Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حوار مع البروفيسور عبد القادر الفاسي الفهري: الفصحى، اللهجات، الفرنسيّة، الأمازيغيّة (ملفّ)

حوار

 

أجرى الحوار: عبد الحقّ لبيض

نرحّب بالبروفيسور الفاسي الفهري، ونشكرُه على قبول دعوة "الآداب" للتحاور معه في الشأن اللغويّ، وفي القضايا التي تهمّ العربيّة باعتبارها لغة الحضارةِ والهويّةِ واللاحمَ الأساسَ لهذه الأمّة الغارقة في التشظي والاحتراب. ونبدأ حوارَنا بالتساؤل عن الأبعاد الثاوية خلف الاحتفال باليوم العالميّ للغة العربيّة، الذي أقرّته منظمةُ اليونسكو؟

الفاسي الفهري: العربيّة هي من بين ستّ لغات مقرّرة رسميًّا في منظّمة الأمم المتحدة، إلى جانب الفرنسيّة والإنجليزيّة والصينيّة والروسيّة والإسبانيّة، التي تحظى جميعُها بأيّامٍ عالميّة. المغزى من الاحتفال هو الوقوفُ على ما عرفتْه هذه اللغةُ من منجزاتٍ تاريخيّة، والتعريفُ بمكانتها في محفل الإنجاز الحضاريّ؛ والوقوفُ أيضًا مع الذات، وتذكيرُ أبنائها الناطقين بها والمحفلِ الدوليّ بما قامت وما زالت تقوم به.

 

اقترن حديثنا عن اللغة، عادةً، بخطاب الأزمة؛ فلقد أصبح يُرى إلى العربيّة عائقًا نحو التنمية. هل تحمل العربيّة، في بنياتها التركيبيّة والتداوليّة، عناصرَ ضعفها وتخلفها عن مجاراة الركب الحضاريّ الذي تقوده لغاتٌ "أكثرُ استجابةً" للتطوّرات العلميّة؟ أمْ أنّ أزمة العربيّة تعود إلى ضعف القرار السياسيّ العربيّ؟ أمْ أنّها انعكاسٌ طبيعيٌّ للأزمة الحضارية للأمّة العربيّة؟ ألا نحتاج إلى تبنّي رؤية مركّبة، بدل المنظور الأحاديّ، إلى مشكلات لغتنا؟

مواقعُ اللغات ترتبط بقوّة الأمّة أو الدولة ــــ الأمّة التي تنطق بها. ولنا في الفرنسيّة خيرُ مثال. فقد بدأ تقهقرُ هذه اللغة عالميًّا منذ سنة 1919 حين تمّ التوقيعُ على معاهدة فرساي (بين أميركا وفرنسا وأطرافٍ أخرى) باللغة الإنجليزيّة، خلافًا لأعراف الديبلوماسيّة العالميّة التي كانت تتبنّى الفرنسيّة. وبعد احتجاجات الوفد المشارك في مراسيم التوقيع أضيفت وثيقةٌ أخرى بالفرنسيّة، لكنّ ذلك لم يغيّرْ من واقع التقهقر الذي بدأتْ تشهده الفرنسيّةُ أمام تنامي الإنجليزيّة بسبب قوّة أميركا وتصاعدِ نفوذها العالميّ. خذ كذلك اللغة الألمانيّة، التي شهدتْ بداية تراجعها مع هزيمة هتلر في أعقاب الحرب الثانية، إذ اشتغلت الدولُ التي هزمتْ ألمانيا ــــ وبدعم من الجانب الصهيونيّ الذي أراد الانتقام من مجزرة الهولوكوست ــــ على إضعاف الألمانيّة.

