في ذكرى رحيل الحكيم (ملفّ)
26-01-2017

 

 

سنواتٌ مضت على رحيلك أيّها الحكيم، يا رفيقَ الدرب النضاليّ الطويل. سنواتٌ عجافٌ مرّت علينا وعلى شعبنا، وأنت ما زلتَ تسكن القلوبَ والعقول. نفتقدك اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، في هذا الليل الحالك وهذا الزمن الرديء: زمنٍ يتجمّد فيه الدمُ في عروق أطفالنا، فيموتون قهرًا وبردًا وجوعًا، وتعصف الرياحُ العاتيةُ بخيامهم، لتجرفَ معها ما تبقّى من نبضٍ للحياة الحرّة الكريمة. وكلّ ذلك يجري أمام مرأى العالم "المتحضّر" الهشّ ومسمعه؛ عالمٍ تجمّد فيه الضمير، واندثرت القيمُ التي تربَّينا عليها؛ عالمٍ تسوده الصراعات الإقليميّة والدوليّة والمصالح الذاتيّة، ويتهافت على نهب ثروات وطننا العربيّ، ويبني أمجادَه على حساب تدمير حضارة الشعوب، ولو تطلّب ذلك إبادةَ شعوبٍ بأكملها.

عقودًا من الزمن عشتُها إلى جانبك أيّها الحكيم، عاصفةً بالأحداث التاريخيّة، بكلّ ما حملتْه من منعطفات خطرة كانت تتطلّب منّا أعلى درجات التضحية.

***

منذ أن ارتبطتُ بالدكتور جورج حبش، في 30 تموز عام 1961، والتحقتُ بصفوف "حركة القوميين العرب،" وجدتُ نفسي أمام أحداثٍ كبيرة تعصف بالأمّة العربيّة. وكان الانفصال بين سوريا ومصر أكبرَ صدمةٍ في بداية حياتنا الزوجيّة. حينها، خضتُ أوّل تجربةٍ نضاليّة لي، إذ شاركتُ في المظاهرات العارمة المؤيّدة للوحدة في شوارع دمشق. وكانت "منظّمة المرأة" في "الحركة" على رأس المشاركين في تلك المظاهرات التي تعرّضتْ لقمع الشرطة السوريّة. وبدأتِ الملاحقات الأمنيّة، وأُغلقتْ مكاتبُ "الحركة" في دمشق، واعتُقل الحكيم في ظروفٍ صعبة؛ فقد كنتُ حاملًا في الأشهر الأولى. وعندما وضعتُ ابنتي ميساء، حملتُها في حرارة تمّوز الحارقة، وعمرُها أسبوعان فقط، لتزور أباها في سجن المزّة.

أستعيد شريطَ الذكريات لأستذكرَ عشرات السنين التي قضيتُها إلى جانب رفيق الدرب في مسيرته النضاليّة الشاقّة؛ مسيرة كانت ملأى بالانتصارات والإخفاقات والدروس، ومفعمةً بالأمل والإيمان والتحدّي والتصميم على مواصلة الكفاح لاستعادة الأرض المغتصبة.

سأتحدث عن الجانب الإنسانيّ في حياة الحكيم، عن علاقته الوثيقة بعائلته الصغيرة التي انصهرتْ في أتون الأحداث والمعارك الملتهبة. فعلى الرغم من مشاغله وهمومه، كان ينتزع الوقت للجلوس معنا والاستماع إلى مشاكلنا. وكنًا نبادله المشاعرَ الجيّاشةَ نفسها، ونعبّر له عن مدى اشتياقنا وحبّنا له؛ فقد كان يمثّل لنا حالةً من النقاء الإنسانيّ والثوريّ النادر.

في تلك المرحلة من عمرنا، كنتُ أدرك تمامًا أنّي ارتبطتُ بالطبيب الإنسان الثاثر على الظلم؛  الطبيبِ الذي ربط مصيرَه بمصير شعبه، وانحاز إلى الفقراء والكادحين والمقهورين الذين ذاقوا مرارةَ النكبة، وعاشوا تداعياتِها من تهجير وحرمان. كان رجلًا استثنائيًّا، وهب حياتَه وعصارةَ فكره وعلمه وتجاربه لمحاربة الاضطهاد. هكذا بدأتُ رحلتي النضاليّة والأمنيّة مع الحكيم، وعقدتُ العزمَ على أن أكون على قدر هذه المسؤوليّة: "رفيقةَ دربٍ" بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، كي أكون على مستوى تضحيات جماهيرنا، ومصدرَ ثقةٍ الحكيم. وكنتُ مؤتمنةً على حياته وأسراره، أشاركُه شظفَ العيش، فيغْنيني وجودي معه عن كلّ ما افتقدناه من ترف الحياة.

