الصندوق الأسود لأسامة بن لادن: رسائل أبوت آباد
10-10-2019

 

في الذكرى السنويّة الأولى لاغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، نشر "مركزُ مكافحة الإرهاب،" التابع لكليّة ويست بوينت العسكريّة، 17 وثيقةً من أصل ستّة آلاف عُثر عليها في منزل بن لادن بعد قتله في بلدة أبوت آباد الباكستانيّة، وذلك أثناء عمليّةٍ أُطلق عليها اسم "جيرونيمو" في الثاني من أيّار 2011، على يد فريق من القوّات الأمريكيّة الخاصّة التابعة للبحريّة الأمريكيّة. الوثائق عبارة عن مجموعة من الرسائل (175 صفحة باللغة العربيّة، مرقّمة من 3 إلى 19) كُتبتْ بين أيلول 2006 ونيسان 2011، بعضُها من أسامة بن لادن وإليه، والبعضُ الآخر مراسلاتٌ داخليّة بين قيادات فروع التنظيم في أماكن مختلفة من العالم.

هذه الوثائق تحوّلتْ إلى مادّة إعلاميّة دسمة للعديد من الخبراء والمتابعين لشؤون تنظيم القاعدة. فبن لادن هو أحدُ أكثر الشخصيّات جدلًا في عالم اليوم، وقد شكلّتْ شخصيّتُه لدى البعض "نموذجًا جديدًا غيرَ مسبوق في تاريخ الإرهاب المعاصر: رجل أعمال مستقّل ذو ثروة، ينتشر أتباعُه في أرجاء العالم مستنفرين لابتكار العمليّات الإرهابيّة" على ما جاء في توصيف الكاتب الأمريكيّ جوناثان راندل  لظاهرة بن لادن، وذلك في كتابه أسامة: السبيل إلى الإرهاب؛ وهو عند بعض آخر يمثّل "فكرةً أحيتْ عقيدةً وأمّةً، وأيقظتْ ضمائرَ، ووحّدتْ عقولًا، وجمعتْ هممًا، وهيّأتْ للتخلّص من الظلم والطغاة والطغيان ونصرةِ المستضعفين وإقامة شرع الله،"[1] بحسب الباحث في شؤون الحركات الإسلاميّة الدكتور أكرم حجازي.

ونحن، من خلال الوقوف على هذه الرسائل، نحاول سبرَ أغوار هذه التجربة المتفرّدة النمط، لنصلَ إلى إجابات أوّليّة تتعلّق بالأسئلة التالية: ما هو الدور الحقيقيّ الذي كان يلعبه بن لادن على رأس التيّار الجهاديّ؟ وما حجمُ قدرته الفعليّة على ضبط تنظيمه العنقوديّ الذي انتشر في أنحاء كثيرةٍ من هذا العالم؟ وهل كان راضيًا عن أداء قيادات فروع التنظيم، وعن العمليّات التي حملت اسمَ "القاعدة" في كلّ مكان؟ وهل كان يخطّط لإجراء مراجعة لتصحيح مسار التيّار الجهاديّ الذي كان يخسر الكثيرَ من التعاطف مع كلّ عملٍ يقوم به؟ وكيف كان ليقرأ الثوراتِ العارمةَ في العالم العربيّ، وإلى أيّ مدًى كان مهيَّأً لمواكبتها أو اللحاقِ بركبها؟

    

بن لادن: من الإدارة الميدانيّة إلى القيادة "الميديائيّة"

"بوّابة الخلافة المفقودة" شعارٌ أطلقه الشيخان عبد الله عزّام وأسامة بن لادن على أفغانستان في أوائل الثمانينيّات، وعليه تمأسس العملُ العربيُّ الجماعيّ هناك من خلال "مكتب خدمات المجاهدين" بإدارة الأوّل وتمويل الثاني. قُتل عزّام في العام 1989، تاركًا الأمرَ كلَّه لأسامة بن لادن. فأنشأ الأخيرُ معسكراتِه التدريبيّة في مختلف أنحاء البلاد، وأسّس مكتبًا لتسجيل أسماء المقاتلين القادمين من خارج أفغانستان، سُمّيَ بـ"القاعدة،" وأصبح اسمًا للتنظيم فيما بعد.

حقّق الأفغانُ، بمساندة المجاهدين العرب والدعم الخارجيّ الذي تلقّوه، نصرًا مدوّيًا على القوّات السوفياتيّة، وأجبروها على الانسحاب من أفغانستان، قبل أن يغرقوا في صراعات داخليّة دمويّة. نأى بن لادن بنفسه وبـ"العرب الأفعان" عن تلك الصراعات، وشرع في ترتيب أموره، وأمورِ مَن معه، من أجل البدء في مرحلة جديدة من الصراع مع قوى محلّيّة وعالميّة، على رأسها الولاياتُ المتّحدة، "رأسُ الأفعى."

 

حقّق الأفغانُ، بمساندة المجاهدين العرب، نصرًا مدوّيًا على السوفيات

 

نفّذت القاعدةُ، تحت قيادة بن لادن، مجموعةً من العمليّات ضدّ الولايات المتّحدة، كان أوّلها في اليمن سنة 1992، ومن ثمّ جاء أخطرُها على الإطلاق في التاريخ المعاصر، عمليّة 11 سبتمبر في العام 2001، داخل أمريكا نفسها. وكان بن لادن، حتّى ذلك الوقت، يدير كافّة أمور التنظيم، ويتابع عن كثب أوضاعَ الأعضاء والكوادر والقيادات التي انضوت تحت لواء إمرته.    

بعد 11 أيلول، قامت الولاياتُ المتّحدة باحتلال أفغانستان، وأصبح بن لادن أكثرَ شخصٍ مطلوب العثور عليه في التاريخ. كان هذا الضغط الكبير هو العاملَ الأساس في عزل بن لادن حتى داخل تنظيمه. ومن الممكن الحسمُ بأنّ زعامة بن لادن الروحيّة بقيتْ مسألةً غير قابلة للجدل، إلّا أنّ وضعه كـ"هارب" أحدث فراغًا على مستوى القيادة لم يستطع أحدٌ من قيادات القاعدة الآخرين ملأه.

تشير الوثائق المنشورة إلى فقدان بن لادن السيطرةَ على تنظيمه، الذي لم يعد بحكم الظروف تنظيمًا هيكليًّا ومركزيًّا تشْرف عليه قيادةٌ موحّدةٌ تتحكّم في مرافقه الأساسيّة وفروعه، بل بات أشبهَ بتنظيم عنقوديّ متفرّع ومتباعد، تتشعّب منه خلايا وتنظيماتٌ، محلّيّة وإقليميّة ودوليّة، ذاتُ تكويناتٍ ذاتيّة، تسعى بما توفّر لديها من إمكانات إلى نشر العقيدة الجهاديّة وتجنيدِ المقاتلين وتنفيذ العمليّات، بالإضافة إلى العمل الفرديّ الذي تقوم به الخلايا النائمةُ المؤمنة بعقيدة القاعدة، التي اكتسبها من خلال الشبكة العنكبوتيّة أو الإعلام الجهاديّ عمومًا.

