Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

حلمٌ بعيدُ المنال

قصة قصيرة

 

دعوني أسرد عليكم بعضَ الأحداث التي مرّت بي. قد لا تكترثون لسماعها وسط انشغالاتكم اليوميّة، غير أنّني أجد في هذه الورقة البيضاء بعضَ الفسحة في بوحِ ما اختزنَه جوفي ثلاثين سنةً.

منذ أن أدركتُ ملامحَ الأشياء من حولي بدأتُ أسمع مفرداتٍ مثل: "لاجئ،" "مخيّم،" "أمم متّحدة." مفردات حدّدتْ ملامحَ حياتي، ولم تتركْ لي فرصةَ أملٍ وحيدةً في تحسينها. كبرتُ وسط خيمةٍ احتضنتنا، أنا وعائلتي، نُصبتْ على أرضٍ رمليّة تلسع أقدامَنا في حرّ الصيف، ويلتصق وحلُها بها في برد الشتاء. كانت خيمتُنا تلاصق خيمًا لعائلاتٍ مشرّدةٍ مثلنا، هربتْ من ويلات الحرب. وكان يومُنا يبدأ بأنْ أقف وإخوتي طابورًا طويلًا أمام نقطة توزيع الطعام، ننتظر وجبةَ الإفطار التي يملأ بها رجالٌ أطباقَنا المعدنيّة وهم يرتدون أكمامًا وقفّازاتٍ بيضاء. في تلك اللحظات كنّا نشعر بأنّنا مجرّد حشرةٍ لا قيمةَ لها. وبعد طول عناء كنّا نعود إلى خيمتنا، نلتهم وجبتنا بهدوء، ثم ننطلق إلى المدرسة القريبة، نتلقّى دروسنا. وبعد انتهاء دوامنا، كنّا وأصدقاءَنا نجتمع ونلعب الكرة؛ أقصد: علبة معدنيّة فارغة كنّا نعتبرها كرةً.

في كلّ مرّة كنّا نلعب الكرة، كانت فتاةٌ تقف من بعيد، تنظر إلينا. وما إنْ ننتبه إلى وجودها حتى تركض هاربةً، تاركةً طبعاتِ قدميْها العاريتين على الرمل، تلك الفتاة كانت سلمى.

كنّا نلعب إلى أن يأتي موعدُ الغداء، فننصرف عائدين إلى خيمنا. وكنتُ دائمًا أجد أمّي تقف وراء الحطب المشتعل وقد وضعتْ عليه قِدرًا كبيرًا، تُعدّ حساءَ العدس، وإخوتي يتحلّقون حولها منتظرين نضجَها. كنتُ أحبّ رؤيتها وهي تحرِّك الحساءَ بملعقة خشبيّة كبيرة، تنظر صوبنا وهي ترسم ابتسامةً خفيفة على شفتيها الرفيعتين. كان كلّ واحد منّا يحظى بغَرفة واحدة من الحساء، نرتشفها على مراحل أو دفعةً واحدة. المهمّ أنّنا لن نحظى سوى بهذه الغَرفة!

دعوني أحدّثكم أيضًا عن فصل الشتاء، الذي قد يكون أحبَّ الفصول إليكم، إلّا أنّه أقسى الفصول علينا؛ فكثيرًا ما تهدّمتْ خيمُنا من تساقط الثلوج عليها، ودائمًا ما تُداهمها الأمطار لتراكم برك الوحل في ساحات الرّمل نظرًا إلى تضاؤل المساحة الاسمنتيّة في المخيّم.

أنتم لا تدركون معنى أن تتدفّأوا بأجساد إخوتكم الملتصقين بكم لأنكم لا تملكون غطاءً يقيكم بردَ الشتاء. لم تعانوا التثليجَ في أطراف أقدامكم. لم تعانوا أمراضًا قد تفتك بكم لعدم توفّر الدواء في الوحدة الصحيّة. بل لم تحظوْا بزيارة الغرباء، يوزّعون عليكم الملابسَ وطرودَ الخير، غيرَ متردّدين في التقاط صورٍ تذكاريّة تكونون أنتم أبطالَها.

***

كبرتُ سريعًا في هذا المكان. إلّا أنّي ما زلتُ أتذكّر ذكرى ميلادي الخامس عشر. يومها، احتشد اللاجئون في المخّيم غاضبين، وقد علتْ أصواتُهم مطالبين بتحسين مستوى الخدمات. أتذكّر هراواتِ الحرّاس وهي تطرق أجسادَ الرجال، الذين لم يُثْنهم عن فضّ تجمهرهم غيرُ رصاصة حارسٍ طائشة أصابت أحدَ الرجال في قدمه، فأسرعوا إليه يحملونه، واتجهوا به صوب الوحدة الصحيّة.

في خضمّ هذه الأحداث استقرّت عينايَ على سلمى، التي كانت ترقب الأحداث مثلي. اتّجهتُ صوبها، محاولًا تهدئتَها. كانت ترتعش كعصفور جريح. رحتُ أربّت على كتفها، وهي لا تحيد ببصرها عنّي. لحظتَها، شعرتُ أنّ يدَ ملاكٍ فَتحتْ جدرانَ قلبي، ورسمتْ شرفةً لن تُطلّ منها إلّا سلمى. ابتسمتْ سلمى لي، غير أنّها غادرت المكانَ بسرعة البرق ما إنْ سمعتْ أمَّها تأمرها بدخول الخيمة.

