من البحر المتوسّط، أو الأملاح والمعادن من البحر الميّت وحسب، بل تعمد أيضًا إلى استغلال المياه الجوفيّة في الأرض المحتلّة عام 1967 من أجل منح المستعمِرين الصهاينة امتيازات، وتبيعها إلى الفلسطينيّين بأسعارٍ مضاعفة.

- التَّجزئة والفصل والعزل: تُعتبر هذا السياسة إطارًا تنتظم فيه كلُّ السياسات الأخرى ويَسْهل إنفاذُها. فالتجزئة تشمل تشتيتَ الشعب الفلسطينيّ وتوزيعَه على مناطق جغرافيّةٍ متعدّدة، وإخضاعَه لأنظمةٍ قانونيّةٍ مختلفة -- كما في حالة تقسيم الفلسطينيّين ما بين الشتات والداخل، أو ما بين فلسطين 1948 والأرض المحتلّة عام 1967، وما بين القدس والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. وفي حين يشمل الفصلُ تغريبَ الإنسان عن هويّته وأرضِه ومحيطِه الاجتماعيّ والإنسانيّ، تأتي سياسةُ العزل لتجزئة المُجزّأ؛ فتُحصر تجمّعاتٌ وقرًى كاملةٌ عن محيطها، كما في حالات المناطق العازلة والمناطق المغلقة-المعزولة (seam and buffer zones). ولقد لوحظ مؤخّرًا أنّ "إسرائيل" لم تكتفِ بجدار الأبرتهايد، بل توظِّف نظامَ الطُّرق السريعة والالتفافيّة والمواصلات العامّة بهدف تحقيق المزيد من حصْر المدن والقرى الفلسطينيّة وعزلها في كلّ أرجاء فلسطين بحدودها الانتدابيّة.

- الاعتداءات التي تنفّذها أطرافٌ غير حكوميّة (أفراد/مجموعات/شركات مستعمِرين): هذه الاعتداءات التي تقع على الفلسطينيّين وممتلكاتِهم، سواءٌ بالقتل أو الإيذاء الجسديّ أو التخريب أو الاستيلاء على الممتلكات، لم تعد مجرّدَ ممارساتٍ مدعومةٍ من قبل السلطات الرسميّة للاستعمار الصهيونيّ، بل أضحت كذلك سياسةً ممنهجةً وموجَّهةً من قِبل السلطات الرسميّة تنفّذها عصاباتُ المستعمِرين وجمعيّاتُهم وشركاتُهم.  ضمن هذا السياق تجدر الإشارةُ الى أنّه، بعد أوسلو، جرى خلقُ (أو ترخيصُ) أكثر من 600 شركة وجمعيّة استعماريّة تعمل على الاستيلاء على العقارات الفلسطينيّة، سواء بالبلطجة والعنف، أو بالتزوير والتحايل والخداع، وجميعُها تعمل بتوجيهٍ ودعمٍ من سلطات الاحتلال الأمنيّة والعسكريّة، وبتواطؤٍ كاملٍ من القضاء الإسرائيليّ.

4 - الهبّة الحاليّة نموذج نضاليّ في مواجهة النكبة المستمرّة. الهتافات والأناشيد التي صدحتْ خلال المظاهرات العارمة، والشِّعارات التي رُفعتْ في المسيرات الاحتجاجيّة والتضامنيّة، عكستْ فهمًا عميقًا لسياسات إدامة النكبة، وبرنامجًا نضاليًّا في مواجهتها. فقد علتِ الهتافاتُ والشعاراتُ ضدّ التهجير والمفاوضات والمصادرة والحرمان والهدم والتجزئة والفصل والعزل، ومع العودة والمقاومة والمواجهة والوحدة في الميدان. ولا شكّ في أنّ الهبّة الحاليّة أعادت الأمورَ إلى المربّع الأوّل، إذ تجسّدتْ وحدةُ الشعب الفلسطينيّ في كلّ مكان في فلسطين والشَّتات رغم التجزئة والفصل والعزل. الهبّة دليل قاطع على فشل أوسلو ونهج المفاوضات، وعلى عبثيّة المشاركة في كنيست الكيان، ورفض استجداء المجتمع الدّوليّ والارتهان لإرادة هذا المجتمع الذي لا يسمع إلّا من الأقوياء. كما أظهرتْ هذه الهبّة جدوى المقاومة والتكامل، وعقمَ التّطبيع. وبيّنتْ، كذلك، نمطًا للإسناد العربيّ المطلوب، والتضامن العالميّ. وجاءت لتُظهر، أخيرًا، أنّ الشبابَ لديهم من القدرات والإبداعات ما يؤهِّلهم لقيادة الحركة التحرريّة.

هذا لا يعني أنّ الهبّة مثاليّة وكاملة، بل تؤشِّر على رسوخ إيمان شعبنا بقضيّته وحقوقِه واستعدادِه للتضحية، وتُظهر مدى حاجتنا إلى استراتيجيّةٍ فلسطينيّةٍ يتكامل فيها الكلُّ الفلسطينيُّ بالاعتماد على الذات. وهي تُبيّن، أخيرًا، مدى حاجتنا إلى قيادةٍ شابّةٍ ثوريّة، وإلى تنظيماتٍ قادرةٍ على استنهاض الحالة في مواجهة النكبة المستمرّة.

***

رلى نصر-مزّاوي: الهبّة في فلسطين 48 وإعادة بناء الوعي

لأنّ الهبّةَ الأخيرة في فلسطين، وخصوصًا في البلدات والمدن المحتلّة عام 48، لا تزال تزوِّد الفلسطينيّين في الداخل بوقودٍ سيحتاجونه لسنين قادمة؛ ولأنّها أخرجت الماردَ الذي يسكن الناسَ وحياتَهم المنكسرةَ على أعتاب روتين السعي إلى الوفاء بالحاجات المباشرة؛ لهذا وذاك، سأبدأ بتصوير ثلاثة مشاهد، ما كان لأحدٍ أن يتخيّلَها تحدث في الداخل الفلسطينيّ قبل الهبّة. وهي تعكس بعضَ الأثر غير المرئيّ، الذي يبدو، في رأيي، أساسًا لتحوّلٍ استراتيجيّ.

