Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

مدرسة تطوان التشكيليّة: الماضي والحاضر

مقالات

 

المتتبِّع للحركة التشكيليّة في مدينة تطوان سينبهر بالكمّ الهائل من الإنتاج التشكيليّ المرتبط بمدينة تطوان العتيقة ومحيطها الطبيعيّ، حتى ليَصْعب وجودُ مسجدٍ أو سوقٍ أو زقاقِ حديقةٍ أو بيتٍ لم يسجَّلْ بواسطة لوحةٍ أو رسمٍ أو حفْر. وعلى الرغم من تكامل هذه المدينة مع المدن المغربيّة العتيقة في الكثير من الخصوصيّات، فإنّها تنفرد بأصالتها الفنّيّة وتميّزها الثقافيّ، بسبب موقعها الإستراتيجيّ ومحيطِها المحفوف بالجبال والمطلِّ على البحر الأبيض المتوسّط ــــ مهدِ الحضارات الإنسانيّة، الذي عرف المغاربةُ من خلاله قيمةَ التثاقف والتسامح مع شعوبٍ عدّة كالفينيقيّين والقرطاجيّين والرومان، لكي تنصهر كلُّ التأثيرات والتراكمات الحضاريّة المتبادلة في بوتقةٍ جماليّةٍ متجانسة.

من أهمّ الإيجابيّات التي أغنت جماليّةَ مدينة تطوان تنوّعُ عنصرها البشريّ. فقد استقطبتْ سكّانَ الجبل والريف والأندلس وفاس والجزائر، مسلمين ويهودًا ومسيحيّين، فأنتج هذا التنوّعُ مجتمعًا متحضّرًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، وجعل من هذه المدينة العتيقة تحفةً بشوارعها وأبوابها وصوامعها وحدائقها، وبكنوزها البصريّة كالفسيفساء والزخارف المتنوّعة في أشغال الخشب والخزف والحديد والطرز والجلد والحلي، وبرصيدها المعماريّ واختلافِ عناصره الهندسيّة، من أقواس متنوّعة وخطوط أفقيّة وعموديّة ومائلة، داخل نسيجٍ عمرانيٍّ يتوحّد فيه الاختلافُ وسط الدروب والأزقّة التي يتقاطع النورُ والظلُّ في مساراتها.

وبفضل هذا الرصيد التراثيّ والحضاريّ غدًا الفردُ التطوانيّ متشبِّعًا بالتربية الجماليّة والحسّ البصريّ. وهو ما أثّر إيجابًا في سلوكه وإنتاجه، داخل حياةٍ متّزنةٍ ومتجانسة، بغضّ النظر عن يسره أو تواضعه.

                                           (المعهد الوطني للفنون الجميلة في تطوان)

وبنظرةٍ موجزةٍ إلى الفنون التشكيليّة الشعبيّة في تطوان فإنّنا سنقف عند أربعة أساليب ذات قواسم مشتركة، وهي أساليب تنوّعتْ وتغيّرتْ مع الظروف التي شهدتْها تطوان بين نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن العشرين. وأوّلُ هذه الأساليب هو الأسلوب الأندلسيّ، مع أنّ المسحة الأندلسيّة حاضرة في الأساليب اللاحقة، وقد انطلق بعد سقوط غرناطة (1492) واستقرار المهاجرين الأندلسيّين الأوائل. ونظرًا إلى ظروف الهجرة والتواضع الاقتصاديّ الذي ساد تطوان خلال القرن السادس عشر، فقد عُرف الفنّ آنذاك ببساطة شكله، مع عمقه الحسيّ والجماليّ وتفتّحه وتلاحقِه مع فنون محيطه الجبليّ والريفيّ.

بعد نزوح المورسكييّن إلى مدينة تطوان في أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، اختَبرت الفنونُ في تطوان وجهًا جديدًا بما حمله الوافدون الجُدد من التأثير الفنّيّ النهضويّ، وذلك من خلال الأقواس والسواري في المعمار، مع بساطة النماذج الزخرفيّة والتزيينيّة في فنون الصباغة والخشب والنسيج، وغياب الفسيفساء، وتحاشي الألوان الصارخة، وطغيانِ اللون الأبيض.

وخلال القرن الثامن عشر عرفتْ تطوان التأثيرَ العثمانيّ في الفنّ، نظرًا إلى العلاقات الروحيّة والتجاريّة التي ربطتها بالعديد من المدن العثمانيّة، وتجلّى ذلك في مجال الطرز والمعمار، كالصوامع المثمّنة وغيرها من الفنون التي اجتاحت البيتَ التطوانيّ.