"القرار السياسيّ اللغويّ العربيّ" ضعيف لأنّه انعكاسٌ لحال التقهقر الذي تعيشه الأمّةُ. مثلًا، منذ عشرينيّات القرن الفائت، تأسّس المَجْمعان اللغويّان في دمشق والقاهرة ترجمةً لإرادةٍ نهضويّةٍ عربيّةٍ أمام واقع التخلّف الموروث عن الحكم العثمانيّ . دَعَمَ هذه الإرادةَ احتكاكُ العرب بالغرب، ووقوفُهم على منجزاته، فبدأ، بالفعل، في تلك الفترة، رواجٌ أدبيّ وفكريّ ولغويّ. لكنّ هذه الإرادة ما لبثتْ أن تراخت لأسبابٍ كثيرة، من أهمّها غيابُ الفكر القادر على مواكبة التطوّرات وتطبيقِها على الوضع العربيّ. وهذا ما تجلّى على مستوى السياسة اللغويّة آنذاك؛ إذ حين أراد أسلافُنا التخطيطَ لنهضةٍ لغويّةٍ اعتمدوا النموذجَ الفرنسيّ، فأسّسوا المجاميعَ اللغويّة على طراز الأكاديميّة الفرنسيّة، ولم ينظروا إلى مدى صلاحيّة ذلك للوضع العربيّ.

العربيّة لم تتحوّل إلى لغة علم. فكلُّ العلوم كانت وما تزال تُكتب باللغات الأجنبيّة. ومحاولاتُ تدريس الطبّ والعلوم في سوريا والسودان ومصر لم تجد الدعمَ الرسميّ الكافي، ولا التخطيطَ المناسبَ لها من طرف المجاميع اللغويّة العربيّة

فلقد قامت الأكاديميّةُ الفرنسيّة، في منتصف القرن السابع عشر، على فكرة أنّ الفرنسيين لا يتقنون الفرنسيّة ولا يحسنون تكلّمَها، وهو ما حدا بهم إلى رفع شعارle bon usage de la langue française  (حسْنُ استعمال الفرنسيّة). أمّا مشكلتنا اللغويّة الأولى فليست الاستعمالَ الصحيح للعربيّة، وإنّما الازدواجيّة بين الفصحى والعامّيّة؛ وقد كانت قائمةً منذ نهاية القرن التاسع عشر، ويكفي أن نذْكر موقف طه حسين من العاميّات العربيّة، إذ كاد يذهب مذهبَ "الملهّجين" بفعل تأثيرات المستشرقين، لولا أنْ صحّح موقفَه فيما بعد.

المشكلة الثانية تتمثّل في خضوع العربيّة لمظاهر الفصل بين لغة المدرسة ولغة الحديث اليوميّة. لم تعمل المجاميعُ على إيجاد حلولٍ لهذه المشكلة، فتضخّمتْ إلى أن صارت العاميّاتُ تهدّد ــــ في ظلّ ضعف الأمّة  ــــ العربيّةَ الفصحى.

المشكلة الثالثة هي أنّ العربيّة لم تتحوّل إلى لغة علم. فكلُّ العلوم كانت وما تزال تُكتب باللغات الأجنبيّة. ومحاولاتُ تدريس الطبّ والعلوم في سوريا والسودان ومصر لم تجد الدعمَ الرسميّ الكافي، ولا التخطيطَ المناسبَ لها من طرف المجاميع اللغويّة العربيّة منذ تأسيسها إلى الآن.

لكنّ المشكلة الأساسيّة قائمة في السياسة. فالعرب لم يعوا دورَ اللغة في تشكيل الأمّة. وها نحن اليوم صرنا أمام وضعٍ أفدح، إذ زاد التهرّبُ من العربيّة، التي تحوّلتْ لدى البعض إلى عائقٍ دون التقدّم.

 

في ظل هذا الوضع اللغويّ المأزوم على مستوى القرار السياسيّ اللغويّ العربيّ، من هي الفئةُ المنوطُ بها أمرُ الدفاع عن العربيّة؟ وما هي الوسائل التي يجب أن توظّفها، والأهداف التي يجب أن ترسمَها؟

لا بدّ من خطةٍ للخروج من الأزمة، وهذه الخطّة تشمل الدولةَ والمثقفين ومؤسّسات المجتمع المدنيّ. فمن واجب الخطة توعيةُ الدولة، أوّلًا، بمسؤوليّتها، وتحسيسُها بأنّ اللحامَ الذي تمثّله العربيّةُ قد يكون اللحامَ الأخيرَ لا لهذه الأمّة فحسب، بل للدولة نفسِها. ذلك أنّ اللغة هي التي تبني الدولة، لا العكس.

