د. كمال حمدان لـ "الآداب": الأزمة الاقتصادية اللبنانية وكيفية الخلاص
07-11-2019

 

(حوار أجراه: بشّار اللقّيس)

أجرت الآداب حوارًا شاملًا مع الدكتور كمال حمدان، تناول الأزمة الاقتصاديّة اللبنانيّة، والحراكَ الشعبيّ اللبنانيّ الحاليّ. والدكتور حمدان هو مستشار اقتصاديّ، والمدير التنفيذيّ لـ"مؤسّسة البحوث والاستشارات في لبنان."

***

 

*كيف توصف الأزمةَ اللبنانيّة اليوم، دكتور كمال؟

- هي انعكاسٌ للنظام السياسيّ الاقتصاديّ الذي نما منذ بداية التسعينيّات في لبنان. إنّها أزمةٌ تقع ضمن مجال الاقتصاد السياسيّ، لا الاقتصاد فحسب. فمن الطبيعيّ أن تتجلّى في النظام الماليّ، والاجتماعيّ، والنقديّ، وعلى المستويات كافّةً.

نشأ النظامُ الريعيُّ في بلادنا بعد الحرب الأهليّة، ولقي بيئةً مؤاتيةً بعد حرب الخليج الثانية بفعل حدثيْن كبيريْن وقعا في الشرق الأوسط: التحالف الدوليّ لتحرير الكويت الذي جمع دولًا عدّة – بينهما السعوديّة وسوريا – تحت المظلّة الأميركية، وتوقيع اتفاق أوسلو الذي ادّعى إيجادَ حلٍّ للقضيّة الفلسطينيّة.

آنذاك، وُعِدَت المنطقةُ بأسْرها بـ"السلام،" وبـ"شرقٍ أوسطَ جديد،" وبأنصبةِ ربحٍ توزَّع على الأنظمة التي ستشارك في بناء مسار السلام الشرق الأوسطيّ، وبإعادة هيكلة الاقتصاد العامّ للمنطقة بعد توطين اللاجئين الفلسطينيين. وترافق هذان الحدثان مع تقدّم العولمة خطواتٍ سريعةً، وتكاثُرِ الحديث عن "تحوّل العالم إلى قريةٍ كبيرةٍ" محكومةٍ بمبادئ تحرير المبادلات التجارية وتعزيز اقتصاد جانب العرض المتمحور حول القطاع الخاصّ، بالتزامن مع اتجاهٍ عامّ نحو تقليص دور الدولة وتقييد الحماية الجمركيّة، تسهيلًا لعمليّات تبادل السلع والخدمات والاستثمارات.

في إطار هذيْن الحدثيْن الكبيريْن، واستجابةً لمندرجاتهما المرتقبة، جرى التمهيدُ لبنانيًّا للإطاحة بحكومة عمر كرامي، ومجيءِ رفيق الحريري، وسط رعاية سوريا والسعوديّة لحُكمِ الأخير، وبقبولٍ من الإدارة الأميركيّة.

على المستوى الاقتصاديّ، كان ثمّة نقاشٌ في السبيل الذي سيمضي به الاقتصاد. وشمل هذا النقاش مفاضلةً "ذهنيّةً" بين خياريْن دَرَجَ الحديثُ عنهما آنذاك: "هانويْ أمْ هونكونغ؟" أيْ: هل سيكون اقتصادُ البلد قائمًا في الغالب على الاستهلاك والسياحة والتجارة والريْعِ والخدمات؛ أمْ على الاستثمار في القدرات الذاتيّة والموارد البشريّة، وعلى الميزات النسبيّة لقطاعات الإنتاج المختلفة، وبخاصّةٍ فروعها المهيّأة للتطوّر التكنولوجيّ والمنفتحة على إنتاج قيمٍ مضافةٍ محلّيّةٍ عالية؟