ومع بداية القرن التاسع عشر ظهرتْ أرستقراطيّةٌ جديدة استفادت من اشتغالها مع "المخزن،" أو من ممارستها للتجارة مع الشرق وأوروبا. فبرزت الدُور الكبيرةُ المتأثّرة بالقصور الفاسيّة، وباستعمالها موادَّ بنائيّةً وافدةً من أوروبا، وعلى الخصوص الحديد؛ ما أدخل الفنَّ التطوانيَّ في أسلوبٍ طغت عليه الفضاءاتُ الواسعة، مع الإكثار من الزخارف والتنميقات في اللون والخطّ والشكل، وارتفعتْ نسبةُ استعمال الزليج. كما شهد الديكورُ والأثاثُ التطوانيّ دخولَ عناصر جماليّةٍ جديدة جُلبتْ من أوروبا. وعلى الرغم من كثرة التأثيرات التي اجتاحت الفنَّ الشعبيَّ التطوانيّ، فقد استطاع أن ينسجم ويتلاقح معها بفضل مناعته، المستمدّةِ من أصالته المتجذّرة. واستمرّ هذا الأسلوب متداولًا حتى تاريخ فرض "الحماية،" التي كانت سببًا في اجتياح الفنّ الغربيّ، بتقنيّاته وأدواته ووسائط تعبيره.

تعود علاقةُ مدينة تطوان بالفنّ التشكيليّ الحديث، أو ما يسمّى "فنّ الحامل" (Chevalet)، إلى العقد السادس من القرن التاسع عشر بعد احتلال الإسبان لتطوان بين العاميْن 1860 و1862. فقد عرّف هذا الاحتلالُ التطوانيّين بالعديد من الظواهر الإسبانيّة: كالمسرح، إذ بنى الإسبانُ أوّلَ مسرح في المغرب، وهو مسرح الملكة إيزابيل الثانية؛ وكالصحافة، وذلك من خلال جريدة صدى تطوان (Eco de Tétuan)؛ و كالموسيقى، عن طريق أدوات موسيقيّة حديثة.

وفي المقابل، اطّلع الفنّانون والمثقّفون الإسبان على الثقافة والفنون التطوانيّة. وكان في مقدّمة هؤلاء الفنّانُ الإسبانيّ الشهير فورتوني، الذي زار مدينةَ تطوان ثلاثَ مرّات، كانت أولاها سنة 1860، من أجل الإعداد للوحات حرب تطوان، وذلك بطلبٍ من ممثليّة برشلونة.

بعد فرض الحماية على المغرب استمرّ اهتمامُ الفنّانين الإسبان بمدينة تطوان، عبر أعمالٍ بعيدةٍ عن الأسلوب الفورتونيّ الاستشراقيّ، معتمدين تقنيّاتٍ حديثةً متأثّرةً بالأساليب السائدة في الغرب، كالواقعيّة والانطباعيّة والوحشيّة. وقد كانت الصفةُ الحميدة لهذا الجيل الثاني من الفنّانين الإسبان الذين افتُتنوا بجماليّة الفنون التطوانيّة هي محاولة تعمّقهم في التراث والثقافة التطوانيّيْن بواسطة التعبير التشكيليّ. ويُعتبر ماريانو برتوتشي الشخصيّةَ الأهمّ في تمثيل هذا الجيل.

قام برتوتشي بعدّة زياراتٍ إلى شمال المغرب، أوّلُها سنة 1889، إلى مدينة طنجة، قبل أن يستقرَّ في تطوان سنة 1930 بسبب تعلّقه بجمالها، الذي ذكّره بغرناطة، مسقطِ رأسه، وبسبب تشبّعه بالفنّ الإسلاميّ الأندلسيّ. فعُيّن مديرًا في مدرسة الفنون والصنائع الوطنيّة، ثمّ محافظًا على المباني الأثريّة ومتحفيْ تطوان القديم والإتنوغرافيّ. كما حافظ على الصنائع والحِرَف من الاندثار بسبب منافسة المنتوج الأجنبيّ. وعرّف بتراث المدينة الحضاريّ في العديد من المعارض الدوليّة، وعبر الملصقات والبطاقات والطوابع البريديّة.