أمام اتساع رقعة الانتشار التنظيميّ هذا، يَظهر بن لادن - على العكس من ذلك – شاكيًا، بل يائسًا في بعض الأحيان، من الأخطاء التي ترتكبها تنظيماتٌ تتحرّك باسمه، وتدين بالولاء لتنظيم "القاعدة الأمّ،" داعيًا في غير رسالةٍ قادةَ تنظيمه المتناثرين إلى "احترام سلطة القيادة المركزيّة للقاعدة."[2] كما أنّه يطلب من أحدهم "إعدادَ مذكّرةٍ تضمّ القواعدَ الواجبَ اتباعُها للاتصال مع المجاهدين، إضافةً إلى السياسة الواجب اتباعُها بشأن الأعمال العسكريّة."[3] ولربّما يكون المثالُ الأوضحُ على تخلخل إمكانيّات الضبط والسيطرة عند بن لادن في تنظيمه هو ما جاء في الوثيقة الثانية، أي في رسالة عزّام الأمريكيّ (آدم يحيى غادان)، وفيها يطلب من زعيمه اتخاذَ موقف حاسم وعاجل "من التصرّفات التي يقوم بها التنظيمُ المسمّى دولة العراق الإسلاميّة بدون أمرٍ من تنظيم القاعدة ودون استشارة"؛[4] كما يطالبه بـ"إعلان القاعدة قطعَ روابطها التنظيميّة بذلك التنظيم..."[5]

هكذا يبدو الانفلاتُ التنظيميّ من يد بن لادن جليًّا، وهكذا هو الحال مع معظم فروع التنظيم. هذا عدا عن المشاكل الداخليّة الأخرى في كلّ فرع من الفروع، من مثل "... الإساءة في استخدام اسم التنظيم، والفساد الماليّ، والتنافس على القيادة وعلى البيانات الإعلاميّة."[6] ويحاول بن لادن الاستعاضةَ عن دوره الميدانيّ بدور إعلاميّ مركَّز، من خلال ظهوره المباشر عبر الخُطب والكلمات المرئيّة والصوتيّة، الموجَّهة لأتباعه وجمهوره، أو لأمّته، أو لأعدائه. وكان "الشيخ" - بحسب الوثائق - يتلقّى النصائحَ حول كلماته المسجَّلة من المقرّبين إليه، ولاسيّما المثلّث القياديّ: أيمن الظواهري (أبو محمّد)، وعطيّة عبد الرحمن (الشيخ محمود)، وآدم يحيى غادان (عزّام الأمريكيّ).

يشير الصحافيّ بكر عطيّاتي، الذي قُدّر له أنْ يلتقي زعيمَ القاعدة، إلى أنّ اهتمام بن لادن بالإعلام وبتوثيق نشاطاته "كان معروفًا عنه حتّى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث إنّه كان لا يترك أيَّ نشاط مهمّ أو حدث إلّا ووثّق له. بل كان في بعض الأحيان يستأجر معدّاتِ تصويرٍ متطوّرةً من شركات مونتاج في باكستان لكي يوثّق لأنشطة القاعدة الهامّة. ومعظمُ موادّ القاعدة المرئيّة التي سبقت الحادي عشر من سبتمبر مسجّلةٌ على أشرطة تصوير منزليّ VHS، كمحاضرات بن لادن وقيادات القاعدة. كان ذلك قبل أن تُنشئ القاعدة قسمَ الإعلام المرئيّ، الذي أطلقتْ عليه اسمَ مؤسّسة السحاب."[7]

وفي مجموعة من الوثائق يتبيّن أنّ بن لادن كان يهدف من خلال خطابه الإعلاميّ إلى عدّة أمور:

- توضيح رؤيته إلى الصراع الدائر في المنطقة والعالم.

- تبيان موقفه من الأحداث الإقليميّة والدوليّة.

- التعبئة وكسب التعاطف بناءً على رؤيته الشرعيّة والسياسيّة.

- تحذير الأعداء وتبنّي العمليّات ضدّهم.

- توجيه النصح إلى أتباعه ومريديه وحثّهم على الجهاد ومواصلة الطريق.

فشل الرجلُ تنظيميًّا، لكنه نجح هو وأتباعُه، من خلال وسائل الميديا الحديثة والأشرطة المرسلة إلى الفضائيّات المختلفة (وأبرزُها قناة الجزيرة)، في بناء إمبراطوريّة إعلاميّة للجهاديين، تحوّلتْ بدورها إلى لاعبٍ أساسٍ على ساحة الإعلام العالميّ. وبحسب الكاتب المصريّ ممدوح الشيخ، فإنّ "صوتَ التنظيم ارتفع، وتمكّنتْ قيادتُه من استغلال تقنيّاتٍ حديثةٍ وأخطاءٍ ارتكبها الخصومُ؛ الأمرُ الذي مكّنَه من تنفيذ حملةٍ دعائيّةٍ كبرى، وتحقيق اتصالٍ مستمرٍّ وآمنٍ، وبلغات متعدّدة، مع الموالين للتنظيم والمجنّدين المحتملين بمختلف مناطق العالم."[8]

لقد تحوّل بن لادن بعد عمليّات 11 أيلول، وحتى لحظة اغتياله، من قائد ميدانيّ للتنظيم إلى قائد ميديائيّ يخاطب فئاتٍ مختلفةً من الناس عبر الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة. ويبدو أنّ اهتمامَه بالإعلام يعكس رغبتَه في الظهور موجِّهًا روحيًّا وسياسيًّا للتيّار الجهاديّ العالميّ أكثرَ منه زعيمًا لتنظيم القاعدة الذي فقد سيطرتَه المباشرةَ عليه. فهو على الرغم من تراجع أدائه التنظيميّ، كان يخطّط لمشاريعَ كبرى وإستراتيجيّاتٍ عالميّةٍ تفوق حجمَ القاعدة وقدراتِها، كما هو واضح في بعض الوثائق.