المشهد الأول: شبابٌ من مختلف الأحياء والحارات والانتماءات الدينيّة والعائليّة، يتجمّعون في الشارع، إناثًا وذكورًا، فيُغلقون الشارعَ وهم يهتفون لفلسطين، لحقّ العودة، للشيخ جرّاح، للأسرى. لا أحد منهم يريد الرجوعَ إلى بيته؛ فالنفَس نفَسُ تحدٍّ وفرح: تحدٍّ للمستعمِر، وفرحٍ باكتشاف حلاوة الكرامة.

المشهد الثاني: بعد عدّة أيّام من المشهد الأوّل، أطفال في الحارة يلعبون "مظاهرة." رسموا علمَ فلسطين، ومشوا، تتقدّمهم طفلةٌ صغيرة تهتف: "فلسطين عربيّة من المَيّة للمَيّة."

المشهد الثالث: أعلامُ فلسطين مرسومة على كلّ حيطان البلد، مرفقة بعبارة "صامدون لن نرحل." كاتبُ الشعار لا يميِّز بين الميم والصاد؛ لم "يتعلّمْ" لغتَه كما يجب. لكنّ قلبَه يعرف الطريقَ إلى التحرّر، ويخطُّها على كلّ جدران المدينة.

هذه المشاهد ليست مجرّدَ صور. إنّها مؤشِّراتٌ ملموسةٌ على فشلٍ كبيرٍ لسياسات صهر الوعي.

1 - سياسات صهر الوعي. منذ عام النكبة، اعتمدت الحركةُ الصهيونيّةُ عدّةَ سياساتٍ تهدف إلى تغييب الوعي والهويّة الوطنيّة عند فلسطينيّي الداخل المحتلّ عام 48. فبعد أن هجّرتْ أكثرَ من ثلثي الشعب الفلسطينيّ، استنتجتْ أنّ حضورَهم جسديًّا لا يشكّل خطرًا عليها إنْ غاب الوعيُ والهويّة. فعملتْ على جعلهم روبوتاتٍ تمشي مبرمجةً بحسب مصلحة "إسرائيل" وتتماهى معها قلبًا وقالبًا، مع أنّها لم تجرِّدْهم من أراضيهم وأملاكهم فحسب، وإنّما من كرامتهم أيضًا.

هكذا أرادتنا الصهيونيّة، وخُيّل إلى كثيرين منّا أنّها نجحتْ في مآربها هذه. لذلك، استثمرتْ ملياراتِ الشواقل لكيّ الوعي الفلسطينيّ، في الداخل تحديدًا، ولكنْ ليس في معزلٍ عمّا تنتهجه في المناطق الأخرى: فهي تنتهج السياسةَ عينَها في القدس والضفّة الغربيّة بقدر المستطاع، وبوسائلَ وأدواتٍ قد تختلف في الحدّة لكنّها تتماثل في الهدف.

إذًا، منذ أكثر من 70 عامًا، يعيش الفلسطينيّون في فلسطين المحتلّة عام 48 تحت سطوة المنظومة الصهيونيّة التي احتلّت أرضَهم، وهجّرتْ أهاليهم، وبترتْهم عن امتدادهم الطبيعيّ، وزرعتْ داخلهم رعبًا خُتِم بالدم على قلوبهم واستوطن ذاكرتَهم الفرديّةَ والجماعيّة. وهذا الرعب لا تسبِّبه جهةٌ بعيدة، وإنّما يسبِّبه 80% ممّن يسكنون حولهم، أي المستعمِرون، الذين هم "زملاءُ" لهم في العمل أو الدراسة. وتلت النكبةَ، المثقلةَ بكلّ المجازر والرعب والتهجير، سنواتٌ من الحكم العسكريّ ساهمتْ في ترسيخ حالة الخضوع، الناشئِ عن فظاعة القمع من جهة، وعن الانكسار والخذلان من جهةٍ ثانية. وهدفَ ذلك إلى جعل الناس تَقْبل بالمستعمِر وبالهزيمة حقائقَ مطلقةً، غيرَ قابلةٍ للنقض أو التغيير.

جاءت الهبّةُ الأخيرة لتشكّل شهادةَ فشلٍ على جميع سياسات صهر الوعي الصهيونيّة، ومنها:

- سياسة العقاب والثواب وزرع الخوف بين الناس. كلّما انخرط الفلسطينيُّ في العمل الوطنيّ، اشتدّ التضييقُ عليه – إزعاجًا، فاعتقالًا، فملاحقةً في لقمة العيش. وقد هدفتْ هذه السياسةُ إلى دفع الناس إلى تبنّي استراتيجيّة "امشِ الحيط الحيط وقلْ يا ربِّ السترة،" أي: لا تحِدْ عن الخطّ المرسوم لك، لا تتحدَّ، لا تكن ندًّا لمنظومةٍ ظالمةٍ وعنصريّةٍ لا تتورّعُ عن فعل أيّ شيء، إقبلْ بما "يتكرّمون" به عليكَ والتزم الصمتَ. ويا إلهي كم صمت الناسُ هنا، وما أشدَّ ما بدا لنا الانتفاضُ على الذلّ مستحيلًا!

- تجزئة الفلسطينيّين في أراضي 48 وعزلهم وفصلهم عن باقي أبناء شعبهم، ومحاولة تدجينِهم على أن يكونوا "عربسرائيل،"  جزءًا من "إسرائيل،" لا جزءًا من شعبهم الفلسطينيّ، وترويضهم على أن يَعتبروا أنّ تاريخهم بدأ في العام 1948 لا قبل. وجرى التعاملُ معهم على أنّهم أقلّيّة، لا حقوقَ لها سوى حقوق الأقلّيّات وما "تتكرّم" به الصهيونيّةُ عليهم. وقد أسهمتْ أوسلو في تعزيز التدجين والعزل والفصل بشكلٍ قويّ، وذلك عندما جعلتْ من فلسطينيّي 48 شأنًا إسرائيليًّا "داخليًّا."

إليكم بعضَ الأمثلة على سياسات العزل والفصل والتجزئة: أ) الحواجز المنتشرة بين المناطق المحتلّة عام 48 والمناطق المحتلّة عام 67، وانتقائيّة التعامل مع الفلسطينيّ بحسب مكان سكنه. ب) منع تواصل فلسطينيّي 48 مع باقي أبناء الشعب الفلسطينيّ في الضفّة وغزّة والشتات، ولو عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ، وذلك من خلال اعتقال الناشطين وتوجيه تهمٍ أمنيّةٍ لهم. ج) فرض قوانين تجعل الزواجَ بين فلسطينيٍّ من الداخل وفلسطينيّةٍ من غزّة أو الضفّة أو الشتات أمرًا شبهَ مستحيل؛ وإنْ تمّ فسيقود إلى إنشاء أُسرةٍ غيرِ مستقرة، مشتّتةِ الهويّة والوضع ِالقانونيّ ومكانِ الإقامة.