هكذا جرى الترويج لخيارٍ يسعى (مع كثيرٍ من الادّعاء والفوقيّة والمبالغة) إلى محاكاة نموذج هونكونغ، مصحوبًا بمراهناتٍ داخليّةٍ معقودةٍ على مندرَجات الوصاية الإقليميّة ومفاعيل ظاهرة العولمة. وهكذا، "بشحطة قلم،" خفّضنا الحمايةَ الجمركيّةَ على الصناعة والزراعة من 18% وسطيًّا إلى 5% في أواسط التسعينيّات. واستسهلنا فكرةَ تحويل اقتصاد البلد إلى اقتصاد تقوم محدِّداتُ النموّ الأساسيّة فيه على الاستهلاك الاستيراديّ، الذي تتحكّم به مجموعاتٌ احتكاريةٌ عاتيةٌ ذاتُ شركاء داخل السلطة. ولم يعد تطويرُ الإنتاج المادّيّ، ولا الاستثمارُ المنتِج، ولا تصديرُ السلع والخدمات "النبيلة،" ولا العملُ على إيجاد فرص عملٍ لائقةٍ لمُخرَجات التعليم الجامعيّ، محلَّ اهتمام الدولة. ووُظِّفتْ في القطاع التعليميّ ملياراتُ الدولارات من دون أيّ فائدةٍ مباشرةٍ وذاتِ شأن، وذلك في إطار استمرار هذا النمط الريعيّ. فبدلًا من أن نستثمرَ في الطاقات الجامعيّة التي أينعتْ وحان قطافُ ثمارها محلّيًّا، صارت معظمُ هذه الطاقات فعليًّا خارج سوق العمل. وبدلًا من التصدير الإنتاجيّ، قمنا بتصدير الطاقات الجامعيّة، على اعتبار أنّها ستؤمِّن تدفّقَ المال من الخارج إلى خزانات المصارف، وأنّ جزءًا من هذا المال سيعود بأشكالٍ شتّى إلى مصرف لبنان. باختصار، أوهمونا أنّنا سنخرج بصيغة "رابح - رابح" للجميع!

هذه هي النظرة التي حكمَتْ رؤيةَ الطبقة السياسيّة اللبنانيّة بعيْد اتفاق الطائف وطوال مرحلة التسعينيّات. وهذه النظرة الاقتصاديّة الريعيّة اللبنانيّة التي راهنتْ على التوسّع في الإنفاق الجاري غير المنتِج، ومن ثمّ راهنتْ على مراكمة العجوزات الماليّة عامًا بعد عام، رفضتْها بعضُ المصارف بادئَ الأمر، لكونها هي التي سوف يُطلب منها تمويلُ هذه العجوزات وتحمُّلُ مخاطرها. إلّا أنّها عادت فاستجابت لها بشكلٍ كلّيّ بفعل إغراءات معدَّلات الفائدة العالية الممنوحة للمصارف، وبفعل التشابك الكبير في المصالح التي تربط بين كبار المصرفيين وقوًى متنفّذةٍ داخل السلطة.

إليكم دروسًا من الماضي: فلنذكّرْ بأنّ الاقتصادَ اللبنانيّ قد خسر نصفَ الناتج المحلّيّ بسبب النتائج الاقتصاديّة للحرب الأهليّة وللسياسات العامّة المتَّبعة بين العاميْن 1974 و1992. وبالتالي كان ينبغي على الاقتصاد أن يسجِّلَ معدّلاتِ نموٍّ مرتفعةً كي يعوِّضَ خسائرَ هذه الحرب. وقد سجّل لبنانُ في السنتين الأولييْن ما بعد حكومة رفيق الحريري معدّلاتِ نموٍّ مرتفعةً فعلًا، إلّا أنّ هذه المعدّلات انخفضتْ بعد ذلك بشكلٍ حادّ إلى ما دون المستوى الذي يَسمح بردم فجوات النموّ التي تسبّبتْ بها الحربُ الأهلية. وهذا ما دعا رفيق الحريري إلى الذهاب باتجاه ترسيخ "زواج كاثوليكيّ" مع المصارف كي تنخرطَ بصورةٍ عضويّة في أداء دور المموِّل النهائيّ لعجوزات الدولة، عبر انتظام مساهمتها في شراء سنداتِ الخرينة، سواء بالليرة اللبنانيّة أو الدولارِ الأميركي. وخرجت المصارفُ والدولةُ رابحةً من هذه الأزمة: إذ تمكّنت الأولى من مراكمة الفوائد والأرباح ورؤوس الأموال الخاصة، ووجدت الثانيةُ مَن يموِّل إنفاقَها غيرَ المنتِج، وسط غياب الموازنات النظاميّة لأكثر من 11 عامًا. وضاعت عمليًّا ودائعُ المواطنين بين هذيْن الفريقيْن!