في فرنسا مثلًا لم تكن هناك دولةٌ جامعةٌ للشعب الفرنسيّ بأقاليمه وتجمّعاته البشريّة المتناثرة. ولذا عندما قامت الدولة ارتكزتْ على اللحام اللغويّ، جامعًا وضامنًا لوحدة الشعب بكلّ فسيفسائه. الفرنسيّة لم تكن الأكثرَ انتشارًا بين الفرنسيين (كانت لغةُ الأويل هي المهيمنة)؛ ومع ذلك اعتُمدتْ وعُمّمتْ، وكان شعارُ فرنسا: "أمّة واحدة، دولة واحدة، لغة واحدة." في إسبانيا حصل الأمرُ نفسُه بالنسبة إلى تعميم "الكاستيان" على الأطراف المختلفة، بمبادرةٍ من إيزابيلا الكاثوليكيّة. وفي إيطاليا لم تكن الأمّة موحّدةً، لكنّها وُحّدتْ عندما فُرضتْ عليها اللهجةُ التوسكانيّة. هذه الدول التي تسمّى "دولَ الديمقراطيّة والتعدّد" قامت على فرض الوحدة اللغويّة في بداية تشكّلها دولًا قوميّةً. اللغة هي التي وَحّدتْ وخَلقت الشعب!

ثانيًا، دور المثقفين ضروريّ لأنّهم أدّوا دورًا كبيرًا في إشعاع اللغة. ألا يتحدّث الناسُ عن "لغة موليير" و"لغة شكسبير"؟ أليست اللغة مرتبطةً بالجهد الذي يوفّره المثقفون لها؟ إنّ دور المثقفين في خدمة العربيّة، التي تمثّل الهويّة الثقافيّة والحضاريّة، أمرٌ أساسٌ في هذه المرحلة. ولا بدّ من أن تتحرّك مجالاتُ الإبداع لترقية العربيّة والرفع من مستواها. في مجال الإنتاج الشعريّ والروائيّ تحديدًا، هناك جهودٌ عديدةٌ، لكنّها تحتاج إلى دعم مؤسسات الدولة والمجتمع المدنيّ من أجل جعلها قادرةً على الصمود في وجه الزحف اللغويّ العنيف الذي تمثّله اللغاتُ الأجنبيّة.

ثالثًا، دورُ المؤسّسات حاسمٌ في تطوير اللغة. فما يُنتَج، في العموم، باللغة العربيّة، لم يصل بعدُ إلى مستوى من الدقة العلميّة يجعل من العربيّة لغةً مرجعيّة؛ وهذا يعود إلى غياب المؤسّسات ومواقعِ النشر المحكّم التي تستطيع أن تقوّم العملَ بالمهنيّة التي نجدها في المجلّات والمراكز الغربيّة.

 

لنحصر الحديث قليلًا في دور الدولة، ودور الدولة المغربيّة تحديدًا.

مهمّ جدًّا دورُ الدولة بكلّ مؤسّساتها، وقدراتِها الماديّة والمعنويّة، في الحفاظ على اللغة وتطويرها والرفع من مردوديّتها وجعلها حاضرةً بقوة. فلا يجوز أن يَخرج أحدُ مسؤولي المغرب، أو أحدُ المقرّبين إليهم، بمذكّرةٍ  تهدّد وجودَ اللغة العربيّة وتقصيها لصالح "التلهيج." هذه جريمة في حقّ الشعب المغربيّ، الذي اختار عن طواعية، ومنذ عصور، اللغة العربيّة لغة رسميّة، ولغةً للهويّة والحضارة. إنّنا إزاء مَن يلقي برأسماله الرمزيّ الكبير وبموارده التاريخيّة والحضاريّة في عرض البحر باحثًا عن قشّة نجاةٍ لا نعرف إلى أين ستصل به!