منذ أن تعرّفتُ إلى هذا الإنسان الكبير، تعرّفتُ إلى السجونِ ومخافرِ الشرطةِ والمخابئ تحت الأرض، وتعرّفتُ إلى حياةِ المنافي والتنقّل بجوازات سفرٍ متعدّدة وبجنسيّاتٍ مختلفةٍ وأسماءٍ مستعارة، وتعرّفتُ إلى محاولاتِ الاغتيال والاختطاف وأحكام الإعدام، فضلًا عن الملاحقات الأمنيّة من قبل الموساد والاستخبارات الأمريكيّة والعديد من القوى المعادية. منذ تلك اللحظة أعلنتُ "حالةَ الطوارئ،" وتسلّحتُ بأقصى حدود اليقظة والحذر، وتدرّبتُ على السلاح. كنتُ أشعر بمسؤوليّة كبيرة تجاه أمنه وسلامته. لم تكن حياتي مع هذا القائد مفروشةً بالورود، بل مشينا معًا دربَ الآلام، وكنتُ في قلب الأحداث الساخنة جدارًا استناديًّا يدرأ الخطرَ عنه.

تلك الظروف القاسية انعكستْ على حياتنا الخاصّة، وعلى حياة ابنتيْنا ميساء ولمى، اللتيْن طالهما قسطٌ وفيرٌ من الصبر والتضحية. كانت معاناتُنا كبيرةً، وكان علينا بعد كلّ عمليّة فدائيّة للجبهة أن ننتقل الى أماكنَ أكثر أمنًا، وأن ننقل طفلتيْنا ليلًا وهما نائمتان حفاظًا على سلامتهما.

من يعِش مع الحكيم فلا مكان لأيّ من طموحاته الشخصيّة، وعليه أن يُسقط الـ"أنا" من قاموسه، وأن يدرك أنّ المسؤوليّة ليست مكاسبَ أو امتيازاتٍ ذاتيّة أو مناصبَ حزبيّةً خاليةً من أيّ مضمونٍ ثوريّ، بل تفانٍ وإنكارٌ للذات الى أبعد الحدود. كانت ابنتنا لمى قد بلغتْ سبع سنوات، وكان الأبُ بالنسبة إليها صورةً معلّقة على الجدار!  كنتُ أحملهما، وهما صغيرتان، لتزورا والدهما في القواعد العسكريّة أو في مكاتب الجبهة الشعبيّة داخل المخيّمات، فنشعر بمرارةٍ لعدم تمكّنه من العيش معنا وهو على بعد خطواتٍ منّا. كان الغائبَ الحاضرَ في قلوبنا دائمًا، مشدودًا إلى رؤيتنا، ويحاول جاهدًا أن يوفّق بين طبيعة عمله وبين دوره كأبٍ وزوج مثاليّ.

كنّا نلتقي على وقع الأوضاع الأمنيّة، ودويِّ الانفجارات والصواريخ، وخصوصًا أثناء الحرب الأهليّة اللبنانيّة، والاجتياح الإسرائيليّ وحصار بيروت. في خضمّ المعارك تلك، قمتُ بواجبي تجاه شعبي: فتفرّغتُ للأعمال التطوّعيّة الإنسانيّة، ورحتُ أزور الجرحى والمهجّرين، وأهتمّ بشؤونهم اليوميّة، وبخاصّةٍ مهجّرو مخيّم تلّ الزعتر، إذ كنتُ على رأس لجنة طبّيّة اجتماعيّة تابعة للجبهة الشعبيّة. كما أشرفتُ على مشروع إحياء التراث الفلسطينيّ، وأخذتُ أتنقّل من مخيّم الى آخر باسم "الرفيقة منى،" من دون أن يعرفوا أنّني زوجة الحكيم. وكانت نساؤنا ينسجن أجملَ القطع  الفنّيّة، والأثواب المطرّزة بألوان زاهية جميلة.

كنّا، أنا والحكيم، نتبادل الرسائل القصيرة الخاطفة يوميًّا لتحديد مكان اللقاء وموعده، من أجل الحفاظ على سرّيّة التحرّك. وكنّا أحيانًا نلتقي لنتناول قهوةَ الصباح قبل أن يبدأ عمله، وننتظر تلك اللقاءات بشغفٍ بالغ. كان الحكيم هو الزعيمَ الوحيدَ الذي يتنقّل من دون مواكب حراسة وسيّارات فارهة. وفي غالب الأحيان كنتُ السائقَ الوحيدَ معه، وأحيانًا يتبعنا الرفاقُ في سيّارةٍ أخرى، وذلك لإيماننا بأنّ السرّيّة في الحركة والتنقّل، وتغييرَ أماكن السكن باستمرار، والتخفّي، والابتعادَ عن الروتين اليوميّ، هي أفضلُ حماية لنا. والدليل على ذلك أنّ "إسرائيل" لم تستطع النيلَ منه على الأرض، فاضطرّت إلى اختطاف طائرتين وتحويلِ مسارهما إلى مطارات عسكريّة إسرائيليّة، من أجل القبض عليه: الأولى كانت طائرةَ ميدل إيست لبنانيّة مغادرة من مطار بيروت إلى بغداد في العام 1973؛ والثانية كانت طائرةً ليبيّةً خاصةً أقلعتْ من مطار طرابلس الغرب باتّجاه دمشق سنة 1986. لكنّ المحاولتين باءتا بالفشل، إذ لم يكن الحكيم موجودًا على متن أيٍّ منهما، برغم وجود "معلومات مؤكّدة" لدى "إسرائيل" بهذا الخصوص. لقد نجا بأعجوبة؛ ففي المرّتين كان بالفعل متوجّهًا إلى المطار، لكنّه تراجع في اللحظات الأخيرة لأسباب أمنيّة.

