فيدراليّة شمال سوريا: الرهان يمكن أن ينجح اجتماعيًّا إذا اعتمد الممارسةَ الديمقراطيّة (ملفّ)
29-05-2016

 

على امتداد الخارطة الجغرافيّة لفيدراليّة روج ــــــ آفا (شمالي سوريا) تتنوّع تركيبةُ الشعب السوريّ، بين عرب وكرد وسريان وتركمان وأشوريين وأرمن وغير ذلك. ولعلّ هذا التنوّع يجعل من إمكانيّة توليفها في نظامٍ سياسيّ، يثق الجميعُ في أنّه الشكلُ الأنسبُ للإدارة السياسيّة، أمرًا بالغَ الصعوبة. وهذا لا يعود إلى تأثّر تلك الإثنيّات والأعراق بالتجاذبات الإقليميّة والدوليّة في تعاطيها مع الأزمة السوريّة وحسب، وإنّما أيضًا إلى تأثّرها بالأفكار القوميّة إلى درجة انغلاقها على نفسها.

فعلى مدار القرن الماضي، تغذّى كلُّ فريقٍ من نبع الفكر القوميّ الذي وجّهَه، ليعتبرَ أيَّ انفتاح على الآخر خطرًا على القوميّة "الأصل" وثقافتها. فلقد حاولت الأنظمةُ السياسيّةُ المتعاقبة على سوريا تأويلَ الاعتراف بالوجود الكرديّ السياسيّ وثقافتِه نيلًا من القوميّة العربيّة. ويَحْضرني هنا ردُّ أحد المثقّفين الكرد السوريين على عنصرٍ من المخابرات، إبّان الوحدة السوريّة ـــــــ المصريّة، بالقول: "سأتنازل عن قوميّتي الكرديّة شفقةً على القوميّة العربيّة التي احتاجت إلى شخصٍ مثل عبد الجليل حسن لتكتملَ مقوّماتُ حضارتها." وتتزامن الحادثة مع بدايات نشوء الفكر القوميّ الكرديّ، وتأسيسِ أوّل تنظيم سياسيّ كرديّ في سوريا باسم الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ ــــــ سوريا.

وبالمناسبة، يمكن الاستدلالُ من التحديد الجغرافيّ (" ــــ سوريا") في اسم الحزب المذكور على أنّ المناطق ذات الأغلبيّة الكرديّة في سوريا امتدادٌ ديمغرافيّ جغرافيّ لـ "أرض كردستان" في سوريا والعراق وايران، وهي أرضٌ وزّعتها اتّفاقيّةُ سايكس ــــ بيكو بين الدول الأربع. وبلغ تخوّفُ التربية القوميّة الكرديّة من أيّ انفتاحٍ على الثقافات الأخرى درجةَ النظر أحيانًا إلى دارس الأدب العربيّ من الأكراد على أنّه خائنٌ لقضيّته، الأمر الذي يدلّ على أنّ التوجّه العامّ كان يسيّر الفردَ في منحًى معيّن ــــ وهذا ما يسمّى بـ"سلطة الجماعة". وتأطّرتْ تلك السلطة في الهياكل الاجتماعيّة والدينيّة، وتماهت مع الخطّ القوميّ، ليعتكفَ شيوخُ العشائر العربيّة عن الاضطلاع بأيّ دور سياسيّ، خشية معارضة القبيلة لهم إنْ جاءت مواقفهم مخالفةً لآراء الجمهور العامّ. لكنْ لم يكن للفكر العشائريّ في سوريا ذلك التأثيرُ الذي يخوّله الاضطلاعَ بدور مؤثّر أصلًا، ولا سيّما أنّ العشائر هناك صغيرة قياسًا إلى عشائر بعض الدول العربيّة الأخرى؛ فالحالة المجتمعيّة كانت أقربَ إلى التأثّر بالإيديولوجيّات "الوافدة،" ولاسيّما المتطرّفة، أقوميّة كانت أمْ دينيّة أم يساريّة.