- زرع التوجّهات الفردانيّة والنجاح الفرديّ بديلًا للانتماء الجمعيّ. فبحسب سياسات صهر الوعي الصهيونيّة، يمكنك أن تتعلّمَ وتصبحَ بروفيسورًا مرموقًا في جامعةٍ إسرائيليّة، مثلًا، ما لم تنشطْ في الدفاع عن حقوق شعبك، أو ما دمتَ تُشيد بالمنظومة الاستعماريّة.

- زرع فكرة أنّ نضالنا يقتصر على تحصيل "حقوق مدنيّة" لا حقوق سياسيّة أو حقوقنا كشعب. يمكنك، تحت الحكم الصهيونيّ، أن تطالب بموازناتٍ أكبرَ للبلديّات الفلسطينيّة في الداخل المحتلّ عام 48، بل يمكنك أن تصبح عضوًا في الكنيست الصهيونيّ أيضًا (بعد أن تُقسم قَسمَ الولاء للكيان الصهيونيّ)، وأن توظِّفَ أحدَ معارفك هنا أو هناك. لكنْ إيّاكَ أن تفكّر في تحرّرك وتحريرِ بلادك، وإيّاكَ أن تعمل على تحصيل حقوقك وحقوق شعبك في العودة والتعويض واستعادة الممتلكات!

- شرذمة الفلسطينيّين في فلسطين 48 بين مسلمٍ ومسيحيٍّ ودرزيّ، وبحسب الانتماءات الجغرافيّة أو الحمائليّة، وتغذية الخوف من "الآخر" الفلسطينيّ وكراهيّته، من أجل جعل الاقتتال الداخليّ بين الفلسطينيّين مسيطِرًا على الجو العامّ وتحت سيطرة "الدولة" الصهيونيّة. تظهر الشرذمة والكراهية بصورةٍ أشرس في انتخابات البلديّات، وهي انتخاباتٌ وجدتْها "إسرائيلُ" سلاحًا ناجعًا يقتتل به الفلسطينيّون. هذا الاقتتال على البلديّات هو، بمفهومٍ معيّن، صورةٌ لصراع بقاء على السلطة الثانويّة، المرتهنةِ بتركيبتها للمنظومة الاستعماريّة؛ وهو، في جهته الأخرى، صراعُ بقاءٍ على لقمة العيش وتأمين مصادر العيش للمقرَّبين.

- زرع الجريمة والعصابات وتغذية التناحر، من خلال تزويد أفراد العصابات والمجرمين بالسلاح، وتقديم الحماية إليهم عبر غضّ البصر عن جرائمهم. فبحسب "العدالة" الإسرائيليّة، ليس ثمّة جانٍ ما دامت الضحيّةُ فلسطينيّةً.

- التحكّم في المناهج التدريسيّة، وإدخال كمٍّ هائلٍ من المشاريع التطبيعيّة إلى المدارس والأطر التعليميّة والتربويّة المختلفة داخل فلسطين المحتلّة عام 48.

ما فاقم من أثر تلك السياسات ليس أوسلو فحسب، بل فشلُ الأحزاب في الداخل المحتلّ أيضًا. فلقد فشلتْ هذه الأحزابُ في التصدّي لسياسات صهر الوعي التي صرفتْ عليها المؤسّسةُ الصهيونيّةُ مئاتِ ملايين الشواقل، من خلال مشاريعَ تطبيعيّةٍ أغرقت البلداتِ العربيّةَ الفلسطينيّةَ في الداخل، وأغرقت المدارسَ والمؤسّسات الفاعلة، وتحديدًا بعد الانتفاضة الثانية.

2 - تغيّر الخطاب. إنّ الخطاب الذي ظهر في الهبّة الأخيرة هو الدليلُ القاطعُ على فشل سياسات صهر الوعي، وهو ما يفسِّر المشاهدَ الثلاثةَ أعلاه. ويتمحور تغيّرُ الخطاب هذا في شقّيْن متكامليْن: تعرياف الناس (خصوصًا الشباب) لأنفسهم، وتعريفهم للمستعمِر. فقبل الهبّة كان معظمُ الفلسطينيّين في فلسطين المحتلّة عام 1948 متعايشين، إلى حدٍّ ما، مع مصطلح "عربسرائيل" وكأنّه "الحلُّ الوسطُ" الذي يُرضي المستعمِرَ من جهة فلا ينغّص عليه وهمَ "التعدّديّة" الذي يتشدّق به زورًا، وُيرضي الفلسطينيّين بإعطائهم وهْمَ "الاختلاف" عن الإسرائيليّ المستوطِن. قضيّة الأسماء والمصطلحات هنا قضيّة شائكة، تشي بعمق المعارك النفسيّة التي يخوضها الفلسطينيُّ مع نفسِه والآخرين: بدءًا بتعريفه لنفسه، وليس انتهاءً باسم بلده أو البلدات المحيطة به. ليس عاديًّا أن ينسجمَ الإنسانُ بسهولةٍ مع ما يفرضه عليه المستعمِرُ، ولكنّ فطرةَ الحياة قادرةٌ على سحب البشر بطرقٍ مختلفة من مساحات الخوف والترهيب المستمرّيْن. في هذه الهبّة، أتى خطابُ الشباب خطابًا فلسطينيًّا، يرى الكلَّ الفلسطينيَّ، ويرى نفسَه جزءًا منه. لقد أخرج الشبابُ ما حبستْه النفسُ عميقًا من جذورٍ فلسطينيّةٍ راسخة، فنُزع ثوبُ "العربيّ الإسرائيليّ" الذي طالما أرادوا أن يُلبسونا إيّاه، وظهر ما أخفاه الناسُ سنواتٍ طويلةً من انتماءٍ فطريٍّ فلسطينيّ بدأ يأخذ شكلًا آخرَ بخروجه إلى العيان. والعيان هنا هو نحن أمام بعضنا البعض، ومن ثمّ أمام الصهيونيّ، المستعمِر، المستوطِن، المعتدي، "زميلِنا" في الدراسة أو العمل.