 

هذا ينطبق على المستثمرين العرب أيضًا.

... نحن العرب موهوبون في تضييع مواردنا، وهذا أحدُ أسباب تخلّفنا عن الركب الكونيّ. ما الذي يضير مستثمرًا عربيًّا إنْ بنى جامعةً عربيّةً تدرَّس فيها العلومُ بالعربيّة، إلى جانب تحصيلها بلغاتٍ أخرى ؟ أليس في هذا تقويةٌ لوضع اللغة العربيّة، وإظهارٌ لقدرتها على أن تكون لغةَ علوم؟ لكنّ أصحاب رؤوس الأموال عندنا يريدون أن ينفقوا أموالَهم في الأشياء الربحيّة، وليس لديهم حسُّ التفكير في الربح الرمزيّ، الذي أصبح يقاس مؤشِّرًا لتقدّم الشعوب ونهضتها!

 

كيف نفعّل برامج التخطيط اللغويّ، على علّاتها؟

يمكن أن نبدأ ذلك من مرحلة الروضة، إذ نلقّن أطفالنا لغةً عربيّةً ميسّرةً وجذّابة، يُربّون عليها مبكّرًا، وينفتحون ــــ تدريجًا ــــ على مزاياها، وعلى الحكي العربيّ، وعلى مجموعة أمورٍ لن تتاح لهم فرصةُ الاطّلاع عليها فيما بعد إنْ هم درسوا بلغاتٍ أخرى.

وهناك آمالٌ متعدّدة في حوسبة اللغة، وإدخالِها في بعض المواد الترفيهيّة. وثمّة بعضُ المحْسنين وأصحابِ النيّات الحسنة الذين يقومون بهذا العمل. لكنّ السواعد قليلة، وتشجيع الدولة لهذه المبادرات أقلّ. ولذلك أقول إنّ أيّ عملٍ إيجابيّ في سبيل نشر العربيّة وتحسينِ أوضاعها سيكون أحسنَ من أن نتقاعس حتى يدركنا الوقت.

 

عندما تتناولون العربيّة وإعادة الاعتبار إليها عادةً ما تلتزمون منظورًا ارتداديًّا ينطلق من وضعيّة تاريخيّة ذاتِ خصائص واشتراطات، وأعني بها وضعية بناء الدولة الوطنيّة أو الدولة ــــ الأمّة. ألا تروْن أنّنا نعيش اليوم شروطًا تاريخيّة مختلفة؟ ألا نواكب اليوم الجيلَ الثالثَ من الديمقراطيات، ومنها الديمقراطيّة اللغويّة، والحقّ في الاختلاف اللغويّ، ومرحلة الفرص المتكافئة لكلّ اللغات واللهجات في التعبير عن كياناتها؟

نحن لا ندعو إلى حلٍّ محافظٍ للمسألة اللغويّة في الوطن العربيّ، بل نطرح حلولًا عصريّة. فمثلًا، نحن لا ندعو إلى معاداة اللغات الأخرى بل إلى تقوية تعليمها وتعلّمها. أما بالنسبة إلى اللهجات فإننا لم ندعُ، البتّة، إلى إماتتها، بل إلى انتهاج تخطيطٍ يقرّب بين الفصحى والعامّيّات (المغربيّة)؛ ذلك لأنّنا نؤْمن أنّه كلّما تباعدت الفصحى عن اللهجات قويتْ حظوظُ العاميّات في أن تصبح ذاتَ يوم هي اللغةَ المهيمنة، وذلك سيتسبّب في قتل الفصحى ــــ وهو ما يخطّط له بعضُ الدهاقنة في الغرب وبعض البلدان العربيّة.

