Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

هل تَخرج السينما في موريتانيا من غربتها الثانية؟ (ملفّ)

مقالات

 

 

من مظاهر الواقع المقلق في المجال الموريتانيّ العامّ غيابُ السينما وصالاتِها وزخمِها ونقاشاتِها. فالمواطن الموريتانيّ، بكلّ تصنيفاته، ليس في مخطَّطاته الترفيهيّة أو الثقافيّة اليوميّة الذهابُ إلى صالة السينما، أو مشاهدةُ فيلم من إنتاج بلده، وذلك لانعدام الصالات السينمائية في الدولة أصلًا. والمفارقة العجيبة أنّ الوضع في بدايات تأسيس الدولة كان أفضلَ في هذه الناحية من الوضع الآن.

 

رحلة السينما في موريتانيا

كان أوّل غزَلٍ تقوم به الصورةُ السينمائيّةُ لوجدان الإنسان الموريتانيّ في خمسينيّات القرن المنصرم، وكان غزَلًا فرنسيًّا استعماريًّا، وذلك من خلال بعثات فرنسيّة سيّرتْ سيّاراتٍ تحمل شاشاتِ عرضٍ، لتَعرض الأفلامَ على السكّان، الذين سمّوها "سيّارات العفاريت"!

ثمّ ظهرتْ دُور العرض الأولى في موريتانيا على يد الفرنسيّ غوميز. وحين حصلتْ موريتانيا على استقلالها عن فرنسا، بدأ الجيلُ الذي حكم البلادَ بمحاولة دعم السينما، وبدأ ظهور دُور عرضٍ موريتانيّةٍ يمتلكها موريتانيون. وكان عرّاب ذلك التلاحم مع السينما هو الفنّان همام فال، الذي أسّس العديدَ من دُور السينما، واشترى دُورَ غوميز؛ وتمّ ذلك بمساعدةٍ وإيعازٍ من الرئيس الموريتانيّ آنذاك، المختار ولد داداه.

هذا وقد ساهم همّام، عبر أول دار عرضٍ وطنيّة في العاصمة نواكشوط، "دار المُنى،" وعبر دُورٍ غيرها، في تطبيع علاقة الإنسان الموريتانيّ بالصورة السينمائيّة. فقد كان يستورد الأفلامَ العربيّةَ والأجنبيّة، ويقدّمها إلى المتفرِّج الموريتانيّ. فكانت النتيجة أن وصلتْ دُور العرض الموريتانية في السبعينيّات إلى أربع عشرة.

بعد تلك المحاولات الأولى بدأتْ صناعةُ الصورة السينمائيّة الموريتانيّة، وكانت عن طريق همام فال أيضًا. فقد تعاون مع أوّل متخصّص في التصوير السينمائيّ في موريتانيا، وهو المخرج الراحل محمد السالك، العائد ساعتها من ألمانيا،على إنتاج أفلام عن البلد وواقعه، أهمُّها: "ترجيت" و"ميمونة" و"بدويّ في الحضر." هذه المحاولاتُ اجتذبت اهتمامَ المواطن الموريتانيّ، حتى إنّ الرئيس ولد داداه وزوجتَه مريم داداه كانا يحضرانها في سينما المنى. ويومها أيضًا تجسّد الدعمُ الحكوميّ للسينما في "المؤسّسة الموريتانيّة للسينما،" التي راحت تعمل على ترقية السينما في البلاد ونشر ثقافة الفرجة، وتُعتبر مريم داداه صاحبة فكرتها.

كانت تلك هي البدايةَ التي جعلت السينما جزءًا من حياة العاصمة نواكشوط. إذ أصبحت الأُسر الموريتانيّة تذهب للاستمتاع  بسحر السينما بشكلٍ دوريّ، وظهرتْ بوادرُ حالة مدنيّة في الدولة الوليدة.

لكنّ تلك الحال لم تدم طويلًا. فقد حصلتْ في موريتانيا عدّةُ متغيّرات أربكت المشهدَ العامّ، مثل الجفاف الذي ضرب البلادَ في سبعينيّات القرن المنصرم، وتسبّب في ترييف العاصمة بسبب الهجرات نحوها من سكّان الريف والبوادي بحثًا عن ملاذ. يضاف إلى ذلك دخولُ الدولة في حرب الصحراء، فضلًا عن سلسلةٍ من الانقلابات العسكريّة التي بدأتْ سنة 1978: فأطيح نظامُ المختار ولد داداه، ووَضع الجيشُ يدَه على الحكم والدولة. 

