كسرُ قيود الهزيمة والعجز بالجديد المقاوم
11-02-2020

 

عندما قرأتُ رسالةَ سماح إدريس، رئيسِ تحرير مجلة الآداب، يحثُّي فيها على الكتابة في الملفّ المستعجَل عن "الخطوات العمليّة لمواجهة صفقة التصفية،" استحوذتْ على مخيّلتي عبارةٌ واحدة: "الإيمانُ بالنصر والاستعدادُ للتضحية."

لوهلةٍ ابتسمتُ وجعًا، وتداعت الصورُ سريعًا:

الحشودُ المَهيبة في اليمن. بضعة شبّان فلسطينيّين يقفون وحدهم يُلْقون الحجارةَ عند حاجز معسكر "بيت إيل" الاستعماريّ، بعد أنّ انفضَّ المئاتُ من حولهم عند انتهاء حفل التقاط الصور التذكاريّة والتصريحات الإعلاميّة الهادفة إلى إثبات موقف "رفع العتب." وعلى مسمعي تعالت من جديدٍ النداءاتُ الموجَّهةُ من شعبنا ومن رئيس السلطة الفلسطينيّة عبر البيانات والمقابلات التلفزيونيّة وشبكاتِ التواصل.

بيْد أنّ تلك العبارة ("الإيمان بالنصر والاستعداد للتضحية") غطّت على كلّ شيء.

عدتُ إلى طفولتي وشبابي، إلى العام 1984 تحديدًا، عندما كنتُ في معتقل بئر السبع. يومها، في جلسة تنظيميّة لشرح شروط تحقيق الانتصار على العدوّ، قال موجِّهُ الجلسة، أبو غالب (له الرحمة)، وكان أسيرًا مضى على اعتقاله 11 عامًا، إنّ شروطَ الانتصار ثلاثة:

- الإيمان بالنصر والاستعداد للتضحية.

- التنظيم الثوريّ الفاعل.

- توافر بيئة محيطة مناسبة.

وأكّد أبو غالب أنّ هذه العناصر مركَّبة متكاملة، ولكنّ التنظيم الفاعل هو الأساس في تكوين إرادة التغيير وتهيئة البيئة المحيطة.

المقارنة بين ما كان في الأمس من وعيٍ شعبيٍّ واندفاعٍ عارمٍ، وبين ما نراه اليوم من تظاهرات "رفع العتب" الفلسطينيّة، ومن حشود اليمن المذبوح بفعل غارات "الأشقّاء" العرب، تشهد على بؤس الحال. بل هي تشهد على أنّ مجرَّدَ التفكير في سؤال الآداب عن "الخطوات العمليّة للمواجهة" استفحالٌ للعجز.

وأسوأُ العجز هو استمرارُ سرد القراءات الصحيحة لكنْ مع القفز إلى استنتاجاتٍ مغايرة، ومن ثمّ المراوحة في المكان ذاته أمام "مقدّساتٍ" صنعناها بأنفسنا في لحظةٍ ما، ولا نزال نقدّسُها، مع أنّها خذلتنا، ولا تزال تخذلنا، أو على الأقلّ ما زلنا ندور في دوّامتها.

 إذًا، للوقوف على سؤال "ما هي الخطوات العمليّة لمواجهة صفقة التصفية؟" تَلْزمُنا مراجعةٌ سريعةٌ للمعطيات الراهنة، وكسرٌ لهالة المحرَّمات:

- فلماذا لم تخرج الآلافُ المؤلّفةُ من الفلسطينيّين إلى الشوارع بعد خطاب رئيس السلطة الفلسطينيّة الذي أجهد نفسَه لبثّ الحماسة في الناس؟ هل فقد الفلسطينيُّ إيمانَه بحقّه، أمْ أنّه ملّ السعيَ إلى "انتصاراتٍ رمزيّةٍ" لا تُسمن ولا تُغْني؟   

- ولماذا لم يزل سقفُ الفعل هو مناشدةُ "الشرعيّة الدوليّة،" علمًا أنّ هذه الشرعيّة هي التي شرعنتْ بلفور، وخلقتْ "إسرائيلَ" ابتداءً، ولا تزال تلقي عليها بمظلّةٍ واسعةٍ من الحماية؟

- ولماذا تَسقط سيمفونيّةُ "القرار الوطنيّ المستقلّ" عند كلّ أزمة، فيهرع المهرولون إلى الجامعة العربيّة المتهرّئة ويناشدون الدولَ العربيّةَ "تحمُّلَ المسؤوليّة"؟

 

لماذا تَسقط سيمفونيّةُ "القرار الوطنيّ المستقلّ" عند كلّ أزمة؟

 

- ولماذا يواظب بقايا "اليسار الفلسطينيّ" والقوى الإسلاميّة على انتظار الفرج من عند الرئيس، الذي ينتقدونه ويخوِّنونه أحيانًا؟ لماذا لا يُقْدِمون على فعلِ ما ينادون بفعله هم أنفسهم؟

