عربيّة مسكونة بالنعمة والنقمة
28-02-2016

لا شكَّ في أنّ دوافعي إلى الكتابة كثيرة، لاسيّما أنّني أُجيدُ صياغةَ الوجع على الورق في محاولات بائسة للهروب من كلّ شيء، ومن اللاشيء. أستنزفُ ذاكرتي المهترئة في أيّ وقتٍ أشاء. إلّا أنّني هذه المرّة أكتُبُ بعد أن استفزّتني رُلى هزيمة، ونصُّها "عربيّةٌ مدجّجةٌ بالحنين والغضب."

رُلى المُصابة بمتلازمة الحنين والغضب... رُلى التي، بكلماتِها، لامستْ روحي وخاطبتْ حنيني، فحاكت وجعي من دون أن تدري ذلك، ومن دون سابقِ معرفةٍ بيننا أو قصد.

***

رُقيّة: اسمٌ لازمني، فعرفتُ أنّه اسمي، بهِ أُنادَى فأُجيبُ. قبل شهرين تقريبًا رتّبتُ السطرَ الثاني من عشرينيّات عمري التي بدأتُ أنساها في هذه الزحمة المُخيفة. اكتشفتُ لاحقًا أنّني وُلِدتُ في سنةٍ وُقِّع فيها "اتّفاقُ أُوسلو،" يومَ أخذتِ القضيّةُ المنحى الآخرَ سياسيًّا واقتصاديًّا وجغرافيًّا وإيديولوجيًّا. مَرَّت عليّ انتفاضةٌ ونصف، فكنتُ بحقٍّ من جيلِ سقوط بغداد والربيع العربيّ العَفِن. عايشتُ مرويّاتِ النكبة والنكسة سماعيًّا، وبينهما كانت الهُدَن. اهتممتُ بحروب هذا الشرق المكدّسة على شواطئ الطيب والبخّور، شرقِ السبايا والحكايا، "فَكَمِل النقلُ بالزعرور" حين اخترتُ دراسةَ تاريخ الشرق الأوسط في الجامعة، مُراهنةً على ذاكرتي التي اكتشفتُ مُؤخّرًا أنّها تضيقُ بي ذرعًا.

***

كنتُ قبلًا قد اكتشفتُ أنّني فلسطينيّةٌ يومَ مذبحة الفلّوجة، وأنا لم أتجاوز العاشرة. شرحتْ لي أُمّي لماذا ذُبِح أطفالُ العراق أمام العالم، وأَغلقتِ التلفازَ. وصرتُ، حين يعود أبي مساءً، أتسمّر إلى جانبه أمام الشاشة، وكان الدمُ يسيل.

فيما بعد سالت دماءُ أطفال قانا، ودماءُ أطفالِ غزّة. قلتُ لنفسي: لا نفط هناك، فلماذا يُذبَح الأطفال؟ وما علاقةُ الملائكة بحروب الشياطين؟!

وكلّما كبُرتُ يومًا كانت الأسئلة تكبر معي عُمْرًا. لم تعُد إجاباتُ أُمّي المُبسّطة تَفِي بالغرض، ولا تَحكُّمُ أبي بقنوات الأخبار يُجدي نفعًا. وحَلَّ الفصلُ الأوّلُ من فصول تغريبتي التي لا تُشبه أيَّ تغريبةٍ سواها.

فقد هربَ منّي وطني الأوّلُ في مظاهرةٍ لنُصرة أهلِ العراق، نظّمها أبناءُ قريتي. اقتربتُ من إمام المسجد وطلبتُ إليه أن أتحدّث على الملأ عن أطفال العراق، فرحّب بالأمر وناولني مكبّرَ الصوت. تحدّثتُ عن أحلام الأطفال ولُعَبِهم المكسورة؛ عن النفط وحماماتِ السلام البيضاء. اختنقْتُ بالكلمات التي صاغها عقلُ طفلةٍ لم تتجاوز العاشرة. بكيتُ. فبكى الرجالُ من حولي. كفكفتُ دموعي ومشَيْت. وحين عدتُ إلى المنزل بقيَ الدمُ على حاله يُحنّي أرصفةَ بغداد، فتيقّنتُ أنّ ثمّة شيئًا ضاع منّي إلى الأبد.