أمّا تعريف "الآخر" الذي كان يندرج تحت مسمَّياتٍ أو شعاراتٍ كـ"الجار" و"التعايُش" و"كلّنا مواطنون في دولة واحدة،" فقد اختفى مع هجوم المستوطنين على البلدات الفلسطينيّة في الداخل. لم يعد مصطلحا "مستوطِن" و"معتدٍ"  يقتصران على الصهيونيّ الموجود في المناطق المحتلّة عام 67، بل باتا بفضل الهبّة يشملان أيضًا الإسرائيليَّ الذي يسكن نوف هجليل (المقامةَ على أراضي الناصرة وعين ماهل) أو حيفا أو يافا أو اللدّ؛ ذاك الذي كان يسوَّقُ لنا على أنّه "جارٌ" أو "زميل."

3 - التغيّر في "خطاب الخصوصيّة." لطالما برز خطابُ "خصوصيّة فلسطينيّي 1948،" ولا سيّما لدى الأحزاب والقيادات، من أجل تسويق الكنيست بحكم وجودنا في هذا الكيان. وكأنّ وجودَنا هنا، وحمْلَنا جوازًا إسرائيليًّا، يُجيزان لنا ما لا يجوز للفلسطينيّين في غزّة أو الضفّة أو الشتات في موضوع مقاومة المنظومة الاستعماريّة الصهيونيّة! ثلاثة وسبعون عامًا مرّت ولم يُنظر خلالها إلى "خصوصيّة" وجودنا داخل فلسطين المحتلّة عام 48 في وصفه عنصرَ قوّةٍ يَفتح المجالَ للاشتباك المباشر مع المستعمِر. غير أنّ الحَراكات الشبابيّة الفلسطينيّة في وجه أحزاب الكنيست أسقطتْ "خصوصيّةَ" الداخل حين تُستخدم حجّةً لعدم خوض النضال من أجل تحرير فلسطين. أصبحتْ هذه الخصوصيّةُ هي ذاتها التي جعلتْ لنضال الداخل معانيَ أخرى: أصبحتْ هي ما يجمعنا، وبقوّةٍ، في اشتباكٍ واحد، في روحٍ فلسطينيّةٍ واحدة، وخطِّ دمٍ واحدٍ، يمتدُّ بين أمّ الفحم واللدّ ونابلس وخان يونس وعلى طول فلسطين التاريخيّة وعرضِها. يمتدّ وينتشر حتى يصل بوزير الحرب الصهيونيّ غانتس إلى التصريح: "ما يحدث في البلدات العربيّة في الشوارع أخطرُ علينا من الصواريخ!"

4 - الحَراكات الشبابيّة والعملُ الشعبيّ. في السنوات الأخيرة، وفي ظل تقوقع الأحزاب العربيّة في الكنيست واختفائها من الشارع، بدأنا نشهد تأسيسَ حَراكاتٍ شبابيّةٍ في عدّة مدنٍ وقرًى فلسطينيّة داخل فلسطين 48، بالإضافة الى حَراكاتٍ طلّابيّةٍ في الجامعات. هذه الحَراكات رَفعتْ سقفَ الخطاب، وساهمتْ في صقل الوعي الفلسطينيّ هناك، وفي تشكيل حالةٍ بديلةٍ ترى في "الدولة" الإسرائيليّة منظومةً استعماريّةً لا يمكن التأسيسُ لحياةٍ كريمةٍ في كنفها، بل تجب مقاومتُها وتفكيكُها مع جميع أذرعها.

خطابُ الحراكات كان واضحًا رغم حدود انتشاره، لكنّه كان ذا قاعدة فكريّة وإنسانيّة وفلسطينيّة في آن، فتحت المجالَ للخوض في سؤال "السياسيّ" و"المدنيّ" والخطِّ الفاصلِ بينهما. وهنا أذكر بوضوحٍ نقاشاتٍ طويلةً على خلفيّة رفع العلم الفلسطينيّ في المظاهرات ضدّ العنف والجريمة داخل فلسطين 48: فقد حُسمت النقاشاتُ لصالح الخطاب الفلسطينيّ الجامع، وجاء الحسمُ على أرض الواقع من خلال ازدياد عدد أعلام فلسطين في كلّ مظاهرةٍ عن سابقاتها.

في الأشهر الأخيرة تحديدًا، ومع تفاقم العنف والجريمة في الداخل وتواطؤ الشرطة وأجهزة الدولة الصهيونيّة مع المجرمين ودعمها لهم، بدأ الشبابُ الفلسطينيّ بتشكيل حراكاتٍ حتى في البلدات التي لم تكن فيها حراكات. غالبيّةُ هذه الحراكات مستقلّة، متحرِّرة من قيود المواقف الرسميّة للأحزاب. كما أنّها حضنت الشبابَ الذي أقصتْه هذه الأحزابُ، فلجأ إلى عملٍ مشتركٍ أساسُه الانتماءُ إلى فلسطين.

أمّا الفتياتُ تحديدًا، فقد أدّيْن في هذه الحراكات دورًا قياديًّا، تنظيمًا وتعبئةً. هكذا أصبحت الحراكاتُ خلايا نحلٍ، تقودها فتياتٌ يتمتّعن بقدرٍ عالٍ من المسؤوليّة والجدّيّة؛ والى جانبهنّ الشبابُ -- كلٌّ يعطي بقدْرِ ما يستطيع. أصبح مشهدُ "الهتّيفات،" وهنّ يقدن المظاهرات بهتافات التحدّي الفلسطينيّة، مشهدًا أليفًا. مَن كان يجرؤ على تخيّل كلّ هذا؟!

هكذا أخذت الحراكاتُ الدورَ الأكبرَ في تعزيز الانتماء الجمعيّ الفلسطينيّ الذي ظهر جليًّا في هذه الهبّة. فكان الشبابُ مصدرَ المعلومة من خلال تواصلهم على انستاغرام وتيك توك مع أبناء شعبهم في كلّ مكان. كانوا يَعْلمون ما يحصل في الشيخ جرّاح والأقصى وغزّة لحظةً بلحظة، ويغذّون الشارعَ بالمعلومة وروحِ التحدّي.