- لماذا تتعالى النداءاتُ من المؤتمرات والنشطاء والمثقّفين للمطالبة بـ"الوحدة الوطنيّة" وبـ"إحياء منظّمة التحرير الفلسطينيّة" حتى أصبح هذا الخطابُ مترهّلًا ممجوجًا بلا أيّ معنًى، خصوصًا أنّ المطالبين أنفسَهم يدركون أنّ أسس قيام الوحدة الوطنيّة غيرُ موجودة، وأنّ منظّمةَ التحرير نفسها غيرُ موجودة إلّا في التاريخ واجتماعات الضرورة المزاجيّة؟

بعضُ المكاشفة قد يفيد:

1) فالسلطة الفلسطينيّة والقوى المنخرطة فيها حسمتْ موقفَها منذ زمن بعيد: هي تقف في معسكر دول الخليج ومصر، ولا ترى سبيلًا غيرَ الشرعيّة الدوليّة. والشرعيّة الدوليّة بالنسبة إليها مناشداتٌ وخطاباتٌ مكرورةٌ لا غير. وحتّى اليوم، لم يدرك حزبُ السلطة [حركة فتح]، أو لا يريد أنّ يدرك، أنّ الشرعيّة الدوليّة هذه ليست هي نفسَها القانونَ الدوليّ، وإنّما هي مجرّدُ تطبيقٍ للقانون الدوليّ بالاستناد إلى موازين القوى في لحظةٍ ما وظرفٍ ما. لقد آن الأوانُ للإعلان أنّ الشرعيّة الدوليّة هي التي قنّنتْ وعدَ بلفور في وثيقة الانتداب البريطانيّ وسياساته، وهي التي قسّمتْ فلسطينَ، وهي التي شرعنتْ "إسرائيل." هذه الشرعيّة قالت في لحظة المدِّ الثوريّ إنّ "الصهيونيّة عنصريّة" (قرار الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة رقم 3379 في 10/11/1975)، وإنّ للشعب الفلسطينيّ أينما كان الحقَّ في تقرير المصير والعودةِ إلى دياره وممارسةِ الكفاح بكلِّ الوسائل لتحقيق ذلك؛ ولكنها عادت - مع انطلاق مؤتمر مدريد (1991) - فقالت إنّ الصهيونيّة غيرُ عنصريّة (بموجب القرار 46/86 في 16/12/1991) وإنّ تقرير المصير للفلسطينيّين محدّد بالأرض المحتلّة عام 1967، وإنّ عودة اللاجئين رهنٌ باتفاق الأطراف (بموجب رؤية بوش، التي أصبحتْ قرارًا دوليًّا بمسمّى "خارطة الطريق").

لقد حان الوقتُ للإعلان أنّ قرارات الشرعيّة الدوليّة نتاجُ موازين قوًى، وأنّ تنفيذَها من عدمه رهنُ القوّة في الميدان، وأنّ اللهاثَ وراء "حُسن النوايا" و"الانتصارات الرمزيّة" يقابلها تمكينٌ للمشروع الاستعماريّ الذي لا يُقرّ أصلًا بالشرعيّة الدوليّة.

2) أمّا منظّمة التحرير الفلسطينيّة فهي اسمٌ يتردّد بلا وجودٍ فعليّ. يجري استدعاؤه مرّةً على شكل "القيادة الفلسطينيّة" التي تضيق وتتّسع بحسب أهواء حزب السلطة، ومرّةً على شكل هياكلَ محنَّطةٍ تُصدر قراراتٍ مؤجّلةً تضعها في عهدة الرئيس. لقد ابتلعت السلطةُ المنظّمةَ وهضمتْها، وتجترُّها كلّما اهتزّت شرعيّةُ أوسلو ورجالاتِها.

هذا الهيكل المقدّس تحطّم فعليًّا بما أسموْه "إنجاز الإنجازات"، ألا وهو: اعترافُ الجمعيّة العامّة بفلسطين المحتلّة عام 1967 "عضوًا مراقِبًا،" ورفْعُ علم فلسطين في الأمم المتّحدة إلى جانب أعلام الدول.

علينا أنّ نرى أنّ هذا الهيكل المقدّس - وهو صنيعةُ أيدينا - لا حول له ولا قوّة أمام سفارةٍ تديرها السلطةُ، التي غدتْ تتعامل مع فلسطينيّي الشتات كأنّهم مغتربون، ومع فلسطينيّي 1948 وكأنّهم "عربُ إسرائيل." لقد فرضتْ منظّمةُ التحرير نفسَها، بعد إنشائها، على الدول العربيّة، وعلى الأمم المتّحدة، بالفعل المقاوم في الميدان، ولم تستأذنْ في ذلك "حكومةَ عموم فلسطين" التي أُنشئتْ بُعيْد النكبة سنة 1948. لقد ذهبتْ هذه الحكومةُ إلى طيّ التاريخ عندما فقدتْ دورَها ومبرِّرَ وجودها أمام الفعل المقاوم الذي أنتجته منظّمةُ التحرير، فأكسبَها الشعبَ - الحاضنةَ، وفرضها على الشرعيّة الدوليّة، جسمًا وبرنامجًا.

