عباءة جدّتي
30-04-2021

 

الجدّاتُ ساحراتٌ يمسحن الألمَ والحزنَ عن قلوبنا، وجنيّاتٌ لطيفاتٌ يملأن أيّامَنا بالحكايا العجيبة. وإذا كانت الجنّةُ تحت أقدام الأمّهات، فينابيعُها تتفجّر من أيدي الجدّات، وأنهارُ العسل المصفّى تجري من ألسنتهنّ، وعطرُ الفردوس يُستخلص من أثوابهنّ ومن بين ضفائرهنّ المعقوصةِ بخيوطٍ حريريّةٍ مطليّةٍ بأجود أنواع الفضّة وأثمنِها. ولو صُنّفت الأمّهاتُ بالبطلات الخارقات، فالجدّاتُ مصدرُ جميع القوى، ومخزنُ الطّاقات المتجدّدة التي تزداد كلّما ازددن عمرًا وخبرةً وحكمة.

ومن مقاديره، سبحانَه، أنْ وهبني جدّةً تحمل من الصِّفات أروعَها، ومن الحُسنِ أجملَه، ومن الفصاحةِ أبلغَها، ومن الحكمةِ أوسعَها. ومهما تحدّثتُ عن مزاياها البديعة أظلًّ مقصِّرةً. ولعلّ السرَّ في ما سبق أنّها كانت تُكْثر من الذِّكْر وقراءةِ القرآن وقصصِ الأنبياء والأولياءِ والصالحين لتعتبرَ منها؛ إضافةً إلى ثقافتها الواسعة التي كانت تنشرُها علينا فتحفرُها في عقولنا حَفرًا.

كانت جدّتي ملجأُنا ومخبأُ أسرارنا. ما زلتُ أذكر صيفَ العام 2006، حين رفضتْ مغادرةَ الضيعة على الرّغم من المحاولات الحثيثة لإقناعها. كان بيتُنا لا يبعد كثيرًا عن بيتها، لكنّنا – أحفادَها - اخترنا أن ننتقلَ إلى منزلها لأنّنا لا نطيقُ مفارقتَها. 

لم تكن أولى أيّام الحرب قويّةً علينا. كنّا صغارًا لا نعي أصواتَ القذائف والصواريخ أو هديرَ الطائرات لحظةَ التهيّؤ للغارات. إلّا أنّ ذلك الصيف أرسل شيفراتِه إلى عقولنا البريئة، وغرس فيها ذبذباتٍ جديدةً لأصواتٍ ثقيلةٍ سرقتْ من أعيننا النومَ، وعكّرتْ صفوَ لهونا. وكنّا كلّما تلقّينا رسائلَ صوتيّةً منذرةً بالخطر، هربنا للاختباء بين ذراعيْ جدّتي، التي كانت تحضننا بكلّ حنان. 

مرّ أسبوعان على بدايةِ الحرب، والوضعُ يزداد سوءًا، وجدّتي متشبّثةٌ ببيتها. إلى أن قرّر العدوُّ الإسرائيليّ ذاتَ ليلةٍ أن يحيلَ بيوتَ ضيعتنا خرابًا بحجّة وجود صواريخ بين بيوت مدنيّيها. كانت ليلةً لم أشهدْ مثلَ قساوتها قطّ، لا في أفلام الرُّعب الخياليّة، ولا في الكوابيس. فما إنْ أطفئت الأنوارُ خوفًا من رصد طائرات التجسّس، حتى سيطر هديرُ الطائرات الحربيّة على المكان. وكلّما ازداد الهديرُ، ازددنا التصاقًا من جدّتي. وما هي إلّا لحظاتٌ حتى بدأتْ غاراتها المتتالية وصواريخها العشوائيّة.

جمعتْنا جدَّتي وخبّأتنا في قبوٍ ملاصقٍ لمنزلها، وغطّتنا بعباءتها، وطلبتْ منّا أن نغطّي آذانَنا بأكفِّنا وأن نردّدَ سورَ القرآن التي نحفظها. بقينا على حالنا لساعةٍ كاملة. وعلى الرّغم من هول الواقعة، فإنّ هالةً من اللّطف والرّحمة كانت تكسونا طوال الوقت، ولم ينطفئ الأملُ في قلوبنا.

ومع اقتراب الفجر، هدأتِ الأصواتُ، وغاب هديرُ الطائرات. فخرجنا من تحت العباءة، بقلوبٍ خافقةٍ خائفة، وعيونٍ تكاد لا تبصر نورًا. كان الحيُّ أشبهَ بمدينة أشباح، يعبق برائحة الموت، بعد أن تعرّض لأقسى أنواع الإجرام البشريّ، فاستحال ركامًا وغبارًا وبقايا زجاجٍ وشظايا ودماء. نقلتنا أمّهاتُنا إلى مكانٍ آمن، وتولّت فِرقُ البحث والإنقاذ التفتيشَ عن الجثث المدفونة تحت أسقف المنازل وجدرانها دونما غسْلٍ أو كفن.

بعد يوميْن من الصلوات والدّعوات المتوَّجة بدموعنا وآهاتنا، عثر أحدُ المنقذين على جثّة امرأةٍ تحضن بين ذراعيْها صورةَ شابٍّ في ربيع عمره. 

رحلتْ جدّتي وعلى ثغرها ابتسامةُ شوقٍ ورضا: شوقٍ للقاء ابنِها الشهيد، ورضا لمفارقتها الحياةَ على تراب وطنها. وتركتْنا بلا ملجأ نحتمي به، ولا بئرِ أسرارٍ نرمي إليها همومَنا. 

صور

ليلى كردي

لبنانيّة من مدينة صور في الجنوب. مدرّسة لغة عربيّة، المرحلة المتوسّطة. تناقش قريبًا رسالةَ الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها في الجامعة اللبنانيّة.