***

أمّا عن علاقته بالرفاق في الجبهة الشعبيّة فقد قامت على الاحترام المتبادل والتواضع والتسامح والاهتمام بشؤونهم الحياتيّة والعائليّة. كان الأبَ الروحيّ لكلّ منهم، يحترم حرّيّتهم في الرأي والتعبير، ويجسّد القيادةَ الجماعيّة فكرًا وممارسة. أرسى قواعدَ الديمقراطيّة في صفوف الجبهة الشعبيّة، واعتمد أسلوب التوعية والتثقيف الحزبيّ، وإعطاء الفرص للجميع للقيام بدورات فكريّة تثقيفيّة مكثّفة.أنشأ مدرسة الكادر لهذا الغرض، وكنتُ إحدى الملتحقات بها.

عاش بين المقاتلين في المواقع الأماميّة. وكان يتقاسم لقمةَ العيش معهم، ويشدّ من أزرهم، فيعطيهم دعمًا معنويًّا مهمًّا. كان قدوةً لجميع الرفاق الذين أحاطوه بمحبّتهم، وصِمامَ الأمان لعائلته ورفاقه وشعبه، مترفّعًا دائمًا عن الصغائر. حظي باحترام الجميع لِما كان يتمتّع به من خلقٍ رفيع، وقيم سامية لا يحيد عنها، حتّى أُطلق عليه لقبُ "ضمير الثورة." لم يعرف التعصّب الدينيّ أو الطائفيّ أو الحزبيّ، ولا الأحقاد، حتّى مع خصومه السياسيين. غير أنّ الثوابت الوطنيّة بالنسبة إليه خطٌّ أحمر لا يمكن التفريطُ بها. بقي قابضًا على جمر مبادئه طيلة حياته النضاليّة. وهذا ما منحه ثقة الشعب الفلسطينيّ والعربيّ، وثقة جميعِ القوى الحرّة والصديقة.

على صعيد المرأة، كان يؤمن بقدراتها وطاقاتها وبدورها الأساس في النضال. وكان من الداعين إلى المساواة بينها وبين الرجل، وتحريرها من قيود المجتمع، ومن الظلم الواقع عليها. وكان يحرص على الاحتفال سنويًّا بعيد المرأة العالميّ في 8 آذار، ويلقي كلمةً في تلك المناسبة في مخيّم شاتيلا، ويحرص على أن أكون برفقته إلى جانب عدد كبير من الضيوف والأصدقاء والرفيقات.

***

بقي الحكيم، حتّى آخر رمقٍ من حياته، صادقًا وفيًّا لشعبه، منسجمًا مع نفسه ومبادئه، يجسّد كلَّ كلمة يقولها. وسيبقى الضميرَ الحيً في تاريخ الثورة الفلسطينيّة. وستبقى ذكراه حيّةً متوهّجةً في قلوب جميع محبّيه، وفي وجدان شعبه وأمّته العربيّة.

عمان

*********

 

قال الحكيم في مناسبة يوم المرأة العالمي، ضمن حديثه عن المرأة، في خطاب الاستقالة من منصبه كأمين عام، والذي ألقاه في المؤتمر السادس للجبهة الشعبيّة عام 2000 :
"اسمحوا لي، وانسجامًا مع ما جاء في هذه الكلمة عن المرأة و دورها، أن أخصّ بالذكر السيّدة التي رافقتني على مدار ما يزيد عن الأربعين عامًا، بكلّ ما تضمّنته من أحداث كبيرة، وأزمات وأوقات صعبة، بصبر كبير وتضحية عالية، وكانت على مستوى المسؤوليّة التاريخيّة، إنّها شريكة حياتي ودرب نضالي أم ميساء، التي بقيت شامخة وصابرة بروح عالية من التحدّي؛ ولا تزال تقف معي، وتمدّني بالعزيمة والإصرار بكل وفاء و تفانٍ وإخلاص. فلها منّي كلّ المحبّة والتقدير والاحترام."

هيلدا حبش

زوجة جورج حبش ورفيقة دربه.