تشرّب الناسُ حقيقة أنّ الحَراك شِفاءٌ من العجز، وقد تجلّى قوّةً رهيبةً زوّدها الشارعُ الشبابَ والشابّات، وكان هؤلاء بدورهم يعيدونها إلى هذا الشارع أضعافًا مضاعفة. ومن ذلك تكوّنتْ دائرةٌ عظيمةٌ، راحت تغذّي نفسَها بنفسها، وتخلق مِن حولها ما يحميها من جرأةٍ وشجاعةٍ وفهمٍ للواقع. حاول الاحتلالُ كسرَ هذه الدائرة من خلال اعتقال الناشطين، وإخلاءِ الشارع من النشطاء. إلّا أنّ تنظيمَ العمل، وطواقمَ المحامين والاختصاصيّين النفسيّين والاجتماعيّين التي تعمل تطوّعًا، بالإضافة إلى نشاط الحراكات، حدّت من عمليّة الكسر هذه.

لقد عمل الشارعُ كمساحةٍ فيزيائيّةٍ على تقريب الناس، وصقلِ الروح المشتركة، فكان تجسيدًا لكلمات الشيخ إمام "وعرفْنا مين سببْ جراحنا، وعرفنا روحنا والتقينا." كانت "التقينا" هي كلمةَ السرّ، إذ التقى الجيلُ الشابُّ في البلد لأوّل مرّة من دون تقسيمات.

وفي الشوارع انتشرت الجداريّاتُ وكتاباتُ الجرافيتي، معبِّرةً عن نبض الوعي المتجذّر، الذي لم يعد يمكن تجاهلُه. رُسمتْ أعلامُ فلسطين بكثافةٍ على الجدران، فأصبحتْ هذه الجدرانُ أداةَ تثقيفٍ وطنيّ تفوق لوحَ الصفّ أهمّيّةً، وغدت الهتافاتُ في المظاهرات أهمَّ في تشكيل الوعي الوطنيّ من حصص المدنيّات التطبيعيّةِ المضمون في المدرسة. هكذا، ومن دون سابق إنذار، أصبحت الثورةُ أداةَ تثقيف، لا نتاجًا لثقافة المقاومة فحسب.

ما رأيناه في الهبّة الأخيرة هو ثورةٌ على النظام بكلِّ رموزه: تمرّدٌ على سلطة الاستعمار، على القهر والإفقار ونشر الجريمة بين الناس، على محاولة نزع إنسانيّة الفلسطينيّين وفصلهم عن أبناء شعبهم. طبعًا هذا لا ينتقص من أثر قضيّة الشيخ جرّاح المباشرة، لكنّ هذه كانت القشّةَ التي كسرتْ ظهرَ البعير.

وتبقى زبدةُ الهبّة أنّ الحراكات الشبابيّة سبقت الأحزابَ و"لجنةَ المتابعة،" وأثبتتْ أنّ النضال من أجل التحرّر ممكنٌ في الشارع... لا في الكنيست! وهذه نقطةٌ فارقةٌ في الخطاب في الداخل الفلسطينيّ المحتلّ عام 48. وتجلّت ذروةُ تخطّي "القيادات" العربيّة في إعلان الإضراب، الذي كان سيقتصر على يوم عطلةٍ، لو لم تَفْرض الحراكاتُ أن يكون يومَ تعبئة على مستوى الانتماء والتواصل والأنشطة والمواجهة. ليس الإضرابُ ليومٍ واحدٍ عملًا بطوليًّا، لكنّه في السياق الاستعماريّ لفلسطين 48 كان يومَ تحدٍّ: تحدٍّ للمنظومة الاستعماريّة بكلّ أشكالها، للمشغِّلين، والوزارات، وإداراتِ المدارس الموالية للمنظومة، والجامعات، والمجمَّعات التجاريّة، وغيرها. كان الإضراب بمثابة "لا نريد" التي يردِّدها الناسُ وهم يغنّون نشيدَ "موطني" في قوّةٍ وإباءٍ لم يسبقْ أن شهدناهما في فلسطين المحتلّة عام 48. وكان يومًا عظيمًا لأنّه كان يومَ عملٍ شعبيّ: من الأعمال التطوّعيّة التي جابت المدنَ والقرى ونظّفت الأحياءَ، إلى استقبال أهالي الأحياء للشابّاتِ والشبّانِ بقلوبٍ مليئةٍ بالمحبّة، إلى المطابع التي طبعتْ مناشيرَهم الوطنيّةَ بالمجّان، مرورًا بالمخابز التي قدّمت الطعامَ إلى المتطوّعين والأطفال، فإلى برامج الأطفال والرسائل التي أرسلوها إلى الأهل في غزّة والشتات. كان الإضرابُ يومًا عظيمًا لأنّه حفر في أرواح فلسطينيّي الداخل قوّةً أذهلتْهم، هم أنفسهم، وأنتج لديهم شعورًا بالنشوة، وعزّز إحساسَهم بالقدرة على شلّ الكيان اقتصاديًّا.

5 - نظرة إلى المستقبل. خلال الهبّة اعتقلت الشرطةُ والمخابراتُ الإسرائيليّة أكثرَ من 1500 ناشط. وما زالتا، إلى اليوم، تشنّان حملةَ اعتقالاتٍ جارفة، تنتهي في معظم الأحيان باعتقالٍ لعدّة أيّام، تتلوه إقامةٌ جبريّةٌ في المنزل. وهذه العمليّة كانت بمثابة أداةٍ لتفريغ الشارع من الناشطين في أيّامٍ مصيريّةٍ لاستمرار العمل. ومع ذلك فكيف ننسى أنّ الحراكات تعمل ليلَ نهار لتتنظّم بصورةٍ أفضل من أجل الاستمرار؛ وأنّ هنالك حراكات جديدةً في بلداتٍ لم تشهدْ أيَّ حَراكٍ سابقًا؛ وأنّ الدعوات مستمرّة لتفعيل الشارع عبر أنشطةٍ متنوّعةٍ تحفظ نبضَه وتعيد بناءَ مفهوم الخلاص الجمعيّ لكلّ فلسطين؟

المطلوب الآن تغذيةُ الانتماء الوطنيّ إلى فلسطين؛ فهذا هو الحامي الوحيد لفلسطينيّي 48 من التشرذم ومن الجريمة ومن الاستفراد بهم. والمطلوب أيضًا هو الاستمرار في التواصل والتكامل بين المناطق المختلفة، وبين النشطاء في فلسطين 48 وباقي أبناء الشعب الفلسطينيّ في أماكن وجودهم كافّةً.

