مقوِّمات مقاومة الصفقة
07-02-2020

 

لم تأتِ صفقةُ القرن من فراغ، بل كانت امتدادًا لسياسة ونهج. أمّا السياسة فهي السياسةُ الإمبرياليّةُ الأمريكيّة، التي لم تعد تكتفي بدعم متطلّبات الإنجاز النهائيّ للمشروع الصهيونيّ في فلسطين، بل بلغتْ كذلك حدَّ التعبير الصارخ عن تلك المتطلّبات. وربّما في هذا "التعبير الصارخ،" تحديدًا، ما يميِّز فترةَ الرئيس الأمريكيّ ترامب من غيره ممّن يفتقرون إلى صراحة الجهر بصهيونيّتهم.

وأمّا النهجُ فهو نهجُ التفاوض (الأحرى أن يُسمّى استسلامًا) الذي اختطَّتْه القيادةُ اليمينيّةُ في منظّمة التحرير لنفسها منذ مؤتمر مدريد (1991)، مرورًا بأوسلو (1993)، وعلى أنقاض انتفاضة الشعب الفلسطينيّ (1987 - ...). إنّ خطورةَ هذا النهج تكمن في أنّه ألحق ضررًا تاريخيًّا بأدوات المقاومة الفلسطينيّة - - سواءٌ عبر تشكيله حاجزًا مانعًا بين الشعب والمستعمِرين، أو عبر خطواته الملموسة لضرب المقاومة من خلال "التنسيق الأمنيّ" مع  هؤلاء المستعمِرين.

ويبقى السؤالُ الأهمّ: أما زال الشعبُ الفلسطينيّ يملك مقوّماتِ المقاومة لهزيمةِ "صفقة القرن" ودحرِها تمامًا كي يَفتحَ الطريقَ أمام تجديد النضال الوطنيّ ضدّ المستعمِرين؟

أقول نعم، من دون أدنى تردّد. ولا أستندُ في ذلك إلى خبرات الشعوب والتاريخ فحسب، بل استندُ قبل ذلك إلى تجربة شعبنا، الذي لا يمكنه بأيِّ حالٍ أن يوافق على شطبِ حقوقه الوطنيّة بجرّة قلمٍ من ترامب - - وأهمُّ تلك الحقوق: حقُّه في وطنه فلسطين، وعودة اللاجئين.

هذا على المدى الاستراتيجيّ الأبعد. أمّا على الصعيد العمليّ الآنيّ، وانسجامًا مع ما يبتغيه ملفُّ الآداب هذا، فيمكن قولُ الآتي:

أوّلًا: أضحى ملحًّا على كلِّ قوى المقاومة المخلصةِ لنضال شعبها وحقوقِه تمييزُ خطابها من الخطاب الرسميّ المتهافت الذي تُصرُّ القيادةُ المتحكّمةُ في القرار الفلسطينيّ على تكراره. إنّ انعدامَ الثقة بين الخطاب الرسميّ والجماهير بلغ مدياتٍ غيرَ مسبوقة. وهذا يتجلّى، على مختلف مواقع التواصل، في الأصوات المتزايدة الساخرة من تلك القيادة، ومن خطابها. إنّ الخطوة الأولى لتحفيز المشاركة الشعبيّة هي هنا بالضبط: إعلانُ القطيعة مع الخطاب الرسميّ، الذي ما فتئ يجترُّ رفضَه للمقاومة المسلّحة، ويعلن بعد 30 عامًا من الكوارث تمسُّكَه بنهج التفاوض ورهانَه على القانون و"الشرعيّة الدوليّة،" ولا يُجري تعبئةً سياسيّةً بديلةً قوامُها التمسُّكُ بتحرير فلسطين ونهج المقاومة.

هذه التعبئة هي بالضبط وظيفةُ كلِّ "القابضين على جمر المرحلة،" بتعبير الراحل الحكيم جورج حبش، قوًى وأفرادًا وفعّاليّاتٍ شعبيّة. وهذا المتطلّب التعبويُّ هو الذي سيمهِّد الطريقَ لإمكانيّة تحقيق المتطلّب الثاني في النضال ضدّ صفقة القرن.

ثانيًا: ما دام النهجان في الساحة الفلسطينيّة، نهجُ المقاومة ونهجُ التفاوض، قائميْن، فلا بدّ من إعادة النظر في الشعارات التي باتت تفتقد المصداقيّةَ وتثير الكثيرَ من التندُّر في الأوساط الفلسطينيّة.

فكيف يمكنُ الحديثُ عن "وحدة وطنيّة" مثلًا في ظلِّ الانقسام الصريح بين النهجيْن أعلاه؟

وكيف يمكن الحديث عن "إعادة بناء منظّمة التحرير" من دون الحديث عن الأساس البرنامجيّ الكفاحيّ المقاوم، الذي ينبغي أن تتبنّاه المنظَّمةُ بعدَ إعادة بنائها، هذا إنْ أعيد بناؤها؟

أمّا مطلب "اجتماع موسّع للقيادة الفلسطينيّة" فقد حدث فعلًا، ولم ينتجْ منه إلّا خطابُ محمود عبّاس الأخير الذي أعاد فيه تكرارَ تمسُّكه... بثوابتِ نهجِ التفاوض!