وتوالت أمام ناظرَيّ فصولُ تغريبةٍ من نوعٍ آخر حين بحثتُ لنفسي عن امتدادٍ عربيٍّ لي. كان ذلك صعبًا لمجرّدِ أنّنا نحمل الرقمَ قبل الاسم: فلسطينيّو 1948! لنا الكثيرُ من الأسماء والمسمَّيات، إلّا أنّ المهمّ أوّلًا هو الرقم 48، وصمةُ العارِ على جبينٍ مُعفّرٍ بالتراب.

سوّلتْ لي نفسي أنْ أهيمَ عشقًا بمدنٍ وعواصمَ لم أرها، فأعْلم مثلًا أنّ لبنانَ "فيروزَ الأخوين رحباني" مثاليٌّ وأجملُ للعيش من "فيروزَ زياد" مثلًا؛ وأنّ دمشقَ، عريشةَ ياسمينِ الشرق، هي أجملُ مدنِ العالم... قبل سنة 2011؛ أمّا بغداد، فهي الحضارةُ والعراقةُ والجمال، هي بابلُ المعلّقةُ، وهي القطعة التي ضلّت طريقَها من جنّة السماء إلى الأرض... لكنّ ذلك كان قبل سنة 2003.

راقبتُ هذه المدنَ وهي تلفظُ أبناءها، ومنهم تضيع. ودَدْتُ الهروبَ، فحَلمْتُ بمنحةٍ دراسيّةٍ تحملني إلى لندن أو باريس أو برلين. "سيطيبُ لي العيشُ هناك وسأبقى،" كنتُ أُخاطبُ نفسي سرًّا. أمّا أُمّي، التي تُجيد قراءةَ العيون، فكانت تكرّر على مسامعي نهايةَ كلّ أُسبوع، حين أعودُ إلى المنزل: "يلّي بِطْلَع بِرْجَعِش!" في إشارةٍ منها إلى أنّ الغربة مُرّةٌ، تأْخُذ من دون أنْ تُعطي. ولكنّني في سرّي كنتُ أقول: بل هي الشرّ الذي لا بدّ منه.

لكن، حين أعودُ إلى حيفا ـــــ المدينةِ التي لم يزُرْها الكُتّابُ فعشقوا باريسَ بدلًا منها على قول غسّان كنفاني ــــــ أشعرُ بقرار السفر يترنّح. ربّما اختفى الكثيرُ من معالم حيفا التي لنا، إلّا أنّها تبقى هي المعشوقةَ والحبيبةَ. فلا بأس إنْ طلبتُ فنجانَ قهوةٍ بالحليب بالعبريّة، أو منقوشةَ زعترٍ سرقوها منّا؛ فحيفا تبقى تلك الزيتونةَ الشامخةَ وسط جامعتي، الشاهدةَ على ما كان، وإنْ مدّوا حولها قطعَ عشبٍ بلاستيكيّةً هزيلة.

***

عندما أُطِلُّ على حيفا ـــــ الزيتونة تصيبني نوباتُ الحنين إلى كلِّ ما فقدناه ونفقده في زحمة الأشياء، بل تصيبني نوباتٌ مغناطيسيّةٌ من القوميّة الضائعة التي تعصرنا مع صورةٍ ما، أو موّالٍ نطربُ له قليلًا، لنعودَ، بعد لحظات، إلى كلّ شيء حاولنا أنْ نهرب منه أو أن نتحاشاه. تلك القوميّة بقِيَتْ منها بقعةُ دمٍ كبيرةٌ، كبيرةٌ جدًّا، نغرقُ فيها جميعًا بالبثّ الحيّ والمباشر، ولكنْ على مهلٍ.

موجوعةٌ هي سمرتُنا الشرقيّةُ التي تُحاكي تاريخَ شرقٍ نحاولُ أن نفرّ منه في النهار آلافَ المرّات، ونَحِنُّ إليه قبل النوم أضعافَ المرّات. "من طين بلادك لَيِّس ع خدادك،" قالها موروثُنا الفلسطينيُّ، فحفظناها.

***

"هنا جذوري هنا قلبي هنا لغـتي/ فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟" (نزار قبّاني، القصيدة الدمشقيّة)

وصلتُ سكني في حيفا بعدما انتهت المحاضرة. أغلقتُ على نفسي بابَ غرفتي. الكتاب الذي لم أفرَغْ من قراءته بعدُ؛ الأوراقُ التي لم أُعلّقْها بعدُ؛ الخرائطُ المعلّقة على الحائط وعند الباب؛ التفّاحةُ الخضراءُ التي نسيتُها؛ القلمُ الذي سقط على الأرض سهوًا فلم أُكلّف نفسي عناءَ التقاطه؛ الضبابُ الذي غلّف جنباتِ جامعتي؛ رقمُ بطاقة الائتمان المنسيّ؛ ديوانُ الشعر الذي أهداني إيّاه صديقي؛ الروايةُ التي قرأتُ خاتمتَها فقط؛ جلسةُ مناقشة؛ لقاءُ صديقةٍ تواعدنا منذ سنة ونصف عليه؛ الألوان؛ نشرةُ الأخبار والجريدة؛ أُغنيةُ فيروز المفضّلة التي لا أذكُر أيَّ كلمةٍ منها:

هذه هي التفاصيل. ودوّامةُ هذه التفاصيل هي حياتي التي أعيشُها في انتظار وطني المُنتظر.

 فهل ما زالت "رلى هزيمة" تختبر منفاها المُختار؟

***

من حولِها "رجالُها الصغارُ الكبار،" ومن حولي كتُبي وأوراقُ محاضراتي أضيعُ بينها وبين فوضى اللغات والانتماءات. غَضِبَ بِكْرُ رلى، المفجوعُ بكميّة الآثار في متحف اللوفر، وطالَبَ بضرورة إرجاعها إلى مكانها الأصليّ؛ فأعاد إلى ذاكرتي صورةَ رجُلٍ عراقيٍّ يكفكفُ دموعَه بطرفِ كُمّه، ويتلوّى على كلّ آثار العراق والحضارات التي نبتتْ بين الرافديْن، وهي تُعرض اليومَ أمامَه في متاحف بريطانيا.

لكنْ، ماذا عنّي أنا؟! ماذا عن غُربتي ولوعتي؟! ماذا عن أشيائي الضائعة منّي، وعنّي؟! عن أيّ حيفا أتحدّث؟! أين هي حيفا؟!

قبل فترة وجيزةٍ التَوَتْ ساقي، واقتضت الضرورةُ الطبّيّةُ أن أقصِدَ المشفى القريبَ لإجراء فحوصٍ روتينيّةٍ وصورٍ إشعاعيّةٍ في حيفا التي كانت لنا. كانت الطريقُ إلى هناك أطولَ ممّا أتخيّل، وخفتُ أن أضلَّ الطريقَ، فكان تطبيقُ "الويز" هو طوقَ النجاة.

كانت العبريّة خانقةً في ذلك التطبيق: مُسمّياتٌ وأسماء لا تُشبهنا، باستثناء شارع حسن شكري. وصلتُ، فناولتني الطبيبةُ قرصَ دواءٍ يُخدّر وجعي، وحدّثتني عن زوجها الذي سيُسافِر إلى فرنسا للدراسة غدًا، وهو مثلي يدرس تاريخَ الشرق الأوسط.

ابتلعتُ القرصَ المخدِّرَ  مع الماء، ومع غصّة: من ذا الذي يُخدّرُ جراحَ ذاكرتِنا ويشفيها؟

حمَلْتُ غصّتي ووجعي، جرحَ ذاكرتي ورقمَ تعريفي هناك... المُعالَج ت 824. وصلتُ بعرجٍ، وشبهِ ابتسامةٍ ساخرةٍ، نحو المحطّة القريبة.

 هي حيفا، التي يتلازم فيها الجمالُ والوجعُ. هي أنا بين فوضى النسيان ومتلازمةِ الحنين، وما بينهما. عربيّةٌ مسكونةٌ بالنعمة والنقمة.

حيفا

 

رقيّة عدوي

كاتبة من فلسطين. حائزة شهادة في اللغة العربية، وتتابع دراسات عليا في مجال دراسات الشرق الاوسط، في جامعة حيفا.