 

نقدٌ على طريق المراجعة المسدود

شهدتْ بعضُ الحركات الجهاديّة في العقديْن الأخيريْن ما عُرف بـفكر "المراجعات." ابتدأتهْا الجماعةُ الإسلاميّة في مصر، فتنظيمُ الجهاد المصريّ، ومن ثمّ لحقتْ بهما مؤخَّرًا الجماعةُ الليبيّةُ المقاتلة. هذه المراجعات هي عبارة عن نقد معمّق وجذريّ للأفكار التي آمنتْ بها تلك الجماعاتُ طيلة تاريخها، وبناءً عليه حاولتْ إيجادَ نسق فكريّ وإيديولوجيّ جديد، منقطعِ الصلة بالقديم، يُنْكر الممارسات التي تمّتْ تحت مظلّتها الفكريّة، وعلى رأسها التكفيرُ واستخدامُ العنف. وقد ردّ أيمن الظواهري - الرجلُ الثاني في تنظيم القاعدة - على تلك المراجعات في كتاب أسماه التبرئة، وخصّ فيه الوثيقةَ التي كتبها الدكتور سيّد إمام من سجنه[9] تحت عنوان "وثيقة ترشيد العمل الجهاديّ." وصف الظاهري هذه الوثيقةَ بأنّها "تخدم مصالحَ التحالف الصليبيّ - اليهوديّ مع حكّامنا الخارجين على الشريعة أيّما خدمة؛ فهي محاولةٌ لتخدير أعدائهم المجاهدين، وتشكيكِهم في منهجهم، وإخراجِهم من ميدان المواجهة بحجّة العجز والضعف، وبحجّة عدم توفّر مقوّمات الجهاد، وبحجّة اليأس من إمكان الحركات الإسلاميّة أنْ تُحدث أيَّ تغيير في مصر."[10]

بذلك، بدا تنظيمُ القاعدة، في العلن، بعيدًا كلَّ البعد عن القيام بأيّ مراجعةٍ لأفكاره وأساليبه وإستراتيجيّته. ولكنّ دراسةً فاحصةً في الوثائق المنشورة تُظهر غيرَ ذلك عند الرجل الأوّل في التنظيم، إذ كان يسعى إلى إحداث تغييرات جذريّة في تنظيمه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولأنّ بن لادن نفسَه كان غيرَ قادر على إجراء مثل تلك التغييرات بسبب ضعف فاعليّته التنظيميّة، فقد بقيتْ محاولاتُه طيّ الكتمان داخل التنظيم. صحيح أنّ أيّ مراجعات - لو وقعتْ - لن تبلغ مبلغَ مَن سبقوه إليها، وخصوصًا من ناحية التراجع الكامل عن مسألتَي التكفير واستخدام العنف، إلّا أن شيئًا ما مخفّفًا في هذا المجال كان يُخطَّط له من أجل إخراجه إلى العلن.

 

الظواهري: "وثيقة ترشيد العمل" تخدم مصالح التحالف الصليبي اليهودي

 

ففي رسالةٍ من بن لادن إلى الشيخ محمود[11] يذكر أنّ تنظيمَ القاعدة بحاجة إلى "قراءة ناصحة ناقدة نقدًا بنّاءً لجميع سياساته وإصداراته في المركز والأقاليم من الداخل،"[12] ويضيف: "إنّي أنوي إخراجَ بيان أتحّدث فيه عن أنّنا نبدأ مرحلةً جديدةً لتصحيح بعضِ ما بدر منّا. وبذلك نستعيد بإذن الله ثقةَ جزءٍ كبيرٍ ممن فقد ثقتَه بالمجاهدين، ونزيد خطوطَ التواصل بين المجاهدين وأمّتهم."[13]

يسلّط بن لادن الضوءَ في عدد من الرسائل على مجموعة من الأخطاء "الكبيرة" التي يرتكبها تنظيمُه، وعلى رأسها مسألةُ التكفير بغيرِ ضوابطَ شرعيّة، ومسألةُ العمليّات التي تودي بحياة مسلمين وأبرياء. بل يصل في عمليّة النقد إلى حدٍّ يصعب على أيّ متابع لأداء تنظيم القاعدة في العقود الأخيرة أنْ يتخيّلَه، وهو أنّه يعارض خيانةَ العهد الذي قطعه فيصل شهرزاد فرج الله[14] عند أخذ الجنسيّة الأمريكيّة، معتبرًا ذلك من قبيل "الغدر."[15]

أمّا الوثيقة الثانية، المرسَلة من عزّام الأمريكيّ إلى بن لادن، فيحذّر فيها الأولُ زعيمَه، الذي يبدو متجاوبًا معه في غير موضع، من الأخطاء التي يكرّرها التنظيم، وأبرزُها "مأساةُ التساهل في الدماء والأعراض والأموال،"[16] مندِّدًا بالقتل العشوائيّ الذي حصل في العراق واليمن وباكستان وأفغانستان والصومال ودول المغرب العربيّ وغيرها.

أ- استخدام العنف. اعتمدت "القاعدة" طوال تاريخها على العنف وسيلةً مباشرةً لإحداث التغيير المطلوب، وتوسّعتْ تطبيقاتُ العنف لديها حتى تشوّشتْ رؤيتُها. فقد كانت القاعدة، والجماعاتُ الجهاديّةُ عمومًا، تعتمد في حملاتها التعبويّة المنظّمة في السابق على المعارك التي تخوضها في البلاد الإسلاميّة المحتلّة (أفغانستان، الشيشان، البوسنة). وكان الإعلامُ الجهاديّ المرئيّ يلقى رواجًا واسعًا، خصوصًا لدى فئة الشباب المتديّن، لأنّ العدوّ معروف وواضح. لكنْ، عندما تغيّرت الوجهةُ لتصبح الدولُ الإسلاميّة مستهدفةً أيضًا، وباتت عمليّاتُ العنف الموسّع تطول المسلمين أنفسَهم، فقدتْ تلك الجماعاتُ قدراتِها الدعائيّة بشكلٍ كبير. وقد صعّب هذا الأمرُ فيما بعد، على القاعدة تحديدًا، الترويجَ لأفكارها ورؤاها في الأوساط الإسلاميّة.

ويظهر من خلال الوثائق أنّ أسامة بن لادن أدرك هذه الحقيقة: "بعد أنِ اتّسعت الحربُ وانتشر المجاهدون في أقاليمَ عديدة، انهمك بعضُ الإخوة في القتال ضدّ الأعداء المحلّيّين، وازدادت الأخطاءُ التي تقع نتيجةَ خللٍ في حسابات الإخوة المخطِّطين للعمليّات، أو نتيجةً لأمرٍ يجدّ قبل التنفيذ، إضافةً إلى توسّع البعض في مسألة التترُّس، ممّا أدّى إلى سقوط بعض القتلى من المسلمين."[17] ويضيف أنّ "قيامَ القاعدة ببعض العمليّات التي لا تتوخّى الحذرَ يؤثّر على تعاطُف جماهير الأمّة مع المجاهدين، ممّا سيؤدّي إلى كسب بعض المعارك وخسارةِ الحرب في نهاية المطاف."[18] ومسألة "التترّس" سبق تأصيلُها في منهاج القاعدة، وتوصّل فقهاؤها إلى جوازها في "جهاد الدفع" (الذي ترى القاعدةُ نفسَها في دائرته)، لا في جهاد الطلب، واشترطتْ عدمَ التوسّع فيها، من دون ذكر الحدّ الفاصل لحلّيّتها.[19]

