جلسة نسائيّة في مؤخّرة الباص
24-12-2015

 

ينوء جسدي تحت ثقل الحاجيّات والحقائب التي أحملها، وأنجحُ بصعوبةٍ في حشر نفسي في المقعد الأخير من الباص الصغير الذي سيقلّني إلى دمشق، فلم أنتبه في الحال إلى أنّها كانت تبكي إلى جانبي.

كانت تبكي بصمتٍ وهي تشيح بوجهها إلى زجاج الشبّاك، إلّا أنّ قطرات الدمع كانت أكبر من أن تُخفى. ولأنّني لم أستطع التخلّي عن خجلي المعهود، ولم أمتلك الجرأةَ على اقتحام عزلتها، فقد اكتفيتُ بابتسامةٍ مُطمئِنةٍ مواسية، وتبادلتُ معها بعض العبارات المقتضبة عن بطاقة الهويّة وتعرفة الركوب.

راقبتُ ملامحها: ذلك الخطّ الغليظ من الكحل الأسود الذي يرسم حدودَ عينيها، من دون أن تحوّله الدموعُ عن مساره، وتأمّلتُ معطفَها بفروه الاصطناعيّ القبيح، ويديْها المتعبتين. كانت ستكون جميلةً إذا استطاع خيالُ المرء تحريرَها من كلّ أصبغة الوجه الرخيصة والثياب الرثّة المبهرجة، وتمييزَ عينيها الواسعتين ورموشِها الطويلة التي بلّلتها الدموع.

كان الباص ينتظر المزيدَ من الركّاب كي يبدأ رحلته. مدّت شابّةٌ رأسَها إلى داخل الباص. ألقت نظرةً عابرةً لتقرّر أين ستجلس، ثمّ اقتربتْ منّي. ابتسمتُ لها ابتسامةً بلهاءَ لأنّها نظرتْ إليّ بتوجّسٍ قبل أن تتّخذ مكانها إلى جانبي.

شممتُ رائحة العرق تحت معطفها الأسود القديم. تململتُ. ومع حركة العجلات الرتيبة، تحرّك الفضولُ داخل القادمة الجديدة إزاء الفتاة الباكية. كنتُ في الوسط، حاجزًا يَمنع تدفّقَ الأحاديث النسائيّة. إلّا أنّ فضول الفتاة تغلّب على الصمت؛ فقد رفعتْ صوتها موجّهةً الحديث إلى الفتاة الباكية: "ما في شي بيستحقّ ينبكى عليه، لمّا شفتك عم تبكي هانت مصيبتي." ابتسمت الفتاةُ الباكية، من دون أن تنجرّ إلى الحديث. ازددتُ فضولًا لمعرفة سبب بُكائها، واستشعرتُ المصادفةَ الغريبة التي جعلتني أجلس بهمومي الصغيرة بين امرأتين حزينتين.

لم تستطع سعاد، كما عرّفَتْ عن اسمها فيما بعد، احتمالَ الصمت. استغلّت سؤالًا طرحه أحدُ جنود الحاجز على إحدى الراكبات حول عدد أطفالها كي تقول لي فجأة: "وأنا أيضًا عندي طفلان." شجّعتُها على الكلام طارحةً المزيدَ من الأسئلة المقتضبة عن أعمار الأطفال وأسمائهم.

كانت حياتُها، كما شاءت أن تصفها، سعيدةً... حتّى أتى الإنترنت وخرّبها. فقد بدأ زوجُها ينشغل في محادثات مع نساءٍ غريبات. لم تهتمّ بالأمر في البداية ("إنّه مجرد كلام!" قالت لنفسها)، حتّى أعلن فجأةً أنّه يريد أن يهجرَها.

تكمل سعاد حكايتَها بسرعة، كأنّها تلخّص حياتها ضمن حدود رحلة الباص. تقول إنّه لا يريد أن يطلّقها، ثم تضيف أنّها جاءت إلى هذه المدينة للتأثير في قراره. تستدرك "هل سمعتنّ يومًا بامرأة توسّط أناسًا كي تستردّ زوجها؟! وتضيف: "أنا حزينة على البيت فقط؛ فقد عملتُ عشرَ سنوات إلى جانب زوجي حتّى استطعتُ بناءه." تنشغل في وصف سراميك المطبخ والبلاط والأثاث الذي خلّفتْه وراءها. تخبرنا كيف حارب زوجُها الدنيا حتّى يتزوجها، وتبرّر له بصوت مرتفع: "إنّه مضطرب الآن، وعقله غير متّزنٍ." غصتُ في ملامح وجهها: لم أجد ملامحَ الفتاة "المعشوقة" قبل عشر سنين. كان جلدُها مصبوغًا، وأسنانُها صفراء متآكلة، وفقد شعرُها صباغه الأشقر.