قبل بدء الهبّة الأخيرة كان الكثيرُ من الفلسطينيّين في الداخل يَسْخرون ممّن يتحدّث عن تحرير فلسطين. بعد الهبّة، وبعد الاعتقالات والتنكيل والاعتداءات، أصبح الحديثُ عن التحرّر بديهيًّا. الأعظم من كلّ هذا أنّ فكرة التحرّر بالمجّان بدأتْ بالاهتزاز، وبدأ يترسّخ الوعيُ بأنّ للتحرّر أثمانًا يدفعها شعبُنا -- شهداءَ وأسرى ومشرَّدين. إنّ أعظمَ ما تركته الهبّة هو أنّ الشارعَ أدرك، بكلّ حواسّه، أنّنا شعبٌ واحد، ومصيرَنا واحد، مهما اختلفت الساحات.

ما تعلّمناه في الهبّة الأخيرة هو أنّ فلسطين متجذّرةٌ في أعماق الناس هنا، وأنّ كلَّ فعل تحدٍّ لمنظومة الاستعمار - مهما كان صغيرًا - له مكانٌ في النفس، وما على الهبّات إلّا مراكمةُ المزيد من تلك الأفعال. كنا نظنّ أنّنا نريد تحريرَ فلسطين، واكتشفنا أنّها كانت هي التي تحرّرنا ونحن في طريقنا إلى تحريرها. الهبّة، الانتفاضة، الثورة، تحرِّر فينا كلَّ يوم سنتيمترًا إضافيًّا من مساحات الخوف التي زرعتْها المنظومةُ الاستعماريّةُ فينا وتراكمتْ مع السنين. ما يمكننا فعلُه هو الاستمرارُ في تحضير أرض الوعي والفعل المقاوم للظلم، وزرعها والاعتناء بها؛ فموسمُ الحصاد قادمٌ لا محالة.

فلسطين

***

جابر سليمان: تداعيات ما بعد الهبّة على مشروع الحركة الوطنية الفلسطينية والدروس المستفادة

تتكوّن مداخلتي هذه من محوريْن: الأوّل هو السياق العامّ للهبّة الفلسطينيّة الجديدة، وما رافقها من حربٍ على غزّة. والثاني، وهو الأساس، يدور حول تداعياتها ونتائجها. لكنْ قبل الحديث عن المحوريْن المذكوريْن أودّ أن أنوّهَ بالأداء الميدانيّ المتميّز لفصائل المقاومة في غزّة. لستُ بمحلِّلٍ عسكريّ ولا استراتيجيّ، ولكنْ كُتب الكثيرُ عن نجاعة هذا الأداء، وأنّ فصائلَ المقاومة لم تكن بهذه الجهوزيّة منذ العام 2014؛ ما يعني أنّ السنوات السبعَ الماضية لم تكن سنواتِ تراخٍ بل كدٍّ وعملٍ من أجل تعزيز القدرة العسكريّة للمقاومة. وبخصوص الخسائر الماديّة والبشريّة، فصحيح أنْ لا تناسُبَ بين أعداد شهدائنا وقتلاهم، لكنْ ينبغي أن نُدْخلَ في الحساب خسائرَ العدوّ المعنويّة والنفسيّة. فإنْ كان العدوّ قادرًا على تعويض أيّ خسائر اقتصاديّة بدعمٍ من الخارج، ومن الولايات المتحدة بشكلٍ خاصّ، فماذا عن الآثار المعنويّة في وعي المستوطنين؟ لقد اعتادت "إسرائيل" أن تخوضَ حروبَها الرسميّة مع الأنظمة من دون أن يرى المستوطنون هذه الحروبَ إلّا على شاشات التلفزيون؛ أمّا اليوم فقد دخلت الحربُ كلَّ بيتٍ إسرائيليّ، وبات ملايينُ المستوطنين في الملاجئ -- ما يُثبت تراجعَ قوّة الردع الإسرائيليّة، وتنامي قوّة الردع الفلسطينيّة المتمثّلة في الفصائل،  وبشكلٍ خاصّ: حركة حماس وحركة الجهاد الإسلاميّ.

1 - السياق العامّ للهبّة. نشأت الهبّة في خضمّ تواصل مخطّطات الاستيطان والتهويد (حيّ الشيخ جرّاح وباب العامود نموذجان)، وبعد إلغاء السلطة الفلسطينيّة للانتخابات (بغضّ النظر عن موقفنا من هذه الانتخابات من حيث المبدأ) بحجّة عدم إمكانيّة إجرائها في القدس. كما نشأتْ وسط انقسامٍ في المشهد السياسيّ داخل فلسطين المحتلّة عام 48، وتشكيل قائمتيْن انتخابيّتيْن (القائمة الموحّدة والقائمة المشتركة)، وفي ظلّ هشاشة الدوْر الذي لعبته "لجنةُ المتابعة العربيّة."

ولا نغفل أنّ الهبّة حصلتْ أيضًا في زمنٍ تراجعتْ فيه القضيّةُ الفلسطينيّة على المستوى الدوليّ. فلم يحصلْ أيُّ تغيّر جذريّ أميركيّ، بعد رحيل ترامب، تجاه القضيّة الفلسطينيّة عمومًا، والقدس خصوصًا. فإدارةُ بايدن لم تلغِ قراراتِ سلفه في ما يخصّ القدس، بل كلُّ ما قالته أنّها ستقدّم مساعداتٍ إنسانيّةً إلى الفلسطينيّين، بما في ذلك استئناف دعمها للأونروا. وعبرّتْ عن مواقفَ لا معنى له عن التمسّك بـ"حلّ الدولتين." وفي السياق نفسه لا بدّ من الإشارة إلى ضعف الموقف الأوروبيّ، بل نفاقِه، في خصوص هذا "الحلّ" المسخ، الذي انتهى عمليًّا، في حين يصرّ الأوروبيّون والأمريكيّون وبعضُ العرب على وجوب العودة إلى حلقة المفاوضات المفرغة.

وعلى المستوى العربيّ، حدثت الهبّةُ وسط تسارعٍ في معدَّلات التطبيع. بل شهدنا وقاحةً من المطبِّعين وادّعاءً بأنّهم يُقْبلون على التطبيع من أجل "مساعدة" الشعب الفلسطينيّ؛ وكأنّ تغطيةَ جرائم الحرب الإسرائيليّة المتمادية في حقّ الفلسطينيّين، واستمرارَ ممارسات التمييز العنصريّ ضدّهم، ومواصلةَ حصار غزّة، جزءٌ من "مساعدتهم"!