تجدر الإشارةُ إلى أنّ سياسةَ العنف العشوائيّ التي ينتهجها تنظيمُ القاعدة شكّلتْ قلقًا وإحباطًا عند بعض القيادات المحيطة ببن لادن أيضًا. فهذا أبو يحيى الليبي[20] يرسل برسالة توبيخ واضحة إلى حكيم الله مسعود، أمير تحريك طالبان باكستان، يحذِّره فيها من مغبّة "التوسّع في القتل، والتوسّع في مسألة التترّس وعدم ضبطها بالشرع عمليًّا، وقتل عوامّ الناس المسلمين في العمليّات الفدائيّة في الأسواق والمساجد والشوارع وملتقيات الناس وتجمّعاتهم، وعدم المبالاة بهم."[21] ويُلحظ أنّ الموقف الأشدّ في هذا الباب كان لعزّام الأمريكيّ، الذي يعترض على استهداف المسيحيين في العراق[22] وقتلِ المسلمين الأبرياء في أماكن متفرقة،[23] وينذر زعيمَه قائلًا: "معلوم أنّ استحلالَ المساجد وسفكَ الدماء المعصومة لم يُعرفا في التاريخ إلّا عن أفسدِ وأفسقِ الطوائف والأشخاص، كالخوارج والقرامطة والحجّاج بن يوسف، ثم الصليبيين والتتار والمغول."[24] 

يكمن سببُ مراجعة بن لادن وأصحابِه لموضوع القتل الذي تمارسه القاعدةُ في حقّ المسلمين والأبرياء من الشعور بالخوف من فقدان التعاطف معها. ولذلك، فإنّ تجنّبَ هذا القتل هو من باب "جلب المصلحة ودرء المفسدة،" وليس من باب المسؤوليّة الأخلاقيّة أو الحرمة الشرعيّة، التي لا يشير إليها بن لادن إلّا عرضًا في بعض المواقع. وعليه، فإنّ المراجعة التي حاول القيامَ بها قبل اغتياله، وسعى إلى نقلها إلى أتباعه قبل إعلانها، لن تكون ذاتَ تأثير كبير في سياسات القاعدة، التي يبدو أنّها مستمرّةٌ على ما استقرّت عليه منذ سنين، ولا يزال ضحاياها المسلمون وغيرُ المسلمين يسقطون في مناطقَ مختلفةٍ من العالم.

ب - مسألة التكفير. من المعلوم أنّ القاعدة تتبنّى المنهجَ السلفيّ أساسًا لمرجعيّتها الفكريّة، على الرغم من محاولات بعض الجهات السلفيّة نفيَ هذا الموضوع واتهامَ القاعدة بالخروج عن "المنهج السلفيّ السليم." ويأخذ الكثيرون على السلفيّة شدّتَها على الخصوم، التي غالبًا ما تصل إلى حدّ التفسيق والتضليل والتكفير.

بدأ الفقهُ التكفيريّ المعاصر، الذي ظهر في معظمه بين ظهراني الجماعات السلفيّة، في أوائل السبعينيّات مع مجموعة "الفنّيّة العسكريّة" بقيادة صالح سريّة، ثمّ مع "جماعة التكفير والهجرة" بقيادة شكري مصطفى. كانت هاتان المجموعتان الصغيرتان من دون تأثير واسع في الفئات الشعبيّة. ولكنّ الموضوع أخذ في الاتّساع مع "الجماعة الإسلاميّة" في مصر و"تنظيم الجهاد المصريّ،" اللذين تمكّنا من اغتيال أنور السادات في العام 1981. بعد هذه العمليّة شرع النظامُ الحاكم في مصر في اعتقال قادة التنظيميْن وكوادرهما وأعضائهما وتصفيتهم.

في ذلك الوقت، كانت مرحلةُ الجهاد الأفغانيّ قد بدأتْ ضدّ السوفيات، وأخذ المقاتلون العرب يتوافدون تباعًا إلى أفغانستان، ومن بينهم مجموعاتٌ كبيرة فرّتْ من مصر خوفًا من القتل أو الاعتقال. وكان السعوديّون والمصريّون هم الغالبيّة، ومعظمُهم يحمل العقيدةَ السلفيّة. وكانت فكرةُ "الولاء والبراء" المتجذّرة في المنهج السلفيّ تشْغل السعوديين، بينما كانت فكرةُ "الحاكميّة" التي نظّر لها أبو الأعلى المودوديّ وسيّد قطب هي الأساس عند المصريّين. الأصل الذي يجمع الفكرتين هو التوحيد، والتطبيق العمليّ لهما كان الجهاد. وبذلك اكتملتْ نواةُ الفقه التكفيريّ المعاصر، أو ما يمكن أنْ نطلق عليه "مربّع التكفير" المكون من أربع أضلاع: التوحيد، الولاء والبراء، الحاكميّة، الجهاد. وقد شكّلتْ هذه العناصر، مجتمعةً، الأركانَ الأساسيّة للعقيدة القاعديّة، أو لعقيدة الحركات السلفيّة الجهاديّة.

تصدّر تنظيمُ القاعدة مشهدَ العنف والتكفير في العالم، وامتلأ خطابُه بهذه اللغة المنفِّرة لعموم المسلمين. ويصف آدم يحيى غادان لأسامة بن لادن المنتدياتِ الجهاديّةَ التي تدعو إلى فكر القاعدة بالقول:

"وأمّا المنتدياتُ الجهاديّة، فمنفِّرةٌ لأكثر المسلميّن، أو مغلقةٌ أمامهم. كما أنّها مشوِّهة، نوعًا ما، لصورة القاعدة، لِما تعلمونه من لغة التعصّب واللهجة الحادّة التي تتّسم بها أكثرُ المشارَكات في تلك المنتديات، ولِما فيها من تحيّزٍ للسلفيّة، بل وليستْ أيّة سلفيّة، وإنّما ما يُعرف بـ’السلفيّة الجهاديّة.‘ والسلفيّة ما هي إلّا تيّارٌ واحد من تيّارات المسلميّن، والسلفيّة الجهاديّة تيّار صغير داخل تيّار صغير!"[25]

هذا الأمر استدعى - كما يبدو في الوثائق - استنفارًا عند زعيم القاعدة من أجل وقف الخطاب التكفيريّ لِما له من سلبيّاتٍ وتداعياتٍ على سمعة "المجاهدين بين أمّتهم." فأبرق إلى أحد مساعديه طالبًا منه "إعدادَ مذكّرةٍ تبيّن موقفَ القاعدة من ’مسألة التكفير بغير ضوابط شرعيّة‘ وتعميمَها على الأقاليم،"[26] في محاولة للحدّ من هذا الخطاب المنتشر في أوساط القاعدة.

