Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

كيف نحافظ على تراث "الحكيم"؟ (ملفّ)

مقالات

 

لا يهدف الحفاظُ على تراث الحكيم الفكريّ إلى إفادة الدارسين لتاريخ الفكر العربيّ المعاصر، على أهمّيّة هذه الإفادة، وخصوصًا لجهةِ تأريخِ "المدرسة القوميّة الماركسيّة" التي جسّدها الحكيم. بل يهدف، في الأساس، إلى تشكيل قاعدةٍ فكريّةٍ لتجديد المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ، ولإعادة بناء أدواته التنظيميّة، بعد أن انهار بشطب "الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ" وبإدارة الظهر للنضال المسلّح ولفلسطين التاريخيّة، أو تقزَّمَ على يد القيادة الرسميّة إلى دويْلةٍ/ محميّة. كما يهدف، في الأساس، إلى إعادة بناء اليسار الفلسطينيّ. إنّ الحفاظَ على تراث الحكيم، إذن، مهمّة نضاليّة أكثر منها أكاديميّة. فلسنا، نحن الذين ناضلنا بالاستناد إلى هذا التراث، مثقفي أرشيف أو مكتبات، بقدر ما نحن حملةُ همٍّ مزدوج: همِّ الوطن المغتصَب، وهمِّ الكادحين الفقراء.

فأين يكمن ما نعتقده تراثًا فكريًّا ثوريًّا للحكيم؟

1 ــــ إنّه يكمن أوّلًا في ذلك الدور الرياديّ الذي أدّاه الحكيم عبر "حركة القوميين العرب" بدايةً، ثم عبر تأسيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، بإيجاد تزاوجٍ بين الفكر الماركسيّ والفكر القوميّ. فالمعلوم أنّ الأحزاب الشيوعيّة، استنادًا إلى موقفٍ ستالينيٍّ تقليديّ تبلور في ثلاثينيّات القرن الماضي وأربعينيّاته، أهالت الترابَ على مطمح الشعوب العربيّة إلى الوحدة القوميّة، وتعاملتْ مع اتفاق سايكس ــــ بيكو الاستعماريّ كقدرٍ لا فكاكَ منه. كما أنّ تأييدَ الاتحاد السوفياتيّ لتقسيم فلسطين، وغيابَ الموقف الطبقيّ الثوريّ عن الفكر القوميّ عمومًا، وتسلُّلَ نزعاتٍ قوميّةٍ شوفينيّةٍ إلى هذا الفكر؛ كلّ ذلك خلق شرخًا بين الفكر القوميّ والماركسيّ، بلغ درجةَ العدائيّة في لحظاتٍ فارقة.

والحقّ أنّ الحكيم ــــ بالاستناد إلى الفكر القوميّ الذي تسلّح به في الخمسينيّات والستينيّات، وإلى تحليله لمسار تجربة هذا الفكر في الممارسة السياسيّة العربيّة ــــ توصّل إلى قناعةٍ سرعان ما دعا إلى تجسيدها، وهي: ضرورةُ المزاوجة بين المحتوى التقدّميّ للفكر القوميّ (وهو حصرًا  حلُّ المسألة القوميّة عبر مشروع النهوض العربيّ وبناءِ دولة الوحدة العربية)، وبين الفكر الثوريّ الماركسيّ (وهدفُه بناءُ الاشتراكيّة). ولا نبالغ في القول إنّ الحكيم، بتجربته وتراثه الفكريّ في هذا الصدد تحديدًا، قد عمل على تأسيس "مدرسة" في الفكر العربيّ المعاصر، عنوانُها: المدرسة القوميّة الماركسيّة. وهذه المدرسة لم يكن لها تأثيرُها السياسيُّ على مستوى الفكر العربيّ فحسب، بل تعدّاه إلى الممارسة السياسيّة والكفاحيّة لفصائل العمل القوميّ واليساريّ على مستوى المنطقة العربيّة عمومًا. فبتأثيرات تلك المدرسة، وعبر التحاور الرفاقيّ، تغيّرتْ برامجُ وتوجّهاتٌ شيوعيّة، كتوجّهات الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ مثلًا، وتأسّستْ فصائلُ قوميّةٌ ماركسيّةٌ على امتداد الوطن العربيّ.