هكذا تغيّرت الأولويّات، وضمر الاهتمامُ الرسميّ بالشأن الثقافيّ. فالعسكر كانت لهم أولويّاتٌ أخرى، لم يكن من ضمنها،على ما يبدو، العملُ على وعي الشعبوسبّب غيابُ الدعم الرسميّ للسينما قيامَ ملّاك الدُّور باستيراد بعض الأفلام الرخيصة من بعض الدول المجاورة حتى يعوّضوا من تكاليفهم الماليّة. لكنّ تلك الموجة أدّت إلى هجران المواطنين للسينما، ووصمِها بالابتذال. فرجعتْ غريبةً كما بدأتْ، شيئًا ذا صبغةٍ شيطانيّة، لتختفي الدُّورُ من الفضاء الموريتانيّ. وفي مقابلة أجرتها صحيفةُ الأخبار الموريتانيّة مع المخرج عبد الرحمن محمد سالم، سرد بعضًا من حكاية التحوّل تلك، فقال:(1)

"لكنّ السينما سرعان ما تخلّت عنها الدولة، وتخلّت عن جانب التنمية وجانب الرعاية. وبدأتْ دُورُ العرض تَعرض أفلامًا رخيصةً، لعامليْن أساسييْن. أوّلًا، لا تكلّف الكثيرَ بالنسبة للموزِّعين، إلّا أنّها مرغوبٌ فيها من طرف شريحةٍ كبيرةٍ من الشباب. فبدأتْ تتدنّى مستوياتُ هذه الأفلام، لدرجة أنّنا وصلنا في مرحلة معيّنة إلى أنّه لا يمكن أن تزور قاعةَ عرضٍ إلّا وتجد 90% من الأفلام المعروضة أفلامًا جنسيّةً خليعة... العامل الثاني هو تخلّي الدولة عن دوْرها حين قرّرتْ أن تسمّي المشْرفين على السينما ‘لجنة مراقبة الأفلام’ بدل أن تسمّيها ‘لجنة ترقية السينما’. فكانت هذه اللجنة مكوّنةً من ضابط شرطة، ومسؤول الهياكل،(2) والحاكم، وأناسٍ بعيدين كلَّ البعد عن الفنّ والسينما."

صنّاعُ الإبداع  في الأرض الطاردة

تُعتبر السينما الموريتانيّة سينما التجارب الذاتيّة غير المترابطة، والخارجة عن الطوق المؤسّسيّ. وعبر تاريخها، ظهر مخرجون صنعوا أفلامًا غلبتْ عليها تيمةُ البحث في الهويّة وقضايا الهجرة،(3) وميّز أصحابَها الابتعادُ عن الوطن والهجرةُ إلى المنافي. وقد برزتْ أفلامٌ موريتانيّةٌ عديدة، خطفتْ أنظارَ الغير، من دون أن تحظى بفرصة العرض السينمائيّ في بلدِ صانعها.

من هذه الأفلام فيلمُ محمد هندو، "جولة في المنابع" (1967)، الذي يعالج إشكاليّةَ العودة إلى الوطن بعد سنوات الجفاء والهجرة؛ إضافة إلى فيلم "أيّتها الشمس" (1969) الذي يتناول قضيّة العبوديّة وارتباطها بالاستعمار. وهندو هاجر من موريتانيا إلى فرنسا بشكل غير شرعيّ، ودرس السينما هناك، وختم مشوارَه بالعمل مدبلجًا باللغة الفرنسيّة للممثّل الأمريكيّ أدي ميرفي.

ومن الأفلام الموريتانيّة التي تركتْ بصمتَها فيلم "الجنسيّات المهاجرة" (1975) للمخرج سيدني سوخنا، الذي فاز سنة 1977 بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان فيسباكو. أمّا المخرج عبد الرحمن سيساقو فهو من أبرز الأسماء التي وضعت السينما الموريتانيّة على الخارطة العالميّة، ومن أبرز أفلامه: "في انتظار السعادة" (2002) الذي فاز بالجائزة الأولى في مهرجان فيسباكو البوركينابي، وحصد جائزةَ مهرجان وغادودغو، أحدِ أهمِّ المهرجانات السينمائيّة في القارة الإفريقيّة. والفيلم عبارة عن سردٍ لسيرة مُخرجه الذاتيّة. أمّا آخر أفلامه، "تمبكتو،" فقد اتُّهم بالترويج للرؤية الفرنسيّة في حربها في شمال مالي، لكنّه يُعتبر من أبرز نجاحات السينما الموريتانيّة، إذ حصد سنة 2015 جائزةَ سيزار لأفضل فيلم، وحصل مخرجُه على جائزة سيزار لأفضل مخرج، ثم وصل إلى القائمة القصيرة لأوسكار أفضل فيلم أجنبيّ. والفيلم يتحدّث عن فترة سيطرة الجماعات المتطرّفة على مدينة تمبكتو العريقة، وحياة سكّانها في ظلّ حكمهم.