خطّ أسامة مذكّرةٍ تبيّن موقفَ القاعدة من مسألة التكفير "بغير ضوابط شرعيّة"

 

غير أنّ إعادة قراءة قضيّة ذات حساسيّة عالية من هذا النوع تأتي، مرّةً أخرى، من باب تغيير السياسة الإعلاميّة للتنظيم، و"مراعاةً للرأي والذوق العامّ لدى جماهير الأمّة ضمن ضوابط الشريعة الإسلاميّة."[27] ولا ندري حقيقةً إنْ كانت المذكّرةُ التي طلبَ بن لادن إعدادَها في هذا المجال ستركّز فقط على "كسب الجماهير واستدراك بعض التصوّرات الخاطئة،" أمْ أنّها ستبحث فعلًا في أصل مشكلة التكفير وفي الكفّ نهائيًّا عن ممارستها ضدّ فئاتٍ واسعةٍ من المسلمين. فإنْ كانت الغايةُ الأولى هي المرادَ من المذكّرة، فيُمكن الحسمُ بالقول إنّ التغيير المرجوّ عند بن لادن صعبُ المنال، سواء كان ذلك قبل اغتياله أو بعده؛ ذلك لأنّ ما تركه فقهاءُ القاعدة من إرثٍ في تأصيل التكفير والعمل به سيبقى أقوى من مجرّد "مراجعةٍ للسياسة الإعلاميّة" التي ينتهجها التنظيم. وبذلك، فإنّ المنهج التكفيريّ سيبقى هو الغالب على فكر القاعدة وعقيدتها الجهاديّة.

ج - الإستراتيجيّة العسكرية. ساد في أوساط الحركات الجهاديّة، بعد الانتصار الذي حقّقته في أفغانستان، نقاشٌ واسع ومتجدّد حول أولويّات المواجهة. ولكنْ، بعد بدء الصراعات الداخليّة بين التنظيمات الأفغانيّة، انتقلتْ جموعُ المقاتلين إلى السودان. وهناك، تولّدتْ لدى قيادات القاعدة فكرةُ تكوين قوّة إسلاميّة عالميّة لا يكون ميدانُها أفعانستانَ فقط. وقد ساهم في إنتاج هذه الفكرة أمران: أ) رفضُ معظم الأنظمة العربيّة المتحالفة مع أمريكا إعادةَ استقبال المقاتلين الذي خرجوا للجهاد في أفغانستان. ب) رفضُ السعوديّة عرضَ بن لادن الدفاعَ عنها في مواجهة النظام العراقيّ إبّان الغزو العراقيّ للكويت حتى لا تستعينَ بالقوّات الأجنبيّة.

ثمّ جاءت حربُ الخليج الثانية، التي شنّتْها قوّات التحالف المكوّنة من 34 دولةً بقيادة الولايات المتّحدة، ضدّ العراق. وقد أثار استقدامُ القوّات الأمريكيّة إلى الجزيرة العربيّة جدلًا واسعًا بين فئات عديدة من العلماء والمفكريّن والساسة على خلفيّة "مشروعيّة وجود قوّات غربيّة صليبيّة في أرض الحرميْن والاستعانة بها." هنا شعرت القاعدة بأنّها خارج السياق تمامًا بفعل التهميش الذي حلّ بها من قِبل الولايات المتّحدة والأنظمة العربيّة المتحالفة معها. وهذا دفع بنَ لادن إلى إعلان الحرب على الولايات المتحدة (العدوّ البعيد)، وعلى الأنظمة السياسيّة العربيّة قاطبةً (العدوّ القريب) متّهمًا إيّاها بالكفر والردّة والتعاون مع الأعداء. وفي مطلع العام 1998، أعلنتْ سلسلةٌ من المجموعات المقاتلة في أفغانستان عن تشكيل إطارٍ جبهويّ يحمل اسم "الجبهة الإسلاميّة العالميّة لقتال اليهود والصليبيين" بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.

بعد هذا الإعلان تشتّتت إستراتيجيّةُ "القاعدة وأخواتها" أكثر فأكثر. فلم تعد المواجهةُ محصورةً بالعدوّ القريب أو العدوّ البعيد فحسب، بل شملتْ أعداءً كثُرًا. ويصف قادةُ الجماعة الإسلاميّة المصريّة في الكتاب الذي أصدروه في نقد القاعدة، تحت عنوان إستراتيجيّة وتفجيرات القاعدة - الأخطاء والأخطار، أنّ هذه السياسة أشبه بـ"فنّ تجبيه[28] الأعداء"؛ فالقاعدة، بحسب رأيهم:

"ساهمتْ في توحيد معظم دول العالم للدخول في صراع ضدّها سواء بطريق مباشر أو غير مباشر:

- الولايات المتحدة الأميركية قوة عظمى نووية.

- الصليبيّون: وسيتمّ - تحت هذا المسمّى - إدخالُ كلّ العالم المسيحيّ بأوروبا والأميركتين وآسيا وأفريقيا.

- اليهود.

- روسيا الاتحاديّة: على خلفيّة دعم ثوّار الشيشان وداغستان، وهي قوة نوويّة عظمى.

- الهند: على خلفيّة الدعم للثوار المسلمين الكشميريين، وهي قوة نوويّة آسيويّة كبرى.

- فرنسا: على خلفيّة تحرّكات بعض الخلايا النشطة التابعة للقاعدة،وضرب ناقلة البترول الفرنسيّة قرب السواحل اليمنيّة.

- كينيا وتنزانيا: على خلفية تفجير السفارتين الأميركيتين.

- أستراليا: على خلفيّة قتل رعاياها في تفجير بالي بإندونيسيا.

- الفليبين: على خلفيّة الدعم المقدّم لجماعة أبو سيّاف في جزيرة مورو.

- مجموعة الدول العربيّة والإسلاميّة التي كانت مسرحًا لعمليّات القاعدة مثل: السعوديّة واليمن والكويت والجزائر والمغرب واليمن واندونيسيا وباكستان وطاجكستان.

- هذا بالإضافة لإيران على خلفيّة الخلاف مع حركة طالبان، والتحالف الشماليّ الأفغانيّ المعارض بقيادة برهان الدين ربانيّ."[29]

كانت تلك الإستراتيجيّة الموسّعة تعتمد على تنفيذ بعض العمليّات هنا وهناك ضدّ أهداف محدّدة، أو على دعم بعض الجماعات المسلّحة في أماكن مختلفة. لكنّ القاعدة من خلال عمليّات الحادي عشر من سبتمبر نقلت الصراع إلى دائرة الحرب الشاملة بينها وبين أعدائها، أيْ إلى نقطة اللاعودة. فبدأت الحربُ العالميّة على القاعدة، وبدأت القاعدة حربَها على العالم. وازدادت شراسةُ الحرب بعد الاحتلال الأمريكيّ للعراق سنة 2003، فبنت القاعدةُ فرعًا لها هناك بقيادة أبي مصعب الزرقاويّ، وبدأتْ عمليّاتِها ضدّ القوّات الغازية وضدّ فئات عديدة من الشعب العراقيّ. كما نفّذتْ عمليّاتٍ عدّة طاولتْ أماكنَ مختلفةً من أوروبا وآسيا والعالم العربيّ الإسلاميّ، ولم يسلمْ منها أحدٌ من مسلمين وغير مسلمين.