إنّ الدمقرطة اللغويّة واللسنيّة في المجتمعات العربيّة لا تعني، قطّ، التسامحَ مع مَن يستهدف اللغةَ العربيّةَ في كيانها، وفي وضعها الاعتباريّ في وصفها لغةَ الهويّة والحضارة والكينونة القوميّة. فدولةٌ مثل "إسرائيل،" التي لم تكن لها لغةٌ أصلًا، لم تُلْقِ بنفسها في أحضان لغةٍ أجنبيّة، ولم تفتح البابَ أمام التعدّد اللغويّ الذي تزخر به، بل اتخذتْ مواقفَ زجريّةً، وتبنّت تقريبًا جلَّ الخطط التي وضعتْها فرنسا في القرن الثامن عشر. كما أنّ الولايات المتحدة ما تزال تفرض الإنجليزيّة لغةً رسميّةً على الجميع، حتى في الولايات التي يتكلم معظمُ قاطنيها اللغةَ الإسبانيّة مثلًا. ومع ذلك نسعى في عالمنا العربيّ إلى بناء نموذج جديد نقول إنّه "تعدّديّ"؛ لكنْ كلما قرّرنا التعدديّة هُمّشت العربيّة لصالح اللغة الأجنبيّة، ونعني بها الفرنسيّة في المغرب.

وكما تراقب الآن، فالخطة الإستراتيجيّة للتعليم في المغرب أقرّت الفرنسيّة لغةً للتدريس من الروض إلى الجامعيّ؛ وفي هذا جنايةٌ على جيلٍ بأكمله، ورهنٌ لمستقبل المغرب لتطلّعاتِ أقلّيّةٍ لوبيّةٍ تخدم مصالحَها ومصالحَ السياسات الفرنكوفونيّة في البلاد. وإلّا فلماذا لا تكون الإنجليزيّةُ هي لغة التعليم والتعلّم ما دمنا ضحّينا بالعربيّة؟ أليست الإنجليزيّة اليومَ أشعَّ حضورًا وأكثر تداولًا في العالم؟ ألا يميل الفرنسيون أنفسُهم إلى تعلّمها لتحقيق الإقلاع في شتّى المجالات؟ إنّ تكريس الفرنسيّة لغةً وحيدة للتعليم والتعلّم هو ضدّ كلّ دعوات "التعدّد اللغويّ والانفتاح الثقافيّ" الذي تطبّل له زمرةُ الساهرين على المنظومة التربويّة في المغرب. أين الديمقراطيّة، ومراكزُ القرار التربويّ تخوض في مستقبل أجيالٍ قادمة؟! أين استفتاءُ الشعب في مسألةٍ مصيريّةٍ كمسألة السياسة اللغويّة التي سنرسمها للبلاد في أفق عشرين سنة تقريبًا؟

 

هذا يجرّنا إلى الحديث عن معضلة لغة التدريس، التي تزايدتْ حدّتُها مع ارتفاع أصواتٍ نافذةٍ دعت إلى إدخال اللهجات المغربيّة في المنظومة التعليميّة لتجاوز المشاكل التي يواجهها التلميذُ في تعامله مع العربيّة في المراحل الأولى من التعلّم. وللتذكير، فإنّ متزعِّم هذه الحركة، نور الدين عيوش، مقرّب من الملك. في رأيكم هل هذا المنظور اجتهادٌ فرديّ، أمْ أنّ الرجل أداةٌ لتمرير مشروع مستقبليّ يحظى برعاية أكبر مسؤول في البلاد؟ وما هي تداعيات هذه الدعوة في ظلّ الحروب المتلاحقة على اللغة العربيّة في المغرب؟

هذه الدعوة ماتت في المهد لعدم توفّرها على أيّ أساسٍ مرجعيٍّ واضحٍ ومتّزن. هنا لا بدّ من أن أفتح قوسًا لأذكّر بعلاقة الدولة بالعلماء والخبراء: فغالبًا ما نجد الخبيرَ أو العالِم في الدول المتقدّمة يُستشار في مثل هذه الأمور الحسّاسة بناءً على تجرّده العلميّ ومصداقيّته التي امتلكها من الأبحاث والدراسات المحكّمة التي أنجزها؛ أمّا عندنا ، فهو إمّا مذعنٌ تمرِّر من خلاله الدولةُ ما تشاء من القرارات وتتخلّى عنه فيما بعد، وإمّا مقصيّ من دائرة الاستشارة نظرًا إلى مواقفه أو تصريحاته.