ونجحت السلطة السوريّة، بواسطة قوّة جهازها الاستخباراتيّ، في خلق نوع من توازن القوى بين تلك المكوّنات. فكانت الأكثريّة الكرديّة في بعض المناطق عاملًا لإعطاء العرب والمسيحيين في الجزيرة امتيازاتٍ أكبر، بينما كان التعاملُ مع الأكراد يدخل في نطاق السياسة الإقليميّة التي اتّبعتها مختلفُ دول الجوار في منع أيّ بروز إعلاميّ أو ثقافيّ أو سياسيّ للشعب الكرديّ. واختلفت الحالة نسبيًّا في الشمال الحلبيّ، إذ كان الأكرادُ أقلّ خطرًا ــــــ من منظور السلطة ـــــــ نسبةً إلى التطرّف الدينيّ؛ فحصل الأكرادُ هناك على امتيازاتٍ أكبر، مثل تقلّد مناصب في الجيش والدولة. لكنْ لا يمكن القول إنّ الحالة المجتمعيّة في ذلك الجزء من سوريا كانت تعيش شرخًا اجتماعيًّا؛ فمجتمع الجزيرة، على سبيل المثال، تبلوَرَ على فهم متعدّد الثقافات، وتبدّى ذلك في الأعراس؛ كما تمتّعت الحسكة بتآلف مجتمعيّ واضح.

***

قياسًا على هذا الوعي الجمعيّ العامّ في المجتمعات التي تعيش ضمن خارطة الفيدراليّة، لا يمكن تصوّرُ دلالات واضحة لمفهوم الفيدراليّة لدى الجميع. فالفيدراليّة بالنسبة إلى الجمهور الكرديّ تعني إحدى الخطوات نحو الاعتراف الدوليّ بوجود هذا الشعب، وتحقيق حلم الدولة الكرديّة، وبالتالي الخلاص ممّا يصفونه بـ"لعنة اتّفاقية سايكس ــــــــ بيكو"؛ فيما يراه العرب خطوةً نحو الانسلاخ من جسد الوطن، ومن ثمّ التقسيم.

ولا يمكن إغفالُ تأثير الصراع الذي يدور منذ أكثر من خمس سنوات في سوريا، إذ أنتج بدوره صراعاتٍ أصابت المجتمعَ في الصميم، وتمثّلتْ في اصطفافات القوى المجتمعيّة بين تنظيمات وقوًى عسكريّة مختلفة ذات أبعاد إقليميّة، وبعضُها ما يزال فعّالًا ــــ كما في المنطقة الممتدّة بين مدينة كوباني ومناطق الريف الشمالي لحلب وصولًا إلى الساحل السوريّ، حيث تحاول تركيا استخدامَ الأوراق جميعها في سبيل تحقيق حلم المنطقة العازلة.

لا يمكن تصوّرُ الانتقال بالمجتمع من نظام سياسيّ مركزيّ إلى فوضى العسكرة، ومن ثمّ إلى النظام الفيدراليّ، وذلك لعدم وجود أرضيّة من الوعي لتقبّلها. لكنْ بمقدور هذا الانتقال أن يتحقّق، على المستوى البعيد، من خلال الاستفادة من الحوامل الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة التي بُنيتْ على أساسها فيدراليّة روج ــــ آفا؛ فالمكوّنات الرئيسة الثلاثة تختلف في مرجعيّتها: العرب مرجعيّتُهم العشيرة، والكرد مرجعيّتُهم التنظيمُ السياسيّ، والمسيحيون مرجعيّتُهم الكنيسة. والاستفادة يمكن أن تكون من خلال دعم هذه الأطر على أساس ممارستها للديمقراطيّة، لا على أساس توجّهها السياسيّ أو العرقيّ أو الدينيّ.

غير أنّنا نشير إلى دعوة جميع المكوّنات، في مؤتمر الفيدراليّة، على أساس ضرورة وجود الجميع، وضرورة أن يتقلّد الجميع مراكز قياديّة في الإدارة الجديدة، من دون اعتبارات للكفاءة! وعلى الرغم من أنّ التنظيم السياسيّ القائد للفيدراليّة (حزب الاتّحاد الديمقراطيّ) بدا منفتحًا على الفعاليّات المدنيّة والاجتماعيّة خلال سنوات بروزه في الشمال السوريّ، فإنّه في جوهر سياسته منشغل بالعمل العسكريّ أكثر من انشغاله بالإدارة المدنيّة والسياسيّة، ولاسيّما أنّ معاركه الطويلة ضدّ تنظيم دولة الخلافة جعلت أولويّاته العسكريّة تطغى على جوانب تفعيل العمل المدنيّ؛ هذا العمل الذي يشكّل أساس تطوّر ممارسة الديمقراطيّة والانتقال بالمجتمع إلى مناخات يمكن أن تكون فيها الفيدراليّة نموذجًا توافقيًّا بين المكوّنات الموجودة في المنطقة.

 

سوريا

 

سعيد قاسم

كاتب وصحفيّ سوريّ من محافظة الحسكة.