غير أنّ أهمّ المنجزات التي خلّدتْ اسمَ برتوتشي هو خلقُه للمدرسة الإعداديّة للفنون الجميلة في تطوان. فبعد تأسيس المعهد الموسيقيّ الإسبانيّ المغربيّ، كان من الضروريّ إتمامُ حقل الدراسات الفنّيّة في مدينة تطوان. فدفع برتوتشي إدارةَ الحماية الإسبانيّة إلى إحداث مدرسةٍ إعداديّةٍ لتدريس الفنون التشكيليّة، هدفُها الأوّل تنشيطُ الحركة الفنّيّة في المنطقة الخليفيّة، وذلك من خلال إعداد الطلبة المغاربة والإسبان لمعرفة الاختصاصات التقنيّة والنظريّة للتعبير التشكيليّ، وليساعدَهم هذا الإعدادُ لاحقًا على متابعة دراستهم في المدارس الفنّيّة العليا في إسبانيا.

كُلّف برتوتشي بتنظيم المدرسة من الناحيتين الإداريّة والبيداغوجيّة، فدُشّنتْ في 12 ديسمبر 1945 ضمن الفضاء الذي كان يَشغل مركزَ الدراسات المغربيّة (بناية نيابة وزارة التعليم حاليًّا)، واشتملتْ على ثلاثة أقسام خُصّصتْ للتعليم الفنّيّ. وبعد سنةٍ دراسيّةٍ تجريبيّة، تأسّستْ رسميًّا، بظهيرٍ خليفيٍّ مؤرَّخ في 27 نوفمبر 1946، نصّ على خضوعها لإدارة برتوتشي، وعلى أن يشتملَ البرنامجُ الدراسيّ على أربع موادّ: الرسم القديم، وتاريخ الفنّ، والتلوين، والنحت على الطين. كما نصّ على اختيار الأساتذة من بين الفنّانين المختصّين والحاصلين على شهادات المدارس العليا للفنون الجميلة (باستثناء أساتذة مادّة تاريخ الفنّ). ولم يتمّ تعيينُ برتوتشي مديرًا لهذه المدرسة إلّا سنة 1947. وقد تشكّلتْ هيئةُ أساتذتها من: Carlos Gallegos )رسم(، وTomas Ferrandiz (نحت على الطين والقوالب)، وGuillermo Gustavino (تاريخ الفنّ)، وAraceli Gonzales (تلوين)، وDiego Games (أستاذ مساعد التلوين)، وAlejandro Tomillo (أستاذ مساعد للنحت على الطين).

                                                    (لوحة للفنّان ماريانو برتوتشي)

ونظرًا إلى التكوين الأكاديميّ المتين لخرّيجي هذه المدرسة، فقد ظهرتْ ثمارُها بوضوحٍ عند قبولهم بامتياز في المدارس العليا الإسبانيّة، كمدرسة  Santa Esabel de Hungria في إشبيلية، ومدرسة  San Fernando في مدريد، على الرغم من صعوبة امتحان القبول فيهما. ومن هؤلاء الطلّابAmadio Freixas  في المدرسة الثانية سنة 1951، وAntonio Moya  في الأولى سنتيْ 1950 و1951.

كانت الدراسة في السنوات الأولى من عمر هذه المدرسة حكرًا على الطلبة الإسبان وبعضِ اليهود المغاربة، إذ لم يتسنَّ للطلبة المغاربة المسلمين الالتحاقُ بها إلّا مع نهاية الأربعينيّات، وذلك بسبب الأفكار التقليديّة والحساسيّات الدينيّة التي تعكس نظرةَ المغاربة المحافِظة إلى الفنّ الحديث خلال القرن الماضي. ويُعتبر النحّات التهامي داد القصريّ أوّلَ مغربيّ يتخرّج من هذه المؤسّسة الفنّيّة الأولى في المغرب، تلاه اليزيد بن عيسى وعبد الله الفخّار والمكّي مغارة ومحمد الناصري وسعد بن سفاج وغيرهم من فنّاني شمال المغرب.