2 ــــ باستثناء التجربة الثريّة للشيوعيين اللبنانيين، والتجاربِ الأقلّ ثراءً للشيوعيين السودانيين والعراقيين والجزائريين، كان للشيوعيين العرب موقف من امتشاق السلاح بلغ في بعض الأحيان مستوى العدائيّة. ليس هذا بطبيعة الحال انتقاصًا من تضحيات عشرات الآلاف من الشيوعيين في النضال ضدّ الأنظمة العميلة وضدّ الإمبرياليّة، وإنّما نلاحظ أنّ النضال الشيوعيّ العربيّ عبر عقود قد انطبع بطابع النضال الجماهيريّ لا السياسيّ المسلّح، في ظروفٍ كانت الجماهيرُ متعطّشةً فيها إلى حمل السلاح لمقاومةِ أعدائها الطبقيين والقوميين. ويبدو أنّ النزوعَ الثوريّ إلى امتشاق السلاح لدى عدد من الفصائل الماركسيّة، وفي مقدّمتها الجبهةُ الشعبيّة لتحرير فلسطين، هو ما حدا ببعض الأدبيّات السياسيّة إلى إطلاق اسم "اليسار الجديد" على تلك الفصائل، تمييزًا لها من الفصائل الشيوعيّة "التقليديّة" في الساحة العربيّة. وإذا كان من الصحيح أنّ بعضَ فصائل "اليسار الجديد،" ومنها الجبهةُ الشعبيّة في بداياتها، قد تعاملتْ بقداسةٍ مثاليّةٍ مع العمل المسلّح، فإنّ ميزتَها هي أنّها تمكّنتْ، عبر تجربتها، من المزاوجة بين مختلف أشكال النضال، مع إبقاء العمل المسلّح في موقع الريادة.

3 ــــ لم تكن بعضُ الجماهير لتُجانبَ الصوابَ عندما كانت تتندّر على الشيوعيين العرب، قائلةً إنّهم "يرفعون مظلّاتِهم إنْ أمطرتْ في موسكو!" هنا بالذات تتجلّى جرأةُ الحكيم، والصفِّ القياديّ للجبهة الشعبيّة، بالتشديد على أنّ موافقةَ "الأصدقاء السوفييت" على الاعتراف بـ"إسرائيل" وبحقّها في الوجود لا تعني تنازلَ "الجبهة" عن قناعتها بحقوق الشعب الفلسطينيّ الوطنيّة في أرضه. لم يَعرف الحكيمُ مساومةً على هذا الصعيد، بل بلغ به الأمرُ حدَّ التعليق على "بريسترويكا" غورباتشوف آنذاك بأن خاطب السوفييت علانيةً قائلًا: "تعيدون النظرَ بكلّ شيء؟ إذنْ، أعيدوا النظرَ بموقفكم من تقسيم فلسطين واعترافكم بالكيان الصهيونيّ!" وقد كان لهذا الموقف النقديّ تأثيرُه في العديد من فصائل العمل اليساريّ العربيّ (في المغرب والبحرين وعُمان وتونس...) التي أعادت، هي الأخرى، تقويمَ موقفها، وأعادت العلاقةَ مع السوفييت إلى ما كان ينبغي أن تكون: علاقة تحالفٍ ونقد، لا تبعيّةٍ وانصياع!

4 ــــ ولعلّ الملمحَ الأخيرَ في تراث الحكيم هو ذلك العداءُ الجذريُّ للمشروع الصهيونيّ الكولونياليّ في فلسطين، والتمسّكُ بفلسطين التاريخيّة من جهة، وبالحلّ الثوريّ للمسألة الفلسطينيّة من جهةٍ ثانية، ألا وهو: قيامُ دولة فلسطين الديموقراطيّة جزءًا من مجتمع عربيّ اشتراكيّ موحَّد؛ دولةٍ لا مكانَ فيها للمشروع الصهيونيّ ولا للحركة الصهيونيّة وكيانها، وإنْ كانت تتّسع لليهود مواطنين متساوين مع غيرهم ضمن تلك الدولة الفلسطينيّة وهذا المجتمع العربيّ العتيد. وهذا الموقف الفيصل هو ما يضع الحدَّ الفاصلَ بين موقفين في الفكر السياسيّ الفلسطينيّ:

ــــ موقف الهرولة: ويتمثّل في التراجع عن المطالبة بكامل التراب الفلسطينيّ، إلى الموافقة على أيّ "دولة" فلسطينيّة على أيّ بقعة، ثم القبول بدولتيْن، وصولًا إلى الموافقة على الحكم الإداريّ و"دولة" المحميّات المعزولة.

ــــ والموقف التاريخيّ المتمسّك بواقع المربّع الأوّل للصراع: أنّ ثمّة أرضًا محتلّةً يجب تحريرُها أوّلًا وقبل كلّ شيء، بحيث تنصبّ كلُّ الجهود على معركة التحرير، لا على "الصفقات" التي أثبت التاريخُ الفلسطينيُّ أنّها لا تورِّث إلّا المزيدَ من التنازل: منذ العام 1974، عامِ شعار "السلطة الوطنيّة،" وحتى العام 1993، عامِ "أوسلو الممرّ الإجباريّ للتحرير،" إلى حاضرنا اليوم، "عام التنسيق الأمنيّ" مع العدوّ!

رام الله

اتّصل بنا من نحن دار الآداب