 

هل من أفق؟

على الرغم من نجاحات بعض المخرجين الشخصيّة، فإنّ صناعة الأفلام السينمائيّة الموريتانيّة لا تزال ترواح مكانَها منذ زمنٍ طويل، بل هي تعيش تقهقرًا يوميًّا. فالإنتاج نادر، والدُّور معدومة، رغم محاولات البعث التي يقوم بها بعضُ المهتمّين. ومن أبرز تلك المحاولات تجربةُ "دار السينمائيين،" التي أسّستْها مجموعةٌ من الشباب الموريتانيّ في بداية القرن الحاليّ، وهم يحاولون تقديمَ عروض في العاصمة وبقيّة المدن، وتكوينَ مبدعين في عالم الصورة السينمائيّة.

استطاعت الدارُ جذبَ الكثير من أصحاب الطموح السينمائيّ. وتحاول أيضًا ردمَ فجوة غياب معاهد مختصّة في عالم الفنّ السابع في موريتانيا، وهو ما يُعد خللًا بنيويًّا في صناعة السينما. وقد أطلقت الدارُ قبل سنوات مهرجانًا سينمائيًّا يسمّى اليوم "مهرجان نواكشوط للفيلم القصير." ويعرض هذا المهرجان أفلامًا من كلّ بقاع الأرض، ومن موريتانيا أيضًا، وكانت السعوديّة ضيفة شرف آخر نسخةٍ منه، النسخة الحادية عشرة. وقد قدّم ورشًا تكوينيّةً حول مجالات صناعة السينما، يشرف عليها مختصّون عرب وغربيّون، ويعطي جوائز في شتّى ملامح الإبداع السينمائيّ. وهذه محاولة جديدة لخلق نوع من الصلح بين المواطن الموريتانيّ والصورة السينمائيّة.

لكنّ هذه المحاولة،على الرغم من مرور عقد عليها، لا تزال وكأنّها في المراحل البدائيّة. صحيح أنّ الجمهور يَحْضر، ويَحْضر بشغف، لكنّ الإنتاجات المحلّيّة المقدّمة (مع بعض الاستثناءات) فقيرةُ الصورة والنصوص والأفكار. ويلاحَظ أيضًا حرقٌ للمراحل، واستعجالٌ، لدى الهواة الموريتانيين، قبل أن يصقلوا مواهبَهم. لكنّ هذا المهرجان يظلّ محاولةً لخلق الفرجة والتلاقي بين المهتمّين بعالم الفنّ السابع.

ومؤخّرًا برزتْ أفلامٌ قصيرة نجح بعضُها في جذب الاهتمام، مثل  فيلم "طريق الأمل" للمخرج محمد ولد اشكون، وفيلم "السَّلَفيّ"(4) للمخرج سيدي محمد ولد الشيقر الذي ناقش التطرّفَ الدينيّ  بين الشباب. وقد أثار الفيلم الأخير الكثيرَ من الجدل، واتهمه البعضُ بتشويه المحظرة (المدرسة الدينيّة التقليديّة في موريتانيا).

تبقى التجارب التي تجري الآن ذاتيّةً وفرديّةً، أو مجتمعية بسيطة. وهو ما يجعل تأثيرُها محدودًا، على الأقلّ في الأفق القريب. كلُّ ذلك والمؤسّسةُ الرسميّةُ ما تزال تواصل تهميشَ السينما والقطاع الخاصّ كذلك. لكنّ العوائق المؤسّسيّة والبنيويّة ليست وحدها ما قد يعوّق بعثَ الروح  في السينما والإبداع في موريتانيا بشكلٍ عامّ، بل هناك أيضًا حالة مقلقة من موجات المحافظة التي تجتاح المجالَ الموريتانيّ.

نواكشوط

http://arc.alakhbar.info/4461-0--FA00CFFAB--F5C-C0C-C-.html

http://www.ami.mr/Depeche-16752.html

http://doc.aljazeera.net/followup/2009/11/2009111091754596433.html

4  http://raseef22.com/politics/2015/08/03/the-debate-about-religion-affecting-terrorism-enters-the-art-field/

اتّصل بنا من نحن دار الآداب