أيضًا نشأتْ هذه الهبّة في سياق أزمةٍ في الوضع الداخليّ في الكيان الصهيونيّ، تمثّلتْ أساسًا في حرص نتنياهو على أن يبقى على رأس المشهد السياسيّ هناك، وسعيه إلى الهرب من عقوبة السجن، ولو بإقحام المؤسّسة العسكريّة في مغامراتٍ غير محسوبة.

2 - التداعيات والدروس. كانت للهبّة والعدوان الهمجيّ على غزّة تداعياتٌ لم نشهدْها في الهبّات الشعبيّة الفلسطينيّة السابقة، ولا في الحروب السابقة على غزّة. ومن  أبرز هذه التداعيات وما تضمّنته من دروس:

- إعادةُ تعريف معنى فلسطين بما يناقض أدبيّاتِ اوسلو، التي تهرب إلى استخدام مصطلح "الوطن" من دون أن يعني أنّ هذا الوطن هو فلسطين من النهر إلى البحر. في الهبّة تأكّدتْ وحدةُ الشعب الفلسطينيّ من رفح إلى الناقورة.

- إعادة تعريف المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ بناءً على "الأقانيم" الثلاثة، المتمثّلة في وحدة الشعب والأرض والقضيّة. من أبرز نتائج هذه الهبّة تعزيزُ وحدة الأرض والشعب والقضيّة، بحيث أزيلَ ما يسمّى "الخطّ الأخضر،" وتُجووزتْ حالةُ الانقسام الفلسطينيّ في الداخل المحتلّ، وجرت مراجعةٌ لدور "لجنة المتابعة العربيّة" ولجدوى "النضال" من خلال الكنيست الإسرائيليّ. وفي هذا السياق برزتْ حاجةٌ قويّةٌ إلى إعادة صياغة دور أهلنا في فلسطين المحتلّة عام 48 ضمن المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، في ما يتعدّى علاقتَهم العاطفيّة أو المعنويّة بمنظّمة التحرير، مع مراعاة الخصوصيّات والحساسيّات التي تنطوي عليها هذه العلاقة. مثلُ هذا التعريف هو الردُّ المناسب على النكبة الفلسطينيّة. ذلك لأنّه يعيدنا إلى المربّع الأوّل للصراع، الذي نجم عن اقتلاع الشعب الفلسطينيّ من أرضه عام 1948، لا إلى نتائجه المتمثّلة في حرب 67 واحتلال باقي أرض فلسطين التاريخيّة.

- تسليط الضوء على طبيعة المشروع الصهيونيّ نفسِه، لا في وصفه نظامَ فصلٍ عنصريّ فحسب، وإنّما كيانَ استيطانٍ استعماريّ إحلاليّ أيضًا، لا يختلف في خصائصه العامّة عن ظواهر الاستيطان الاستعماريّ التي شهدها التاريخُ الحديثُ في القرن العشرين أو التاسع عشر. وكانت قد مهّدتْ لهذه المقاربات الجدّيّة تقاريرُ منظّمات حقوق إنسان، إسرائيليّةٌ ودوليّةٌ مهمّة (كتقرير الأسكوا، وتقرير بتسيلم، وتقرير منظّمة العفو الدوليّة)، وكلُّها تصف دولة الكيان الصهيونيّ بأنّها دولة تمييز عنصريّ.

- تظهير مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة في وجدان الشعوب العربيّة والإسلاميّة. حالة التضامن الشعبيّ العربيّ مع الهبّة كانت غيرَ مسبوقة. ولو أردنا الحديثَ عن لبنان فقط، لقلنا إنّ غالبيّة القوى والنخب تجاوزتْ حالةَ الانقسام المذهبيّ والطائفيّ والمماحكات السياسيّة حول تشكيل الحكومة والأزمة الراهنة. وخرجت المظاهراتُ في غير مكان، ومنها مسيراتٌ إلى الحدود مع فلسطين. وكانت أوسلو قد أضعفتْ هذه المركزيّة، لأنّ حجّة المطبِّعين كانت: "أهلُ البيت" طبّعوا، فلماذا لا نطبّع نحن أيضًا؟ اليوم توحَّدَ الشعبُ الفلسطيني خلف الهبّة، فتعزّزت مركزيّةُ القضيّة الفلسطينيّة عربيًّا، وأصيبت أنظمةُ التطبيع بالحرج وتلعثم خطابُها التبريريّ.

- عودةُ مركزيّة القضيّة الفلسطينيّة والحقوق الوطنيّة الفلسطينيّة إلى الواجهة الدوليّة، على المستوى الشعبيّ بشكل خاصّ. وقد شاهدنا على شاشات التلفزيون حركةَ التضامن الدوليّة مع شعبنا، وارتفعت الشعاراتُ التي وصفتْ "إسرائيل" بنظام الفصل العنصريّ. وكان جليًّا لأيّ متتبّع للإعلام الغربيّ أنّ بعضًا منه بات يتحدّث عن جذور المشكلة في العام 48، بل عن حقّ العودة أيضًا،  وعن أنّ معاناة الشعب الفلسطينيّ ليست سوى نتيجةٍ لمواصلة التنكّر لحقوقه.

في هذا السياق نشير إلى مقالة مميّزة للصحافيّ الليبراليّ اليهوديّ بيتر بينارت في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: "يستحقّ اللاجئون الفلسطينيّون العودةَ إلى وطنهم، وينبغي على اليهود استيعابُ ذلك." وهو يقول فيها: "إذا لم يكن للفلسطينيّين الحقُّ في ذلك، فإنّنا لا نملك هذا الحقَّ أيضًا."[3] وأصبحنا نرى في وسائل الإعلام الأميركيّة والأوروبيّة فسحةً أكبرَ للرأي الآخر. كما تعزّز حضورُ منظّمات حقوق الإنسان في إدانتها الكيان الصهيونيّ؛ واليوم صارت لدى هذه المنظمات حجّةٌ أقوى لمواصلة إصدار تقاريرها وتشخيص طبيعة هذا الكيان العنصريّة، وتعزيز مطالباتها بعدم إفلات مجرمي الحرب الإسرائيليّين من العقاب.