ومع ذلك، فثمّة إمكانيّةٌ واسعةٌ لعمل وطنيّ مشترك تحت شعار "الوحدة الميدانيّة للوطنيين الفلسطينيّين،" بعيدًا عن تلك التوليفة التنسيقيّة "للقوى الوطنيّة" التي لا تخرجُ (ولم تخرجْ يومًا) عن هيمنة القيادة الفلسطينيّة، على الأقلِّ في الضفّة الغربيّة. ولم يعد خافيًا، في هذا الصدد، أنّ حركة فتح، بكادراتها الميدانيّة والقواعد، في وادٍ، والقيادةَ الرسميّةَ في وادٍ آخر. إنّ "فتح،" شأن معظم التنظيمات الفلسطينيّة، تمتلك قاعدةً نشطةً وكفاحيّةً، ولا يجوز في لحظةٍ وضعُها في صفّ قيادتها. وإنّ تنامي النضال والحركة الشعبيّة قد يحفِّز تلك القاعدةَ على مزيدٍ من الافتراق عن قيادتها.

والحقّ أنّ بناء وحدة ميدانيّة لكلّ الوطنيين الفلسطينيّين أمرٌ ممكنٌ بل مختبَر؛ فتلك الوحدة سبق أن تجسّدتْ، وما زالت تتجسّد، في معارك فرعيّة عديدة، مثل: نضالات الحركة الأسيرة، وحركة التضامن مع الأسرى، والنضال ضدّ مصادرات الأراضي والاستيطان، وحركة الدفاع عن المسجد الأقصى. والمطلوب اليوم هو تجسيدُ تلك الوحدة الميدانيّة مجدّدًا لإعلاء موقف الرفض الفلسطينيّ لصفقة القرن، على طريق دحرها.

هذه الدعوة ليست، بأيِّ حال، دعوةً إلى المزيد من توتير العلاقات الفلسطينيّة الداخليّة. فمن الخطير تفجيرُ التناقض الثانويّ بين النهجيْن، حين تستوجب المرحلةُ توحيدَ الجهود لحسم التناقض الرئيس مع المستعمِرين وصفقتِهم. ومع ذلك، فمن الضروريّ بمكانٍ وضعُ حدٍّ فاصلٍ (في الخطاب والممارسة) بين نهجَي التفاوض والمقاومة، وإدارةُ الظهر للهياكل الرسميّة الشكليّة للنضال، واجتراحُ هياكلَ شعبيّةٍ لتجسيد الوحدة الميدانيّة.

ثالثًا، على مستوى التعبئة الآنيّة، تنبغي إعادةُ الاعتبار إلى خطاب التحرير والتحرُّر الوطنيّ، خطابِ "الميثاق الوطنيّ" الذي قدَّمه ياسر عرفات عربونَ "محبّةٍ" على شرف أوسلو؛ وإعادةُ الاعتبار إلى كافّة أشكال المقاومة؛ وبناءُ الأدوات التنظيميّة اللازمة للنهوض بذلك. تلك مهمَّةٌ تقع على عاتق قوى المقاومة، والمثقّفين الوطنيّين على اختلاف تخصّصاتهم.

إنّ شعبنا يملك، فعلًا، مقوِّمات مقاومة صفقة القرن.

فلسطين المحتلّة

وسام الرفيدي

باحث ومحاضر متفرغ في دائرة العلوم الاجتماعية في جامعة بيت لحم- فلسطين، عمل سابقاً كمحاضر غير متفرغ في جامعة بيرزيت لعلم الاجتماع والدراسات الثقافية. حاصل على شهادتي ماجيستير من جامعة بيرزيت، الأولى في علم الاجتماع عن رسالته، التحولات على مكانة المرأة في الرواية الفلسطينية المعاصرة، ما قبل وبعد أوسلو، والثانية في الدراسات العربية المعاصرة.

يحاضر الرفيدي منذ سنوات في مساقات عدة منها النظرية الاجتماعية، الحركات الاجتماعية، الإعلام والاتصال، السكان، والعائلة، كما يساهم حالياً مع زملائه في الدائرة تطوير مساقات إضافية في التاريخ الاجتماعي الفلسطيني وعلم اجتماع الدين. للباحث رواية منشورة (الاقانيم الثلاثة) بطبعتين في رام الله ودمشق، وكتاب صدر عن الفارابي حول المرأة والرواية الفلسطينية بين زمنين: أوسلو والمقاومة، وكتاب ثاني صدر في رام الله حول صناعة الكتاب في فلسطين قُدِم لمعرض فرانكفورت الدولي للكتاب، كما وله العديد من الدراسات المنشورة في مجلات وكتب، منها دراسات في الهوية الفلسطينية بعد أوسلو، القومية المتخيلة والعنف في النص التوراتي، والخطاب الفكري للمنظمات.

 تتعدد اهتمامات الباحث معرفياً فإضافة لحقول العلوم الاجتماعية، تحظى قضايا مثل نظرية الرواية والنص الديني والفكر السياسي باهتمام خاص من قبله.