الخطة الإستراتيجيّة للتعليم في المغرب أقرّت الفرنسيّة لغةً للتدريس من الروض إلى الجامعيّ؛ وفي هذا جنايةٌ على جيلٍ بأكمله، ورهنٌ لمستقبل المغرب لتطلّعاتِ أقلّيّةٍ لوبيّةٍ تخدم مصالحَها ومصالحَ السياسات الفرنكوفونيّة في البلاد. وإلّا فلماذا لا تكون الإنجليزيّةُ هي لغة التعليم والتعلّم ما دمنا ضحّينا بالعربيّة؟

نعم، الدولة عندنا لا تريد سماعَ إلّا ما يرضيها ويرضي غرورَها. وفي ما يخصّ المسألة اللغويّة تحديدًا فقد كانت "الديمقراطيّة التداوليّة" تحتّم على الدولة المغربيّة أن تسعى إلى خلق فضاءٍ للحوار المتعدّد المشارب، يكوّن أرضيّةً لاتخاذ القرار المناسب ــــ وهذا لم يحصل.

 

تأتي مسألة "تدريج التعليم" في المغرب بعد مرحلةِ حربٍ قاسيةٍ على العربيّة، هي مرحلة الدعوة إلى الأمازيغيّة. حينها اعتُبرت العربيّةُ لغةً دخيلةً، وحاملةً لقيمٍ لا تمتّ بصلة إلى الثقافة والحضارة المغربيّتيْن. وكان للأمازيغيّة ما أراد لها مناصروها، فرُسِّمتْ واعتُمدتْ في المنظومة التربويّة لغةً مدرَّسة. لكنّ الضجّة التي أثارتها الدعوةُ إلى "تلهيج التعليم" (ودافع عنها العديدُ من روّاد الحركة الأمازيغيّة) تدفعنا إلى السؤال الآتي: هل تُطرح مسألةُ تمكين الأمازيغيّة في المدرسة المغربيّة، ودسترتِها لغةً رسميًّة، ضمن منظور "الحَراك الديمقراطيّ"  وحقوق الإنسان؛ أمْ أنّ الأمر لا يعدو أن يكون حربًا ضدّ اللغة العربيّة من أجل خلق واقع ثقافيّ يعزل المغربَ ــــ كما يشتهي العديد من النشطاء الأمازيغ والفرنكفونيين ــــ عن محيطه العربيّ، وعن عمقه الحضاريّ الممتدّ أكثر من أربعة عشر قرنًا؟

القضايا اللغويّة والثقافيّة جدُّ حسّاسة، ولذلك لا بدّ من توفّر مناخٍ علميٍّ يسهم في خلقه محلّلون وخبراءُ يتّسمون بالحِرَفيّة والموضوعيّة. هناك فرقٌ بين المعطيات الفعليّة من جهة، وما يروّجه النشطاءُ بتطرّفٍ حادّ؛ فما نحن بصدده من نقاش حول الأمازيغيّة كثيرًا ما يَؤُول إلى "التداعش" بدلًا من التعايش. ولكنْ عندما نُقرّ بتعدّديّة المبدأ، فعلينا أن نفهم أنّ أصلَ الاعتراف بالتعدديّة هو عدمُ الإقصاء، أي الاعترافُ المتبادل! ومن هنا لا يحقّ لأحدٍ أن "يمزِّغ" جميعَ المغاربة ويقول إنّ المغاربة جميعًا أمازيغُ عُرِّبوا. إنّ الاعتراف الذي يريده الناشطُ الأمازيغيُّ (المتطرّف) هو أن تعترفَ به ليلغيَ الاعترافَ بك أو ليقْصيك، وكأنّ وجودَه كمكوّن ثقافيّ وحضاريّ لا يستقيم إلّا بإلغاء التعدّد! فإذا كانت "المزوغة" حقيقةً معيشةً في مغربنا، ومن حقّها التمتّعُ بوجودها كلغةٍ وكقيمٍ حضاريّةٍ تجد لها مسوِّغاتِ الوجود القانونيّ والاجتماعيّ والتربويّ، فإنّها مطالبةٌ بالاندماج في واقع التعدّد الذي تفرضه التشكيلاتُ المجتمعيّةُ في المغرب. ولو تحوّلنا من أحاديّة إلى أحاديّة أخرى فسنقع في المشكل ذاته، وسنرْهن تاريخَ المغرب لعقودٍ أخرى داخل دوّامة العنف والعنف المضادّ.