ثمّة رسالة مبرقة من صديقٍ سابق لأسامة بن لادن (لم تحدَّدْ هويّتُه بعد) يطلب فيها منه "مراجعةَ العمل في البلاد الإسلاميّة عمومًا وفي أرض الجزيرة خصوصًا."[30] وينصحه من مغبّة "العمل داخل البلاد الإسلاميّة بشكل عامّ، حتى لو كان ذلك ضدّ رأس الأفعى، لأنّ في ذلك مفاسدَ كبيرةً على تلك الشعوب المسلمة وأضرارًا بالغةً على كافّة ميادين الدعوة والعمل الخيريّ والاحتسابيّ وغيرها، ويعطي فرصةً لتغلغل رأس الأفعى ونفث سمومها بشكل أكبر."[31] يتماشى هذا الرأي مع ما يقوله بن لادن في رسالته المطوَّلة إلى عطيّة عبد الرحمن. ولا ندري إنْ كان تشابهُ الموقف جاء بفعل استجابة بن لادن لرسالة صديقه، أمْ أنّه كان من نحت أفكار المراجعة التي يقوم بها، إذ يقول: "ما يفيض من طاقتنا، أو يتعذّر صرفُه على العمليّات داخل أمريكا، وكذلك على الجهاد في الجبهات المفتوحة، يتمّ صرفُه في استهداف المصالح الأمريكيّة بالدرجة الأولى في دول مثل كوريا الجنوبيّة، ونجتنب القيامَ بعمليّات في الدول الإسلاميّة، باستثناء الدول التي وقعتْ تحت الغزو والاحتلال المباشر."[32]

ويعلّل بن لادن هذه الرغبةَ في تغيير الإستراتيجيّة العسكريّة للقاعدة بأمريْن: "الأوّل لتجنّب سقوط ضحايا من المسلمين؛ والثاني خوفًا من الضرر الكبير الذي سيَلْحق بالعاملين في القُطْر الذي ينشطون فيه تبعًا لاستنفار الدولة على الشباب المنخرط في العمل الجهاديّ، وبالتالي يتمّ استنزافُ طاقاتهم وقوّتهم في صراع هامشيّ مع الحكّام."[33]

يكرّر بن لادن هذا المعنى في غير موضع. ويبدو أنّ فشلَ القاعدة في جميع معاركها الداخليّة مع الأنظمة والحكّام، وخسارةَ التعاطف الجماهيريّ معها بسبب وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في عدد من الدول الإسلاميّة، هما اللذان دفعاه إلى إعادة  النظر في مسألة المواجهة مع "العدوّ القريب." ويَظهر الحسمُ في موقفه من هذه المسألة بوضوحٍ بقوله لأتباعه:

"الأولويّة في العمل العسكريّ هي التركيزُ وإعطاءُ نصيب الأسد لرأس الكفر العالميّ. وأمّا التركيز على المرتدّين وكثرةُ الحديث عنهم [فـ]لا تفقهه جماهيرُ الأمّة، وبالتالي لا تتفاعل معه، بل كثيرٌ منهم ينْفرون منه، ويجعلنا نسير في بيئةٍ غيرِ محتضِنةٍ للحركة الجهاديّة، وبالتالي لا تمدّنا بالدعم لمواصلة الجهاد واستمراره."[34]

واقعُ الأمر يُظْهر تباينًا واضحًا بين رؤية بن لادن للصراع في المنطقة والعالم، وبين ما يطبّقه أتباعُه على الأرض. فعلى الرغم من توجيهات قائد التنظيم الأوّل، فإنّ العمليّات التي ينفّذها التنظيمُ في العالم الإسلاميّ ماضيةٌ على قدم وساق، وضحايا هذه العمليّات ما زالوا يسقطون في العراق واليمن وباكستان وأفغانستان وغيرها من الدول الإسلاميّة. ولا يبدو أنّ شيئًا تغيّر في إستراتيجيّة التنظيم العسكريّة إلّا ما قاله الرجل على الورق. وخلاصة القول في هذا الفصل أنّ كلّ ما كان يحاول بن لادن القيامَ به من مراجعات واستدراكات في مسائل استخدام العنف والتكفير والإستراتيجيّة العسكريّة لم ينزل موضع التنفيذ، بل دُفن معه، وذهبتْ مفاعيلُه أدراجَ الرياح؛ كما أنّ سياسة الخلط بين التكتكيك والإستراتيجيا والعقائد تبقى هي السمةَ الغالبة على توجّهات القاعدة، السياسيّة والإعلاميّة والعسكريّة.

           

محاولة الإمساك بلجام الثورات العربيّة

لم تؤمن القاعدة يومًا بفكرة الثورات السلميّة أو الشعبيّة لإسقاط الأنظمة الحاكمة في العالم العربيّ. بل يصعب أن يكون التفكيرُ القاعديّ في أيّ مسألةٍ واقعًا خارج المنطق السلفيّ المزدحم بالتوجيهات العقديّة، التي في غالبها لا تميل إلى فكرة الخروج على الحاكم. ولكنْ إنْ حدث أن اقتربتْ من هذا المجال، فإنّها تميل إلى فكرة الخروج بالسيف، لا بالطرق السلميّة. ومع أنّ تنظيم القاعدة، كما ذكرنا، يتبنّى المنهجَ السلفيّ، فإنّه قد أدخل عليه خليطًا من مناهجَ أخرى، يلخّصها أبو مصعب السوري، أحدُ أكبر منظّري القاعدة الإستراتيجيّين، بأنّها ضمّت "أساسيّاتٍ من فكر الإخوان المسلميّن + المنهج الحركيّ للشهيد سيّد قطب + الفقه السياسيّ الشرعيّ للإمام ابن تيمية والمدرسة السلفيّة + التراث الفقهيّ العقديّ للدعوة الوهابيّة  ← المنهج السياسيّ الشرعيّ الحركيّ للتيّار الجهاديّ."[35]

 

لم تؤمن القاعدة يومًا بالثورات السلميّة لإسقاط الأنظمة الحاكمة

 

هذه التوليفة الإيديولوجيّة للقاعدة، وللحركات السلفيّة الجهاديّة عمومًا، أسقطتْ من حساباتها فكرةَ التغيير بالطرق السلميّة أو من خلال الثورات الشعبيّة، وأبقتْ على العمل المسلّح والسرّيّ وسيلةً أساسيّةً ووحيدةً للتغيير. وكان أوّل مَن دشّن مرتكزاتِ هذا الخطاب التي استقرّت عليه القاعدةُ طوال تاريخها هو محمّد عبد السلام فرج، الأميرُ الفعليّ الأوّل لتنظيم الجهاد المصريّ، في كتابه الفريضة الغائبة، وفيه رأى ضرورةَ إعطاء أولويّة لمواجهة العدوّ القريب، المتمثّلِ في الأنظمة العربيّة، بالقوّة. ويُذكر أنّ هذا الكتاب الصغير اعتبره الكثيرون ترخيصًا بقتل السادات من أجل قلب نظام الحكم وإقامة حكمٍ إسلاميّ بديل في مصر. كتب أيمن الظواهري، أحدُ مؤسّسي هذه المدرسة بعد تحالفه مع تنظيم القاعدة، كتابًا أسماه فرسان تحت راية النبيّ، أبقى فيه على هذه الفكرة، مضيفًا إليها فكرةَ مواجهة العدوّ البعيد، مع إعطاء الثانية الأولويّةَ القصوى، ليكرِّس بذلك عمليّة "عولمة الجهاد."