كانت سعاد تسرد مأساتها بصوت مرتفع. كلامُها شَغل الفتاة الباكية، فكفكفتْ دموعَها، وأعلنتْ كأنّها تعلم أنّ دورها حان لسرد مآسيها: "اكتشفتُ بعد أربع سنوات أنّني كنتُ مجرّدَ دمية." أخبرتنا أنّها غير متزوّجة، وأنّها تعمل لكي تهتمّ بأبيها وأمّها وإخوتها الصغار، وأنّ اثنين من إخوانها اختفيا إثر الحرب الدائرة في البلاد. 

بدا أنّ حديثنا في المقعد الخلفيّ جذب اهتمامَ الركّاب في المقعد أمامنا؛ فقد تململ شابّ بغيظ لسماعه شتّى أنواع السباب وهي تكال "للرجال." استيقظ طفلٌ وبدأ يقلّب عينيْه اللامعتيْن بين الفتيات الثلاث في المقعد الخلفيّ. استغلت الأمّ فضولَ طفلها كي تجد لها مكانًا في المحادثة النسائيّة، فتوجّهت إلى سعاد بالقول: "كلّنا بالهوا سوا، حكايتي تشبه حكايتك، الإنترنت هو السبب!"

وعلى عجلٍ روت "أمُّ عليّ،" الفتاةُ الجميلة، ذاتُ الغطاء الأسود، والشفتين المكنتزتين، تفاصيلَ خيانة زوجها، وقرارَه الزواجَ مرّةً أخرى. انشغلت النسوة الثلاث بتبادل النصائح وكيل الشتائم. كان عليّ، الرجل الصغير، يبتسم لي ويتحرّك لاهيًا نشطًا في حضن أمّه. توجّهن بأسئلتهن إليّ أخبرتُهنّ أنّني غير متزوّجة، وأنّني أكمل دراستي وأعمل، فشجّعنني على ذلك، وحذّرنني من الزواج، ثم أكملن أحاديثهنّ، غير مكترثاتٍ بي. تذكّرتُ مصيبتي الصغيرة، تلك الأفكار التي عذّبتني طويلًا عن ذلك الشابّ المسافر. هل أستطيع أن أشاركهنّ في مخاوفي وهمومي، وأخبرهنّ عن محاولاتي المتكرّرة لجعله يحبّني؟ عن رسائلي الطويلة؟ عن المخاوف ذاتها حول مشاعر الهجر وزوال الحبّ؟ لم اعترف لهنّ بأنّني أخاف أن تخطف حبيبي فتاةٌ جميلةٌ في تلك البلاد البعيدة.

أخرجتني من حمّى أفكاري أصواتُ النسوة. كنّ الآن ينصحن سعادَ بالذهاب إلى عرّافةٍ كي تفكّ خيوطَ السحر التي نُسجتْ حول زوجها، وتنظّفَ رأسَه من السموم الذي سُكبت فيه. كأنّه لن يفكّر في هجرها والاستيلاء على منزلها لولا الإنترنت، وكأنّ والد عليّ سيكتفي بإمرأةٍ واحدة لولا الواتس آب الذي لا يكفّ عن الرنين! 

كان الباص يدخل بطيئًا إلى دمشق. ترجّلنا تباعًا: في البداية الفتاة الباكية، التي توقّفتْ عن البكاء ولوّحتْ بيدها لنا قبل أن تمشي مبتعدةً؛ تلتها سعاد التي أضاعت مفترقَ الطرق الذي يجب أن تترجّل عنده لانشغالها بحفظ رقم العرّافة على هاتفها المحمول؛ ثم نزل عليّ وأمه وجدّته. أدنت الأمُّ طفلها منّي، فطبعتُ قبلة على خدّه الورديّ الدافئ ولمست كفّه الصغيرة. وقفت الجدّةُ وابنتُها على الرصيف، واستطعت أن أميّز الأثرَ الذي تركه أحمرُ الشفاه على الخدّ المكتنز، قبل أن يسير الباص بي مبتعدًا.

دمشق

 

 

 

 

نور أبو فرّاج

 صحفيّة سورية من دمشق. لها مقالات في صحيفة السفيراللبنانيّة وعدد من الجرائد والمجلّات السوريّة.