في تلك الليلة خيّم الهدوءُ على أرجاء المخيّم بعد حظر التجوّل وفرض حراسة مشدّدة. كان الجميع في خيامهم نيامًا أو يعيدون سردَ أحداث اليوم. إلّا أّنا: فقد كنتُ أفكّر في سلمى. كنتُ أتذكّر جسدَها المرتعش، ونظرتَها. وكان قلبي يطمئنني إلى أنّها ستضيء ظلمةَ حياتي. لكنْ كان عليّ أولًا أن أقْنعها كي أظفر بها. صرفتُ تلك الليلة وأنا أدعو الله أن تكون من نصيبي، حتى خبت النارُ أمام خيمتنا، وغلبني النّعاس.

مرّت الأيام وحبّي لازال يتأجّج في قلبي تجاهها، غير أنّني لم أملك شجاعةَ محادثتها، فاكتفيتُ بمراقبتها من بعيد، وباختلاس ابتسامات كانت تبادلني إيّاها. لشدّ ما آلمني أنّ سماءً واحدةً تجمعنا ولا نستطيع أن نلتقي تحتها، وأنّ وجعًا مشتركًا ينخر عظامَنا ولا نستطيع أن نشكوه بعضَنا بعضًا. لقد سئمتُ حصارَ العادات، وسئمتُ حصارَ المخيّم بحدوده الضيّقة وخدماته الفقيرة، وسئمتُ قلّة حيلتي وهوانَ أمري، فسلمتُ أمري لربّ السماء.

***

في أحد الأيّام، أثناء عودتي من المدرسة،مررتُ بإحدى وِرش الحدادة. كان الحدّاد يطرق الحديدَ الساخنَ بمطرقةٍ كبيرة. أعجبني المنظر، وفكّرتُ في أنّ الوقت قد حان لأن أقوم أنا أيضًا بمثل هذا العمل؛ فلا قيمة للعلم بالنسبة إلى شابّ مثلي لن يحظى بفرصة تعليم جامعيّ. رميتُ حقيبة مدرستي جانبًا، واستأذنتُ الحدّاد بالعمل معه، فوافق بعد إلحاح. ومنذ تلك اللحظة بدأتُ فصلًا جديًدا في حياتي.

كنت أستيقظ باكرًا وأذهب إلى الورشة فأعمل حتى آخر النهار، ثمّ أعود منهكَ القوى. كنّا نصنع الكراسي والطاولات، فتشتريها منّا إحدى الجمعيّات دعمًا لنا بأسعار خجولة. وكانت تلك هي الوسيلة الوحيدة للظّفر بسلمى، التي كانت تمرّ بالورشة في طريقها إلى المدرسة. كنتُ ألمح نظرةَ الاعتزاز في عينيْها بما أعمل، فيَهون تعبي، وتنتعش روحي بصفاء ابتسامتها.

في إحدى الليالي، وبينما كنت عائدًا إلى خيمتي، سمعتُ زغاريد وضجّةً من خيمة سلمى، ورأيتُها في ثوب العروس، والنّسوة يتحلّقن حولها، يغنّين أغاني الأفراح، ويرمينها ببتلات الأزهار، وهي تقف تائهةً بينهنّ. تسمّرتُ في مكاني لحظةً، ثم أسرعتُ الخطى باتجاه خيمتي، ملقيًا نفسي على أرضيّتها وقد أغمضتُ عينيّ، موهمًا نفسي بأنّ ما حصل مجرّدُ كابوس سينتهي مع صباح اليوم التالي. إلّا أنّ ذلك لم يحصل، وأُسدل الستارُ على أجمل ما حصل لي منذ ولادتي.

***

مضت الأيام رتيبةً إلّا من مرض والدي الذي كان يشكو ألمًا في جانبه الأيمن، قبل أن يكتشف الطبيبُ في الوحدة الصحيّة وجودَ حصًى في كلْيته اليمنى، فوصف له بعضَ المسكّنات التي لا فائدة منها، وأوصاه بشرب الكثير من الماء الذي قلّما يتوفّر هنا. أليس موجِعًا أن ترى مَن تحبّ وهو يتلوّى ألمًا، فلا تملك إلّا الدعاء له بالشفاء؟

تدهورتْ حالةُ أبي سريعًا، وبقي طريحَ الفراش، حتى انتشر القرحُ في أنحاء جسده. وفي أحد الأيّام، وبينما كنتُ في عملي، علمتُ بخبر وفاته. ركضتُ في الأزقّة كالوحش الثائر، وقد شعرتُ بالضِّيق يطبق على صدري، إذ بموت والدي سقطتْ آخرُ ورقة من شجرة أحلامي البسيطة. أحسستُ أنّ عليّ الخروج من الحصار الذي أنا فيها، فتوجّهتُ صوب البوّابة، وقد عجّت بالحرّاس الممسكين برشّاشاتِهم، فلم يتوانَوْا في تصويبها تجاهي، وأنا أتوسّل إليهم أن يخرجوني من هنا. لكنّهم أمروني بالرجوع من حيث أتيت. التزمتُ مكاني، فضربني أحدُهم برشّاشي على رأسي، وفقدتُ وعيي.

لا أريد نظرة الشفقة التي تلمع في عيونكم الآن. ما أريده هو أن تتذكّروا أنّ في هذا المخيّم شخصًا سيبقى طوال حياته ينتظر تحقيقَ حلمٍ بعيدِ المنال.

 

الأردن

 

اتّصل بنا من نحن دار الآداب