والحقّ أنّني كنتُ شاهدًا على أحد اللقاءات التي دعا إليها رفيق الحريري من أجل نقاش مسار الاقتصاد اللبنانيّ ("الخلوة الاقتصاديّة" في صيف العام 1997)، وشارك فيه عددٌ كبيرٌ من الوزراء ورؤساء الفعّاليّات الاقتصاديّة، وعددٌ صغيرٌ من الخبراء المستقلّين. حينها، بدا أنّ الاقتصادَ اللبنانيّ قد دخل مرحلةَ انعطافٍ حاسمة - هي مرحلةُ حتميّة التعايش (البنيويّ والطويل الأمد) بين الدولة والمجتمع من جهة، ومشكلة العجز الماليّ، ومن ثمّ الديْن العام، من جهةٍ ثانية. وهو ما قضى بتأكيد أواصر التحالف الموضوعيّ بين أركان السلطة وكبريات المصارف في تعاطيهما مع حيثيّات هذه المشكلة ونتائجها. وقد أدار رفيق الحريري الحوارَ آنذاك بالعصا، فحُسم الخيار: إلى مزيدٍ من الاستدانة والاقتصاد الريعي والتورّم الماليّ. ولم تعد المفاضلةُ بين خياريْ هونكونغ وهانوي ذاتَ شأن.

طوال ربع قرن، كنّا عمليًّا نقوم ببناء "طرابيش" أو "طواحين هواء" تقضي بتدوير رؤوس الأموال الوافدة إلى مصارفنا عبر قنواتٍ خارجيّةٍ عدّة (التحويلات، الاستثمار الأجنبيّ المباشر، صادرات الخدمات، الاقتراض من الخارج،...) من أجل تلبية احتياجات استهلاك القطاعيْن العامّ والخاصّ أساسًا، من دون أيّ اهتمام فعليّ بتطوير قطاعات الإنتاج وبخلق فرص عمل. وقد استمرّت هذه السياسة طوال هذه المدّة لأنّ المتغيِّرَ الاقتصاديَّ الأهمّ - وهو معدّل نموّ الودائع المصرفيّة التي كانت تلجأ إليها الدولةُ بغرض الاستدانة - كان يحلِّق على مستوياتٍ عالية. إلى أن أتت "لحظةُ الحقيقة" بعد العام 2010، حين بدأتْ قنواتُ تدفّق الأموال من الخارج تجفّ الواحدة بعد الأخرى.

 

*هل كانت الأرقامُ الإيجابيّة لزيادة الودائع في المصارف هي ما طمأن السلطةَ إلى "حسن أداء" البنية الاقتصاديّة الوطنيّة؟

- بدايةً يجب أن نفهم لماذا زادت ودائعُ المصارف؟ أولًا، بسبب ازدياد حجم إنتاج النفط في الدول الخليجيّة. ثانيًا، بسبب زيادة هجرة اللبنانيّين للعمل أساسًا وللتعليم. ثالثًا، جرى "تقديسُ" موضوع الاستثمار العقاريّ، قِبْلةٍ المستثمرين؛ فدخلت المصارفُ على الخطّ من أجل تمويل المضاربات العقاريّة وتشجيعِ القروض السكنيّة، بما فيها القروضُ المدعومةُ من الدولة. فصار الاقتصادُ الريعيّ قائمًا على ركنيْن: الاستهلاك العامّ والخاصّ، والاستثمار في العقار - - مع المراهنة دائمًا على استمرار ارتفاع سعر العقار بحيث يؤمِّن ريوعًا ريعيّةً لكبار المستثمرين في هذا القطاع.

ولا بدّ هنا من ملاحظةِ أمرٍ غايةٍ في الأهمّيّة، وهو أنّ سياسةَ القروض السكنيّة المدعومة كانت تذهب إلى المتنفّذين بدلًا من أبناء الطبقة الوسطى وما دونها. فصارت جزءًا من إعادة إنتاج النظام لنفسه، بدلًا أن تكون جزءًا من سياسة الدولة الاجتماعيّة لحلّ مشكلة الفئات الوسطى وما دونها!