وعلى العموم فقد عرف التشكيلُ في شمال المغرب طفراتٍ حثيثةً وتغيّراتٍ عديدةً مسايرةً لمستجدّات كلّ مرحلة. فقد كانت مدرسة الفنون الجميلة منارةً لكلّ الأجيال، ومصدرًا لكلّ الأبحاث والأفكار المتجدّدة، حتى إنّه لا يمكن الحديثُ عن التشكيل التطوانيّ من دون الرجوع إليها وإلى الخطوات الإيجابيّة التي قطعتها بيداغوجيًّا مند تأسيسها سنة 1945. ويمكن تقسيمُ أجيال التشكيل في شمال المغرب عمومًا، وتطوان على الخصوص، إلى ثلاثة أجيال رئيسة بحسب تطوّر هذه المدرسة: من 1945 إلى 1956 مرحلة الجيل الأول الذي درس في المدرسة الإعداديّة للفنون الجميلة في تطوان؛ والجيل الثاني من 1957 إلى 1993، وقد درس في المدرسة الوطنيّة للفنون الجميلة في تطوان؛ ثمّ الجيل الثالث من 1993 إلى اليوم، وقد درس في المعهد الوطنيّ للفنون الجميلة في تطوان.

***

انطلقتْ مرحلةُ الجيل الثاني مع استقلال المغرب، وشهدتْ تغيّراتٍ جذريّةً عديدةً، أهمُّها انتقالُ المدرسة إلى مقرّها الحاليّ، الذي دشّنه الملك محمد الخامس سنة 1957 باسمٍ جديدٍ، هو المدرسة الوطنيّة للفنون الجميلة، بإدارة الفنّان محمد السرغيني، وبهيئة تدريسيّة مغربيّة من الفنّانين الذين درسوا في المدارس العليا الإسبانيّة، وإليهم يعود الفضلُ في ترسيخ الهويّة الفنّيّة المغربيّة في هذه المدرسة، إذ تخرّج على أيديهم العديدُ من المبدعين المغاربة في اختصاصات الصباغة والنحت والديكور. وقد درس هؤلاء المبدعون في مختلف الأكاديميّات الأوروبيّة، فطوّروا التشكيلَ في تطوان والمغرب، وجعلوه يحظى خلال السبعينيّات والثمانينيّات بالاحترام والتقدير على المستويين العربيّ والدوليّ.

***

أمّا الجيل الثالث من المبدعين في مدرسة تطوان التشكيليّة فقد انطلق في التسعينيّات مع تأسيس المعهد الوطنيّ للفنون الجميلة في تطوان، وذلك بمقتضى المرسوم الوزاريّ رقم 135ـ93ـ2 المؤرّخ في 29 أبريل 1993. وقد كَلّف هذا المرسومُ المعهدَ بتكوين أطرٍ عليا في مجالات الفنون التشكيليّة والتطبيقيّة خلال أربع سنوات، بهدف استقطاب الفنّانين الشباب، المغاربة والأجانب، استجابةً لمتطلِّبات التأهيل للحياة العلميّة والفنيّة. وتعتمد الدراسة في المعهد على الانفتاح على محيطه الخارجيّ، وعلى الآفاق الجديدة المتعلّقة بالمجال الفنّيّ. ويجري ذلك بتأسيس اتفاقيّات تعاونٍ وتبادلٍ بين المؤسّسات والمراكز والجمعيّات الثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة داخل المغرب وخارجه.

ومنذ تخرّج الفوج الأوّل لهذا المعهد العالي في النصف الثاني من التسعينيّات ظهرتْ بوادرُه المؤشِّرة إلى جيلٍ من المبدعين الشباب الطامحين إلى تجربة تشكيليّة معاصرة تحاول مسايرةَ أحدث المستجدّات الفنيّة العلميّة، من دون التخلّي عن ركائز الهويّة الثقافيّة. وقد جاء ذلك من خلال أعمالٍ تنضح بالتجريب، وتعتمد على أدواتٍ جديدةٍ مستمدّةٍ في غالبيّتها من التراث والحياة اليوميّة المغربيّة، وبتعبيراتٍ تغلب عليها التراكيبُ المواكبة لأحدث الظواهر الفنيّة المعاصرة، تحدوهم الرغبةُ العارمة في جعل مدرسة تطوان التشكيليّة مدرسةً عالميّةً في مواجهة رهانات العولمة.

***

هكذا ارتبط التشكيلُ في تطوان وشمال المغرب بمؤسّسة الفنون الجميلة (المدرسة الإعداديّة، المدرسة الوطنيّة، المعهد الوطنيّ) ارتباطًا عميقًا. فقد تأثّرتْ أجيالُ المتخرّجين منها بهيئة أساتذتها، وببرامجها ومناهجها التي تطوّرتْ مع آخر المستجدّات الوطنيّة والعالميّة. وللإحاطة بمسار هذه المدرسة العريقة كان علينا تتبّعُ أجيالها السابقة لنطلّ على الجيل الجديد.

المغرب

اتّصل بنا من نحن دار الآداب