3) أمّا حال أحزاب ما كان يُعرف بـ"اليسار الفلسطينيّ،" فيُرثى لها. خطابُها عالٍ في انتقاد السلطة من جهة، وفي مطالبة رئيس السلطة بوقف "التنسيق الأمنيّ" وبتحقيقِ الوحدة وبإطلاق يد الجماهير وببناء استراتيجيّة مقاومة من جهة ثانية! وهي - إلّا فيما ندر - غيرُ قادرة على الخروج من عباءة أوسلو، ولا قادرة على تشكيل البديل.

4) وأمّا القوى الإسلاميّة المقاومة فهي تتراوح ما بين برنامج مقاومة محدود بسقف "مَحاور الإقليم" في المنطقة، وبين الرغبة في الحضور على طاولة التفاوض.

وما بين اليسار والإسلاميين، لا بأس من تأليب الناس على السلطة ومهاجمتها ما بين الفينة والفينة. وضمن هذا السياق، يصبح من نافلة القول إنّ حجّة وجود "التنسيق الأمنيّ" باتت سخيفةً لأنّ العمل الثوريّ المطلوب لا يحتاج إلى اذن، ولا يتوقّف على قبول الآخرين به، ولا يحتاج إلى غطاءٍ من السلطة (إلّا إذا افترضنا أنّها هي الثورة!)، خصوصًا أنّ المقاومة بالضرورة فعلٌ ملموسُ الأثر مجهولُ الفاعلين في ظلِّ القبضة الأمنيّة والقمعيّة للمستعمِر وحلفائه.

5) أمّا الناس (الشعب غير المؤطَّر، وهم الغالبيّة الساحقة) فهم قسمان: إمّا نشطاء مشتّتون في مختلف أنحاء العالم، بلا برنامج أو خطّة عملٍ مشتركة، ينشطون موسميًّا في فعاليّاتٍ موسميّة، ويواظبون الكلامَ على شبكات التواصل؛ وإمّا مهمَّشون أفقدتْهم سنواتُ أوسلو الإيمانَ بالقيم الوطنيّة والأهداف الوطنيّة والثقةَ بأيّ متنفِّذ (قائد) مهما علتِ الحماسةُ في خطابه أو تصريحاته. 

ثمّة حقائقُ قائمةٌ على الأرض؛ حقائقُ لا يمكن التفكيرُ في "خطوات عمليّة لمواجهة صفقة التصفية" إلّا بعد الاعتراف بها أوّلًا. أولى تلك الحقائق أنّ الهياكل التنظيميّة ذات التاريخ الوطنيّ المشرِّف لم تعد منتجةً، وهي أعجزُ من أنْ تستنهضَ نفسَها، فكيف لها أنْ تستنهضَ الحالةَ برمّتها؟!

"الجماهير،" بلغة الأحزاب السياسيّة، فقدت الثقةَ بكلّ الهياكل الموجودة. بل إنّها تدرك، بالحسّ الفطريّ، أنّ مستقبلَ الهياكل التنظيميّة القائمة غير المشاركة حاليًّا في السلطة لن يكون أفضلَ حالًا من تلك التي تترّبع على رأس السلطة.

و"الجماهير،" التي سُلبتْ كلّ المبادئ والقيم الوطنيّة عبر اللاتسييس والتطبيع، وجُرِّدتْ من كلّ أدواتها المقاومة، وأُثقلتْ بالديون، لا تتحرَّك "بكبسة زرٍّ." وهي، إذا ما قرّرت التحرّكَ، تدرك أنّ تحرّكَها سيظلّ حبيسَ برنامجٍ يتطلَّب رفعَ صورة الرئيس (للتأكيد على رفض "الصفقة")، والالتزامَ الصارمَ بإطار المقاومة السلميّة، والبقاءَ بعيدًا عن نقاط التماسّ كي لا تتدحرج الأمورُ إلى مواجهةٍ تُغضب "إسرائيل" أكثرَ من "اللازم" وتؤدّي إلى ردّة فعلٍ تودي بامتيازات القيادة.

في ظلّ المعطيات على الأرض، لا تمْكن مواجهةُ صفقة التصفية بردّة فعلٍ خطابيّة، وبفعاليّات متناثرة غير منسَّقة تظلُّ تتضاءل حتى تخبو وتنتهي تدريجيًّا. هذا الوضع يتطلّب، قبل مطالبة الجماهير بالتحّرك، استعادةَ الوعي الذي استلبه أوسلو وخطابُ أوسلو، الذي ما زال سائدًا حتى في الردِّ الفلسطينيّ والعربيّ على إعلان "الصفقة." إنّ إطلاق طاقات الشعب لا يكون بخطابٍ ولا مناشدات، بل يكون بتجاوز المراهنة على مقدَّساتٍ وهياكلَ متآكلة. وهذا لا يكون إلّا بتشكيل "الجديد المقاوم" القادر بفعله الميدانيّ على استعادة ثقة الجماهير بذاتها وبأدواتها، والقادر على فرض ذاته على ما يسمّى "شرعيّة دوليّة" و"مقدّسات" أكل عليها الدهرُ وشرب.

بيت لحم

نضال العزّة

كاتب فلسطينيّ مقيم في مخيم عايدة - فلسطين المحتلة.