بالمحصّلة، كانت زيادةُ الودائع أمرًا مطمئِنًا للدولة التي وجدتْ أنّها، مهما استدانت وغرقتْ في مديونيّتها، فستنجو دائمًا بفضل وجودِ مَن ينقذُها، أي المصارف التي تجني في المقابل الفوائدَ والأرباحَ المرتفعة. وشكّل الارتفاعُ الهائل في حجم الأموال الخاصّة لدى المصارف (ارتفعت من نحو 250 مليون دولار عام 1993 إلى نحو 23 مليار دولار راهنًا!) جزءًا لا يتجزّأ من "ثمار" السياسات العامّة المتّبعة. ويضاف إليها ما قدّمتْه المصارفُ من مكافآت ومِنح وخدمات ماليّة إلى مساهميها وعملائها وكبار موظّفيها، ما يجعل الأرباحَ الحقيقيّةَ أكبرَ بكثيرٍ من قيمة الأرباح الدفتريّة المعلَن عنها.

 

* إذًا، ما الذي حدث اليوم كي يتعثّر اقتصادُنا بهذا الشكل؟

- الإشكاليّة الحقيقيّة أنّ الأمور كلّها تغيّرت اليوم. الأحداث التي وقعتْ في منطقتنا غيّرتْ من موقع لبنانَ في سلّم الأولويّات بالنسبة إلى العديد من الأطراف الإقليميّة والدوليّة. وقد برزتْ بشكل خاصّ منذ العام 2011 مسألةُ العجوزات في حسابات لبنان الخارجيّة، لا سيّما العجز في ميزان المدفوعات (الذي يشمل: حصيلةَ تجارة السلع وتجارةِ الخدمات، وتحويلات غير المقيمين ناقصةً تحويلاتِ المقيمين غير اللبنانيّين في لبنان إلى الخارج).

وللعلم، فقد حصل العجزُ في ميزان المدفوعات في مرّاتٍ عديدةٍ قبل ذلك العام، لكنْ ليس على هذا النحو الفاقع، بل بشكلٍ موضعيٍّ ولفتراتٍ آنيّة. ومَن يراقب تطوّرَ الاقتصاد اللبنانيّ يلاحظ أنّ مثلَ هذا العجز الخارجيّ لم يحصلْ حتى خلال سنوات الحرب الأهليّة. فقد اختلف الوضعُ بعد العام 2011 - بحسب ما أشرنا إليه أعلاه - بسبب تقلّص مصادر تدفّق الأموال الخارجيّة إلى لبنان:

- فقد انخفضتْ بشكلٍ مريعٍ صادراتُنا من السلع والخدمات.

- كما تقلّص الاستثمارُ الأجنبيّ المباشر، المتدفّقُ في معظمه من رعايا عربٍ - خليجيين أساسًا - لشراء بيوتٍ وقصورٍ في لبنان وللاستثمار في مجمّعاتٍ تجاريّةٍ وفنادق، إلى حدود النصف. لا بل إنّ بعضَ المستثمرين العرب باع أملاكَه وبدأ بنقل العملة الصعبة إلى الخارج في السنوات الخمس الأخيرة.

- أمّا تحويلاتُ المقيمين في الخارج (6.5 - 8 مليار دولار سنويًّا)، فقد تواصل تدفّقُها حتى العام 2018، ولكنّها اتجهت نحو التراجع في العام الحاليّ نتيجةً لاهتزاز الثقة بالوضع الاقتصاديّ والماليّ، وصارالمحوِّلون يفضِّلون الإبقاءَ على المال والدولار في الخارج.

- وانعدمت القروضُ الدوليّة التي كان لبنان يتلقّاها (مؤتمرات مثل باريس 1 وباريس 2 وباريس 3) وسط الشكّ في نمط إدارة الطبقة السياسية لأزمات البلد المتعددةَ. وإذ يُستثنى من ذلك مؤتمرُ "سيدر" (2018)، الذي كان تنفيذُ توصياته مشروطًا بتعهّداتٍ كبرى، فإنّ المفارقة هي أنّ الحكومة التي تعهّدتْ بتخفيض العجز 1% سنويًّا، وبشكلٍ تراكميّ لمدّة خمس سنوات، أنهت العام نفسه (2018) بعجزٍ بلغ 11.5% من الناتج المحلّيّ.