 

يلاحظ البعض أنّكم تميلون إلى تغليب الجانب الفصيح على الجانب العامّيّ والأمازيغيّ. ما الذي يجعل، في نظركم، اللغةَ العربيّةَ جاذبًا إلى حدّ اعتبارها قطبًا لغويًّا يمكنه أن يحتوي اللهجاتِ واللغاتِ المغربيّةَ الأخرى؟

الأمازيغيّة مكوِّن من المكوّنات اللغويّة والثقافيّة، ويمكنها أن تتمتّع بالاستقلال الذاتيّ داخل التنوّع اللغويّ الذي نؤْمن به. لم نقل إنّ العربيّة تعوِّض الأمازيغيّة؛ أنت تقوِّلني ما لم أقلْه. لكنّ التفكير التعدّديّ لا يعني أنّ اللغات متساوية في كلّ شيء، وإلّا لما احتجنا إلى التعدّد. تَساويها يعني أنّ مواطنيها متساوون في الحقوق والواجبات، لا غير.

في ما يتعلّق بالفصحى والعامّيّات هناك ضرورةٌ لاستحضار الوضع القانونيّ والدستوريّ. ففي جميع دول العالم عندما يتمّ الحديثُ عن الفصحى فإنّه يُقصد بها اللغةُ المعياريّة. المعياريّة هي التي توحّد المصطلحاتِ والمفاهيم؛ فلوأراد كلُّ واحد منّا أن يكتب القوانين بلهجته لاحتجنا إلى ثلاثين لهجةً مغربيّة. التداول الديمقراطيّ السياسيّ يكون بالفصحى، أو اللغة الوسيطة المنبثقة عن الفصحى. أمّا العامّيّة فلها مجالاتها التي يمكن أن تبدع فيها، كالمسرح والحكايات.

لكنْ من الضروريّ التقريبُ بين العامّيّات والفصحى في العالم العربيّ، وذلك باستدماج الكلمات الجديدة في العامّيّة مع بدائلَ لها في الفصحى حتى لا تقع ثغرات. لا يمكن الاستغناءُ عن المعياريّة. وحتى إذا أخذنا لهجة فسنضطرّ إلى تعييرها من جديد، وسنخلق من ثمّ ازدواجيّةً أخرى.

ما أخلص إليه هو أنّنا يجب أن نرى إلى تجارب الأمم المتقدّمة علينا في مسألة التخطيط اللغويّ، ومجمعاتُها اللغويّة جميعُها تشتغل على اللغات المعياريّة؛ وإذا اشتغلتْ على اللهجات فمن أجل إغناء اللغات الفصيحة وإدماجِ بعض الكلمات العامّيّة فيها.

 

أشكركم على تفضلكم بالإجابة على مجموع الأسئلة التي وضعناها لكم. كما نشكركم لقبولكم إجراء حوار مع "الآداب" بالرغم من أنّكم ما تزالون في فترة نقاهة، ونتمنّى لكم دوامَ الصحة والعافية .

الرباط

 

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب