صغارُ الانتفاضة الأولى
24-12-2018

 

كان عمري 16 عامًا حين التحقتُ بالحركة الطلّابيّة. كانت تلك بدايةَ الانتفاضة الأولى. التلفزيون في البيت (وكان بالأبيض والأسود) يلعلع عاليًا، ومن خلاله نتابع الأحداثَ أوّلًا بأوّل. "أنا خارجة. لديّ لقاء مع أصدقاء،" قلتُ، وتوجّهتُ مسرعةً إلى مخيّم العزّة. الرفاق في الانتظار.

كنّا قد اتفقنا على الخروج في مظاهرةٍ ليليّةٍ في 15/11/1988، عندما أُعلنتْ "وثيقة الاستقلال" في الجزائر. هناك دعواتٌ إلى مواجهة المحتلّ، ويجب تحضيرُ الأعلام والمنشورات. لكنّ الاحتلال، أثناء الليل، كان قد فرض منعَ التجوال: "إلى أهالي بيت لحم، يُفرض عليكم منعُ التجوّل من الآن وحتى إشعارٍ آخر." لا هواتفَ خلويّة، بل لا هواتف أرضيّة في حينها عند كثير منّا، كي نتشاور. غير أنّنا كنّا قد اتفقنا على اللقاء ــــ ولو فرضوا منعَ التجوال ــــ عند التاسعة مساءً، أمام باب جمعيّة الاتحاد النسائيّ في بيت لحم.

تجمّعنا بالعشرات. أعلام وكاوتشوك وهتافات. روحُ الجماعة والعمل المشترك بين جميع التنظيمات كانت في أوجها. علمٌ واحدٌ في الميدان، هو العلمُ الفلسطينيّ. "يلّا خلّينا نمشي يا شباب،" هتف أحدُ المتظاهرين. وبدأنا المسيرة.

الجيبات العسكريّة في الانتظار. وما لبث جنودُ الاحتلال أن بدأوا بإطلاق قنابل الغاز ورصاص المطّاط. "كبسوا يا شباب!"

أحسستُ بشيء دافئ يضرب يدي ورقبتي. "آخخخ! تصاوبت يا شباب!" ركضتُ إلى أحد الأزقّة. لحق بي رفيقي. وقعتُ على الأرض. وكي أتجنّب الاعتقالَ، اختبأتُ تحت إحدى السيّارات أكثر من 30 دقيقةً، أحسستُ أنّها عامٌ كاملٌ من الوجع. غير أنّني لم أستطع الصراخَ، إلى أن ذهب جيشُ الاحتلال.

أخذوني إلى بيت جدّتي الحنون، خوفًا من توبيخ أمي و"بهدلتها"؛ فقد كنتُ ما أزال صغيرةً في عينيها، و"النضال للكبار فقط."

***

 

جواد إبراهيم،  "شهداء آب 2015"، أكريليك على قماش، 2015.

 

في بيت لحم أجواءُ الميلاد.

ــــ كل سنة وانتو سالمين يا شباب.

ــــ وين الكعك؟

ــــ اليوم إمّي بتحضّره، وبنشرب قهوة وكعك على دْراج كنيسة السريان.

هذا مكانُ تجمّعنا الثاني للمواجهات. كنّا قد جهّزنا الكاوتشوك، وأغلقنا مداخلَ الشوارع. الطريق مغلقة عند جامعة بيت لحم، ونزلةِ فندق ستار، وعند الاتحاد النسائيّ.

ــــ شباب، افحصوا طلعة مدرسة راهبات مار يوسف.

ــــ كلّه تمام، والمتاريس عالية.

البصل جاهز. الماء والسطل جاهزان استعدادًا لمواجهة قنابل الغاز. أصحاب المتاجر يعرفوننا جيّدًا، ولذلك يُبقون أبوابَ متاجرهم نصفَ مفتوحةٍ تحسّبًا لاحتضان الشباب والصبايا وحمايتهم من الاعتقال. "نزلوا صبايا وشبّان يتحّدوا للدوريّة، شعلانة الضفّة بنيران الانتفاضة الشعبيّة": هذه كانت أغنيتَنا المفضّلة في المظاهرات.(1)

بدأ ضربُ الحجارة. وبدأ الاحتلال يطلق قنابلَ الصوت والرصاص المطّاطيّ. إلّا أنّ ذلك اليوم كان مختلفًا؛ فقد أطلق جنودُه الرصاصَ الحيّ، وعلى الرأس مباشرةً.

"إصابة يا شباب!" صرخنا. كنّا قد تلقّينا دوراتِ إسعافاتٍ أوّليّة في بداية الانتفاضة. ركضتُ مسرعةً نحو المصاب. دماءٌ على لثام الرأس، وعلى الأرض. أزلتُ اللثام؛ إنّه رفيقي فادي!

لم أستطع تماسكَ أعصابي ودموعي وصراخي. ملطَّخًا وجهُه بالدماء كان. "يا شباب، سيّارة إسعاف! هاد فادي، يا شباب!" وصلتْ سيّارةُ الإسعاف، وذهبتُ معه إلى مستشفى المقاصد في القدس. الإصابة خطيرة جدًّا، في الرأس، ولا مجال للشفاء. أصيب في 28/12/1989. لا بهجة للعيد، ولا احتفالات.

 بقينا ليلًا نهارًا في المستشفى، إلى أن استُشهد فادي في 7/1/1990.

تهريبُ جثّة فادي من المستشفى في القدس إلى بيت لحم عمليّةٌ في حدّ ذاتها. أمّا إخفاء هذه الجثّة في كنيسة المهد حتى الصباح فموضوعٌ آخر.

عند التاسعة صباحًا، تجمهر مئاتُ الناس أمام الكنيسة. في المقابل، مدرّعاتٌ ومجنزراتٌ ومئاتُ الجنود المدجّجين بالسلاح. خرجنا بجنازة فادي من قلب كنيسة المهد، بهتافاتٍ وأعلامٍ فلسطينيّة. وبدأت المواجهات.

دُفن رفيقي، وما زلتُ أحتفظ بدمائه على الأحجار الصغيرة، في علبة ذكريات الشهداء، داخل خزانتي.

***

 

جواد إبراهيم، "أشرقت"، أكريليك وزيت على قماش، 2015. 

 

إنّه منتصفُ نهار يومٍ آخر. الطقس، على رأي أمّي، " تقيل دم." أجواءٌ محبِطةٌ وكئيبة. تجمهرنا للانطلاق في مظاهرة برأس فطيس.

بدأت المواجهات. ميلاد هو صديق أخي الصغير. عمره 11 عامًا. تلثّم ميلاد، وأصبح على رأس المواجهات. "ولكْ يا ميلاد، ارجعْ يا ميلاد." لكنّ ميلاد أصرّ على ضرب الحجر. ميلاد طفلٌ أعسر (يستخدم يدَه اليسرى). لذا أخرج جسمَه كاملًا من خلف الحائط الذي نحتمي به كي يضرب الحجرَ بيده تلك. قنصه القنّاصُ الإسرائيليّ. حملتُه بكلِّ ما ملكتُ من قوّة، وساعدني رفاقي.

"لا تمت يا ميلاد،" شهقتُ وبكيت.

الدماء في كلّ مكان. وضعناه في السيّارة، في حضني، وذهبنا إلى مستشفى "بني" للعظام، قرب العمل الكاثوليكيّ. صراخ. بكاء. جهد الأطبّاءُ من أجل إنقاذه، ولكنّ ميلاد استُشهد، ودماؤه على قميصي ما زالت باقية.

***

أحلم أن اعود إلى يوم واحد فقط من تلك الأيّام، أيّامِ الفخر والعزة،  كي أستعيدَ ذلك الشعورَ العامرَ بالانتماء والحبّ والخوف وروحِ العمل الجماعيّ البعيدةِ عن أيّ مصلحة. لكنّ ذلك لن يتكرر في وجود قيادة متواطئة، واتفاقيّة هزيلة، وحكم ذاتيّ، وتنسيق أمنيّ، وانقسام داخليّ. ما زلت أتوق إلى أن أجلس، بعد مواجهات يوم طويل مع العدوّ، مع رفيقاتي ورفاقي: نحتسي شايًا بمرميّة في مخيّم العزة، ونستنشق رائحة الزيت والزعتر من  قرية واد فوكين، ونضحك بصوت عال من انتصارتنا الصغيرة على الاحتلال بالحجر والمقلاع.

دماء الشهداء التي روت، وما تزال تروي، أرضَ فلسطين، شاهدةٌ على مرحلة صمود شعبنا وعطائه ووحدته ومقاومته. وسلاحُ المقاومة أساس فعّال في مواجهة المحتلّ؛ فمَن قتل ميلاد ورياض وفادي في حينه، ومَن يقتل بهاء وعماد وشادي الآن، لن يردعَه إلّا سلاحُ المقاومة.

القدس المحتلّة - فلسطين

(1) https://www.youtube.com/watch?v=OIygn4_qzIo

رافعة السقوف

اسم مستعار لمناضلة ومثقفة فلسطينيّة.