 

* لكنّ الحكومة وعدتْ بتغييرات جادّة، وبرزمةٍ من الإصلاحات. كيف وجدتم هذه التغييرات والإصلاحات؟

- مَن يراقب تعهّداتِ الحكومة الاقتصاديّة، دوليًّا وداخليًّا، لن يَصعبَ عليه اكتشافُ عدم أهليّةِ الطقم الحاكم وسياساته الاقتصاديّة لتنفيذ غالبيّة تلك التعهّدات؛ حتّى إنّ قرارات مثل قرارات "الورقة الإصلاحيّة" الصادرة عن الحكومة المستقيلة [قبل أيّام] تكاد تجدُها تكرارًا لِما ورد في بياناتٍ وزاريّةٍ سابقة، ولا تعدو كونَها وعودًا غيرَ قابلةٍ للتنفيذ. فالطبقة السياسيّة تفتقر إلى الخبرات الضروريّة اللازمة في الإطاريْن التشريعيّ والمؤسّساتيّ، وثمّة شكوكٌ عظيمةٌ في قدرتها على المواكبة والمتابعة، وفي مدى جدّيّة احترامها لعامل الوقت في الالتزام بالجدولة الزمنيّة للمشاريع الموعودة. ذلك لأنّ طبيعة الدولة اللبنانيّة، التي هي في الواقع أقربُ إلى"ائتلافٍ دويْلات،" تفرض "جوازَ مرور" في العلاقة ما بين الزعيم الطائفيّ وجسمِ الموظّفين المنتمين إلى طائفته، من أعلى هرم الدولة إلى أسفله.  هذا فضلًا عن "التحاصص،" وغياب الموازنات طوال 12 عامًا.

 

* الحكومة لم تُعِدّ موازنةً طوال اثنيْ عشر عامًا؟!

- نعم. هناك 12عامًا صدرتْ فيها موازناتُ شكليّة من دون "قَطْع حساب" على الرغم من وجود نصوص من قرابة 1000 صفحة على الورق، ولكنْ ما من جهةٍ رسميّةٍ قادرةٍ فعلًا على تقدير مدى تنفيذ موازنات إداراتها والتدقيق فيها! ونحن لا نعلم مدى صحّة الأرقام التي يقال إنّ الإنفاق العامّ قد انتهى إليها في آخر العام، ولا نستطيع أن نعرف إنْ كانت وارداتُ الدولة في نهاية العام متطابقةً مع توقّعاتها في بداية العام.

 

* من يتحمّل المسؤوليّة؟

- يتحمّل مجلسُ النوّاب مسؤوليّةً كبيرةً عن هذا الخلل الفاضح، ويكاد عملُه الرقابيّ يكون معدومًا. والواقع أنّ هذا جزءٌ من اللعبة لتسهيل السطو على المال العامّ. وللدقّة، فإنّ نظام التحاصص يطول المستوياتِ كافّة: من البرلمان، إلى الحكومة، إلى مؤسّسة الرئاسة. الكلّ مسؤول!

وإذا أردنا ترجمةَ ذلك لناحية الهدر، فقد قدّر الخبراءُ الهدرَ في لبنان سنويًّا بقرابة 15 - 20% من الناتج المحلّيّ، أيْ بحوالي 10 مليارات دولار سنويًّا! هذه هي ضريبةُ النظام التحاصصيّ السياسي الطائفيّ. لقد صرفنا، كدولة، 240 مليار دولار في ربع قرن، 7% منها فقط للاسثمار، والباقي للاستهلاك (محروقات، وكهرباء، ومعاشات، وخدمة ديْن عامّ). لقد كان للبنان 60 ألف موظّف بدايةَ الحرب الأهليّة، أمّا اليوم ففي لبنان 300 ألف موظّف. حجمُ القطاع العامّ ونوعُ إنتاجه الراهنان قد لا يتطلّبان أكثرَ ممّا كان موجودًا سنة 1975! إذًا، كيف للاقتصاد أن يقوم في ظلّ طغيان إنفاقٍ زبائنيّ غيرِ منتِج وغير استثماريّ، جرى تبديدُ أغلبه على الاستهلاك العامّ؟ بل إنّ دراساتٍ دلّتْ على أنّ هذا المستوى من الإنفاق العامّ قد بلغ ضعفَ ما أُنفِق في خطّة مارشال لإعادة إعمار أوروبا ما بعد الحرب العالميّة الثانية. ومع ذلك فإنّنا لا نزال إلى اليوم بلا كهرباء ولا ماء!