فشلتْ كلُّ محاولات الجهاد المعولم الذي تقوده القاعدة، وعلى رأسها أسامة بن لادن، في إحداث أيّ تغيير جوهريّ من التغييرات التي تسعى إليها، سواء من ناحية قلب أيٍّ من أنظمة الحكم في المنطقة العربيّة، أو تحرير الدول الإسلاميّة المحتلّة، أو إلحاق الهزيمة بالعدوّ البعيد المتمثّل في الولايات المتحدة. ومن مفارقات القدر أن يأتي اغتيالُ زعيم القاعدة بالتزامن مع نجاح الثورات السلميّة في تونس ومصر، وهو نجاحٌ رآه البعض بمثابة "المقتل الرمزيّ الثاني لبن لادن بفعل قتل أطروحته السياسيّة على يد الشعوب العربيّة، عندما قدّمتْ خيارًا إستراتيجيًّا بديلًا يقوم على سلميّة التغيير، بدلًا من الخيار العسكريّ الذي جعلتْ منه القاعدةُ، ومنظّرو ’السلفيّة الجهاديّة،‘ الطريقَ الوحيدَ للتغيير السياسيّ في العالم العربيّ."[36]

وعلى الرغم من الفروق الشاسعة بين المخزون الثوريّ القاعديّ وتمظهراتِه العنْفيّة من جهة، والمخزون الثوريّ الذي فجّرته الشعوبُ العربيّة في ثوراتها السلميّة، فإنّ بن لادن يَظهر في الوثائق متجاوبًا مع هذه الثورات ومتمحمّسًا لمواكبتها والمساهمة بانتصاراتها عبر استخدام شكل جديد من أشكال الإزاحات الإيديولوجيّة لإخفاء الاختلاف العميق مع تلك الثورات. فهو يصف الأحداثَ التي تعمّ المنطقةَ العربيّة بأنّها:

"أهمّ أحداث تشهدها الأمّةُ منذ قرون. فمنذ أنْ دخلت الأمّةُ فيما هي فيه، لم تشهدْ أيَّ تحرّكاتٍ لإنقاذها بضخامة التحرّكات الشاملة التي انطلقتْ بفضل الله في هذه الأيّام. ومعلومٌ أنّ التحرّكات الشعبيّة الشاملة تغيّر الأوضاعَ لا محالة. فإنْ ضاعفنا جهودَنا لتوجيه الشعوب المسلمة وتفقيهِها وتحذيرِها من أنصاف الحلول، مع الاعتناء بحسن تقديم النصح لها، ستكون المرحلةُ القادمة للإسلام بإذن الله."[37]

وفي الوثيقة نفسها يطلب بن لادن من قيادات الأقاليم في تنظيم القاعدة "السماحَ لأعضاء التنظيم بالذهاب إلى ميادين الثورة في بلادهم للسعي في إدارة الأمور بفقهٍ وحكمةٍ بالتنسيق مع القوى الإسلاميّة."[38] ويُذكر أنّ تنظيم القاعدة قد بثّ، عبر موقع سحاب الإعلاميّ، الخاصِّ بتنظيم القاعدة، كلمةً لبن لادن حول الثورات العربيّة، يُبدي في مستهلّها سعادتَه بالثورتين التونسيّة والمصريّة، بل تعكس تعبيراتُه انبهارَه بهذا الإنجاز الكبير. ولاحقًا، يصف أيضًا شبابَ الثورة بأنهم قد "تحمّلوا عبءَ الثورات ومُصابَها ورصاصَ الطغاة وعذابَها، فمهّدوا الطريقَ بتضحياتهم، وأقاموا جسرَ الحريّة بدمائهم. فتيةٌ في مقتبل العمر طلّقوا دنيا الذلّ والقهر، وخطبوا العزّةَ أو القبر."

واللافت في خطاب بن لادن توصيفُه للثورة المصريّة؛ فهو لم يدّعِ أنها ثورة إسلاميّة جهاديّة، ولا أنّها ثورة جياع (للتقليل من أهميّتها)، بل قال: "ولم تكن هذه الثورة ثورةَ طعام وكساء، وإنّما ثورةَ عزّ وإباء؛ ثورةَ بذلٍ وعطاء، أضاءت حواضرَ النيل وقراها من أدناه إلى أعلاه." وأضاف أنّ "رياح التغيير قد هبّت مع الثورات العربيّة" - - ولعلّه يعني التغييرَ بمعناه الواسع الشامل في كلّ المجالات، بما فيها المراجعاتُ الفكريّة التي كان يتحضّر لها هو أيضًا.

لكنْ، على الرغم من هذه الإشارات الإيجابيّة التي يبديها بن لادن حيال الثورات العربيّة، فإنّ تشكيكاتٍ عديدةً في هذا الخطاب صدرتْ من مَراجعَ فكريّةٍ وسياسيّة تؤكّد أنّ الجهاديين يسعوْن إلى الاستثمار "التكتيكيّ" في هذه الأجواء السياسيّة المنبثقة من الثورات العربيّة، ومن الحَراك السياسيّ الداخليّ المطالب بالديمقراطيّة. ولم تأتِ هذه التشكيكات من فراغ، بل من كون "القاعدة وأخواتها" تريد أن تصنِّف هذه الثورات والتغييرات خطوةً نحو التغيير الشامل الذي ترجوه؛ ومن ثمّ فإنّ تأييد الثورات جاء من باب توظيفها في خدمة مشروعها السياسيّ. ولربما يكون المقصد من حرص بن لادن على توجيه هذه الثورات هو ذلك التوظيف بعينه.  

إنّ إستراتيجيّات القاعدة ورؤيتها الفكريّة لم تشهدْ أيَّ تغيير نوعيّ يُذكر بعد الثورات العربيّة، وإنْ كانت قراءةُ بن لادن متقدّمةً نوعًا ما عن قراءات مجموع قيادات التيّار الجهاديّ العالميّ الذي يقوده هو وتنظيمُه. ويمكن أن نلخِّص ما يراه هؤلاء في الثورات العربيّة في ثلاثة أمور: 1) القاعدة لها دور كبير في التأسيس لهذه الثورات من خلال إحياء روح التحدّي والجهاد والمقاومة للطغيان. 2) هذه الثورات هي مجرّدُ خطوة على طريق النصر والتمكين وإقامة الخلافة، تجب الاستفادةُ منها بعد أن زال الكثيرُ من الموانع. 3) الاتجاه السلميّ للثورات لا يمكن أن يشكّل إستراتيجيّةً بديلةً لإستراتيحية العمل العسكري. والدليل على ذلك، كما يرونه، هو ما حدث في ليبيا واليمن، وما يحدث الآن في سوريا.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ تأييد الثورات العربيّة في الخطاب الإعلاميّ للقاعدة، وللحركات السلفيّة الجهاديّة عمومًا، هو مجرّد محاولة للتكيّف مع المناخ السياسيّ الجديد الذي خلقتهُ هذه الثوراتُ في بعض البلدان. وستتّضح هذه الحقيقة أكثر فأكثر مع أحداث العنف التي تشهدها سوريا في بيئة تبدو أكثر ملاءمةً لتوجّهات التنظيمات الجهاديّة.