وفي السياق ذاته عزّزت الهبّةُ دورَ محكمة الجنايات الدوليّة بعد توقيع فلسطين على اتفاق روما، وفيه اعترفتْ بولايتها على الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. وارتفعتْ أصواتُ قانونيّين دوليّين تطالب بطرح موضوع "الحماية الدوليّة للشعب الفلسطينيّ" على هذه المحكمة. وأبعدَ من ذلك، حاجج بعضُهم بامكانيّة إحالة حقّ العودة - وفقًا لقواعد القانون الدوليّ - على المحكمة ذاتها، وجادل القانونيُّ الدوليُّ المعروف جون كويغلي بأنّ "أحداث العنف في فلسطين وإسرائيل تلقي الضوءَ على ضرورة حلّ القضايا الأساسيّة التي استمرّت في توليد الاضطرابات لمدّة قرن، وعلى رأسها قضيّةُ اللاجئين العرب من عام 1948."[4]

كما عزّزت الهبّةُ أيضًا دورَ حركة المقاطعة العالميّة (BDS)، بأعمدتها الثلاثة (إنهاء احتلال الأراضي العربيّة بعد 67، وإنهاء التمييز العنصريّ داخل فلسطين المحتلّة عام 48، وحقّ العودة).

- ظهور تحوّلات في موقف الجاليات اليهوديّة في العالم. فقد شهدنا كيف أنّ الشبابَ اليهوديّ، خصوصًا في الجامعات وأوساط الليبراليّين، بدأ يدرك أنّ "إسرائيل" ليست دولةً "مسكينةً" ومستضعفة سيقوم العربُ برمي مستوطنيها في البحر، وإنّما هي دولةٌ معتديةٌ تقتل الأطفالَ والنساء بدمٍ بارد.

- الصراع على الصورة والرواية. فوزيرُ الحرب الإسرائيليّ اجتمع مع المديرين التنفيذيّين لفايسبوك وتيكتوك لكي تحذفا أيَّ محتوًى "يعادي الساميّة،" أيْ يعبِّر عن نقد "اسرائيل." ملاحظة: قال أحدُ المحلِّلين إنّ جرائم الإسرائيليّين سنة 48 ما كان لها أن تحدث لو كانت هناك وسائلُ تواصلٍ مثل اليوم؛ أمّا اليوم فلم يعد بإمكانهم إخفاءُ أيّ شيء. فالصورة لعبتْ دورًا كبيرًا في دحض الرواية الإسرائيليّة، وتعزيز الرواية الفلسطينيّة. ويعود ذلك، بالطبع، إلى صمود الشعب الفلسطينيّ أوّلًا، وإلى تعاظم دوْر وسائل التواصل والإعلام في العالم ثانيًا. ولعب الشبابُ في فلسطين والشتات ومناصري القضيّة الفلسطينيّة في العالم العربيّ وفي العالم أجمع دورًا رائعًا في إيصال المحتوى الفلسطينيّ إلى وسائل التواصل الاجتماعيّ. وفي هذا السياق أوردتْ صحيفةُ هآرتس مؤخّرًا أنّ عدد "الهاشتغات" الفلسطينيّة خلال الهبّة بلغ بليونًا، مقارنةً بمائة بمليون للهاشتغات الإسرائيليّة.

هناك نقطتان أخيرتان أحبّ أن أنهي بها مداخلتي. الأولى تتعلّق بـ"التدخّل الإنسانيّ" للتخفيف من الكارثة الإنسانيّة التي ضربت القطاعَ. فقد أعلنتْ مصر عن استعدادها للتبرّع بمبلغ 500 مليون دولار لإعمار قطاع غزّة من خلال إسناد دور مباشر إلى شركات الاستثمار المرتبطة بالجيش المصريّ. ومن المعلوم أنّ مصر لم تتبرّعْ من جيبها الخاصّ، بل من جيب دولة الإمارات العربيّة. ونحن نتخوّف من الدور المصريّ في الإعمار لِما له من محاذيرَ أمنيّةٍ وسياسيّة؛ فالهدف هنا ليس المردودَ الاقتصاديَّ وحده.

النقطة الثانية والأخيرة هي: كيف نَستخدم هذه الهبّةَ من أجل بلورة مشروع وطنيّ جديد، وإنهاءِ حالة الانقسام، وإعادةِ بناء منظّمة التحرير ومؤسّساتِها التمثيليّة، وتحويلِ الخطاب الفلسطينيّ إلى خطاب مقاومةٍ وحركة تحرّر؟ أقول ذلك خصوصًا بعد أن بتنا نشهد دعواتٍ أوروبيّةً وأميركيّةً مريبةً تدعو إلى التفاوض غير المباشر مع حركة حماس بعد الاعتراف بصعودها. وهذا النمط من التفاوض "غير الرسميّ" يذكِّرنا بمفاوضات إدارة ترامب مع حركة طالبان في قطر، كما يذكّرنا بمفاوضات إدارة بايدن مع الحوثيّين.

إزاء ذلك، المطلوب من حركتيْ حماس وفتح وكلّ الفصائل الفلسطينيّة إعادة الاعتبار إلى الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، بوصفها حركةَ تحرّرٍ وطنيٍّ في مواجهة الكيان الصهيونيّ، ليس بوصفه دولةَ أبارتهايد فحسب، بل لكونه في الأساس مشروعًا استعماريًّا استيطانيًّا إحلاليًّا، وأحدَ آخر الكيانات الاستيطانيّة التي يشهدها العصر.

صيدا

 


[1] انظر اللاجئون والمهجَّرون الفلسطينيّون، المسح الشامل 2016-2018، الإصدار التاسع (البيرة: بديل، المركز الفلسطينيّ لمَصادر حقوق المواطَنة واللاجئين)، متوفّر على: https://www.badil.org/phocadownloadpap/badil-new/publications/survay/survey2016-. 2018-ara.pdf.

وانظر أيضًا: "73 عامًا من النكبة المستمرّة، 73عامًا من المقاومة المستمرّة،" متوفّر على: https://www.badil.org/ar/publications-ar/press-releases/94-2021/5142-pr-ar-100521-09.html

[2]  للاطّلاع على سياسات التهجير القسريّ التسع بالتفصيل، وعلى الإحصائيّات ذات الصلة الواردة أدناه، تمكنكم مراجعة أوراق العمل  (15، 16، 17،19، 20،21،22،23  (على صفحة بديل – المركز الفلسطينيّ لمَصادر حقوق المواطَنة واللاجئين عبر الرابط: 

https://www.badil.org/ar/publications-ar/research-ar/working-papers.html

[4] John Quigley, “ The Palestinian Right of Return Could Go the ICC,” Opinio Juris, 17/5/221

كلمات مفتاحية