ومن تداعيات هذا النمط الريعيّ من الإنفاق غير المجدي أنّ الجميع مشاركٌ بنسبةٍ أو أخرى في التضرّر من مزاريب الانفاق التحاصصيّ. فمن جهة، هناك عمومُ الناس الذين تراجعتْ مداخيلُهم الحقيقيّة، وواجهوا المزيدَ من الفقر والبطالة، مع وصول البطالة بين الشباب (ما بين 15 و35 سنةً) إلى نحو 30%؛ أيْ إنّ هناك شابًّا واحدًا من بين كلّ ثلاثة شبّان لا يملك عملًا. فضلًا عن أنّ مَن "يعمل" إنّما يعمل بأجورٍ لا تزيد كثيرًا عن الخطّ الأعلى للفقر، أو يعمل وفق شروطٍ غير مناسبة على مستوى الضمانات والتأمينات. ويساهم أركانُ الطوائف وحيتانُ المال في تغذية هشاشة نظام العمل بأجر، وذلك عبر ممارستهم للمنطق الزبائنيّ الذي يحكم علاقةَ الزعيم بقاعدته (من خلال التوظيف، وتشجيع التهرّب الضريبيّ، واحتلال المساحات العامّة، والاستيلاء على المشاعات والقروض السكنيّة). وهذه الممارسة الممنهجة كانت تسمح بها معدّلاتُ ارتفاع الودائع في المصارف سابقًا، وهي انتفت في السنوات الأخيرة، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه.

 

* هذا يقودني إلى السؤال عن انعكاس الأزمة الاقتصاديّة اللبنانيّة على الطوائف والمجتمع.

- نحن نعيش مرحلةً بدايةِ انفكاكِ جمهورِ الطوائف عمَّن يقودُها! وظهر ذلك بشكلٍ صارخٍ في الانتفاضة التي لم يَحسبْ لها أحدٌ حسابًا. وهنا ينبغي تسجيلُ ظواهرَ وضّاءةٍ ودالّةٍ في طرابلس وصور والنبطيّة، حيث وجدنا شرائحَ من داخل المنظومة الطائفيّة تنخرط في الحراك.

أكرّر: نحن أمام بداية انفكاك الجماهير والطبقات الوسطى عن التشكيلات الطائفيّة. وهذا يطرح تساؤلاتٍ عن مآلات هذه الحركة الشعبيّة. ولدينا هنا عدّة احتمالات، أهمُّها:

الأوّل: تعكير صفو الحراك من خلال توتير المناخ الطائفيّ. وهذا "حلٌّ" قصيرُ النفس، يُفضي إلى القمع والإحباط على المدى القصير، لكنّه لا يحلُّ الإشكاليّة، بل يعمِّقُ أسبابَ التململ الاجتماعيّ لاحقًا.

الثاني: خلقُ تباينات من قلب قوى الحَراك حيال بعض المسائل (كمسألة النازحين، وسلاح حزب الله، والمسألة السوريّة،...). وقد وقعتْ مثلُ هذه المحاولات في الأسبوعيْن الماضييْن، إلّا أنّها لم توفَّقْ، وجرى بشكلٍ عامٍّ حصرُها.

الثالث: مثابرة الغالبيّة الواعية على مواصلة الحراك، والعمل على إيجاد قيادةٍ مرنةٍ للحَراك، يتمّ بناؤها "من تحت" لا "من فوق." وهذا أمرٌ غايةٌ في الصعوبة، نظرًا إلى تشتّت قوى الحَراك وضعفِ خبرتها أمام أهل السلطة. والسودان مثالٌ حيّ، حيث أخذت المعارضة في الشارع قرابةَ العامّ حتى استطاعت أن تشكّلَ إطارًا قياديًّا لها. وهنا تحدٍّ كبيرٌ بالنسبة إلينا.