         

خاتمة

حملتْ وثائقُ بن لادن، التي نشرها "مركزُ مكافحة الإرهاب،" الكثيرَ من الدلالات والإشارات إلى الرؤى والأفكار والإستراتيجيّات التي يحملها. وقد أتاحت لنا هذه الوثائقُ فرصةَ الوقوف على كلّ ذلك بالدراسة والتحليل. ولا ندّعي أنّنا أحطنا بكلّ ما جاء فيها، ولكنّنا حاولنا التركيزَ على أبرز الموضوعات التي وردتْ فيها. ولا ندري إنْ كان انتقاءُ الوثائق متعمَّدًا من قبل الإدارة الأمريكيّة أمْ لا، ولم نشأ أيضًا أنْ نعلّق على هذا الجانب في عمليّة النشر، إنّما عمدنا إلى معالجة القضايا المطروحة كما جاءت في الوثائق، وبعضُها يصبّ في خدمة الصورة الإيجابيّة لأسامة بن لادن، بينما يصبّ البعضُ الآخر في إظهار الأخطاء الفادحة التي وقع فيها تنظيمُ القاعدة بعيون قياديّيه أنفسهم.

اوتاوا

 

 


[1]  أكرم حجازي، "وداعًا أيها الشيخ الجليل،" المراقب 3/5/2011

          http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-296.htm

[2]  الوثيقة رقم 15، ص 3.

[3]  الوثيقة رقم 19، ص 8-9.

[4] الوثيقة رقم 4، ص 8.

[5]  المصدر السابق.

[6]  الوثيقة رقم 6، ص 2-3.

[7]  بكر عطياتي، "أسامة بن لادن والإعلام: تجربة شخصيّة لمراسل التقاه قرب قندهار،" العربيّة نت، 8/5/2011.

          http://www.alarabiya.net/articles/2011/05/08/148344.html

[8]  ممدوح الشيخ، "الإمبراطوريّة الإعلاميّة لتنظيم القاعدة،" مدوّنات إيلاف 10/10/2009.

          http://mamdouhalshikh.elaphblog.com/posts.aspx?U=619&A=27606

[9]  سيّد إمام الشريف أحد منظري الفكر الجهاديّ. كان من معاوني أيمن الظواهري فيما مضى. يُعتبر كتابُه، العمدة في إعداد العدّة، مرجعًا جهاديًّا في مخيّمات تدريب القاعدة في أفغانستان.

[10]  أيمن الظواهري، التبرئة (مؤسّسة السحاب 2009)، ص3.

[11]  الشيخ محمود هو عطيّة عبد الرحمن الليبي. كان يُعدّ بمثابة ضابط الاتصال في تنظيم القاعدة. قتلته القوّاتُ الأمريكيّة في باكستان يوم 22 آب 2011 بقصف من طائرة أمريكيّة من دون طيّار.

[12]  الوثيقة رقم 19، ص15.

[13]  المصدر السابق.

[14]  أحد كوادر القاعدة المقبوض عليهم في الولايات المتحدة.

[15]  الوثيقة رقم 15، ص7.

[16]  الوثيقة رقم 4، ص11.

[17]  الوثيقة رقم 19، ص3-4.

[18]  المصدر السابق.

[19]  وبها يقول الشيخ عبد المجيد عبد الماجد، عضوُ مجلس شورى تنظيم القاعدة في أفغانستان: "إذا كانت المصلحة ضروريّة قطعيّة كليّة، وهذه الصورة متحقّقة قطعًا في جهاد الدفع حيث يقاتل الكفّار الذين حلّوا بديار المسلمين، فلا مانع من قتلِ مَن لا يستحقُّ القتلَ، عرضًا لا قصدًا، حيث إنّ الضرر عائد على كلّ المسلمين إذا تُرك القتال حينئذ." وهذه مسألة قد بُحثتْ منذ قرون في الفقه الإسلاميّ السنّيّ، وتعني اختصارًا "جوازَ رمي الكفّار إذا اختلط بهم مَن لا يجوز قتلُه من المسلمين وغيرهم." عبد المجيد عبد الماجد، "أحكام الغارات الفدائيّة والتترُّس،" منبر التوحيد والجهاد، 2008، ص 60 -61.

[20]  اسمه الحقيقي محمد عبد المجيد حسن قائد، وهو المسؤول الثاني في تنظيم القاعدة بعد أيمن الظواهري.

[21]  الوثيقة رقم 7، ص 1.

[22]  الوثيقة رقم 2، ص 6 -8.

[23]  الوثيقة رقم 2، ص 10-12.

[24]  الوثيقة رقم 2، ص 15.

[25]  الوثيقة رقم 2، ص 4.

[26]  الوثيقة رقم 19، ص 14.

[27]  الوثيقة رقم 17، ص 4.

[28]  يُقصد بـ"التجبيه" وضعُ الأعداء المفترضين في جبهة واحدة.

[29]  مجموعة من المؤلِّفين، استراتيجيّة وتفجيرات القاعدة، الأخطاء والأخطار (مكتبة التراث الإسلاميّ، 2004)، ص 182.

[30]  الوثيقة رقم 18، ص 3.

[31]  المصدر السابق.

[32]  الوثيقة رقم 19، ص 5.

[33]  المصدر السابق بتصرّف.

[34]  الوثيقة رقم 19، ص 14.

[35]   أبو مصعب السوري، "دعوة المقاومة الإسلاميّة العالمية،" كتاب الكتروني، ص 698.

 https://ia600303.us.archive.org/25/items/Dawaaah/DAWH.pdf

[36]  محمد أبو رمان، "إيديولوجيا القاعدة ومحاولة ’التكيّف‘ مع الثورات العربيّة،" الأهرام 1/7/2011.

          http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=643521

[37]  الوثيقة رقم 10، ص 1.

[38]  المصدر السابق، ص 6.

ايمن محمد

فلسطينيّ مقيم في كندا. من مواليد لبنان سنة 1984. متحصّل على بكالوريوس إدارة أعمال، وماجستير في الأنثروبولوجيا الثقافيّة من جامعة ألبرتا الكنديّة، ودبلوم "دراسات إرهاب" من جامعة سانت أندروز. عمل مستشارًا في "منتدى النزاعات عن الإسلام السياسيّ." ساهم بجملة مقالات ودراسات عن الحركات الإسلاميّة لبعض المواقع والمجلّات.