 

*ألا ترى، دكتور، أنّ ثمّةَ مخاطرَ على المقاومة؟ ألا يمكن أن يتحوّلَ هذا الحَراكُ إلى تهديدٍ للمقاومة، وإلى اقتصاصٍ سياسيٍّ منها؟

- نحن اليوم أمام منعطف تاريخيّ بين فضائيْن سياسيّيْن: 1) فإمّا أنْ ننتقلَ من خلال الحَراك إلى وطنٍ حقيقيّ ودولةٍ عصريّة تقود عمليّةَ معالجة الإرث الثقيل للدولة الطائفيّة؛ 2) وإمّا أن نرتدَّ مجدّدًا إلى الهويّات الضيّقة وما دون الوطنيّة، فيعيدَ النظامُ تشكيلَ نفسه في أطرٍ طائفيّة، يتولّى الزعيمُ في كلٍّ منها قمعَ "جمهوره" داخل نطاق سلطته الجغرافيّة.

إذا دخلنا في المنحى الثاني، لا سمح الله، فإنّنا نكون قد خدمنا محاولاتِ الفرز والتفتيت والتقسيم التي تبشِّر بها مشاريعُ الإدارة الأميركيّة و"إسرائيل" في المنطقة عمومًا، وذلك بخلق كياناتٍ مذهبيّةٍ صغرى، تُقسِّم المقسَّمَ، وتفتّت الوطن. وهذا ما ينبغي على المقاومة تحديدًا، وعلى حزب الله بشكلٍ خاصّ، التنبّهُ إليه.

نحن نقول هذا الكلامَ من منطلق حرصنا على ضرورة تحسين شروط مواجهة "إسرائيل" والتكفيريين والمشاريعِ الإمبرياليّة. فالتفرُّغ لخوض المقاومة طوال الأعوام الخمسة والعشرين المنصرمة لم يَحُلْ دون تحكّم أرباب الفساد بالاقتصاد اللبنانيّ على نحوٍ مخيفٍ وفظّ. ومحاولةُ استدراك الأمور ووقفِ عمليّات الهدر من جانب المقاومة في العاميْن أو الأعوام الثلاثة الماضية، بدت - في ظلّ نظام طائفيّ كالنظام اللبنانيّ - محاولةً قاصرةً وعديمةَ الفعّاليّة.

ومن ثمّ فإنّه لا بدّ من إحداث خرقٍ في طبيعة هذا النظام بعدما جرّبنا كلَّ صيغه الطائفيّة والمذهبيّة على امتداد قرن تقريبًا، ولم تُنتجْ إلّا تركّزَ السلطة والثروة والدخل لدى القلّة، وانتشارَ البطالة والفقر والتهجير في صفوف غالبيّة اللبنانيين! ونحن نتطلّع اليوم إلى أن تجري الاستفادةُ من هذه الفرصة للمساهمة في عمليّة التغيير وتوجيهها نحو برّ الأمان الوطنيّ.

 

*ماذا تقول للحَراك؟ وكيف يمكن الخروجُ من عنق الزجاجة الاقتصاديّة بالنسبة إلى الجميع؟

- في رأيي أنّ أقصرَ الطرق للخروج ممّا نحن فيه هو:

 أوّلًا، تحقيقُ نوعٍ من الخرْق في المنظومة السياسيّة القائمة على المحاصصة الطائفيّة، من خلال: 1) حكومة من نوع جديد، من خارج المنظومة الطائفيّة، تتولّى تنفيذَ خطّةٍ محدّدة، أهمُّ بنودها: التحضيرُ لانتخابات نيابيّة مبكّرة وفق قانون غير طائفيّ ووفقًا للدستور. 2) استعادة المال العام المنهوب (وهنا يمكن أخذُ الكثير من الإجراءات المحدّدة). 3) إصلاح النظام الضريبيّ من خلال نظام ضريبيّ تصاعديّ، يأخذ في الاعتبار أنّنا نعيش في ثالثِ أسوأ بلدٍ في العالم لناحية عدم المساواة، إذ يمتلك 1% من السكّان نحو 40% من مجمل الثروات، بينما يمتلك 0.7% من المودعين أكثر من 55% من مجمل ودائع القطاع المصرفيّ! 4) العمل على إقفال مزاريب النهب والهدر في الانفاق العامّ. 5) تعزيز البنى التحتية شرطًا للنهوض بقطاعات الإنتاج.

ثانيا، قطعُ الطريقَ على أيّ مشاريع أجنبيّة ترمي الى توجيه الحراك - عبر جماعاتها -  نحو أهدافٍ خاصّةٍ، لا صلة لها بمصالح اللبنانيين الحيويّة والفعليّة.

بيروت