فؤاد خليل لـ"الآداب": الحَراك الشعبي اللبناني من منظور علم الاجتماع
30-10-2019

 

(حوار أجرته: عُبادة كسر)

 

أجرت مجلّة الآداب مقابلةً مع عالم الاجتماع اللبنانيّ الدكتور فؤاد خليل عن الحَراك اللبنانيّ الحاليّ، قدّم فيها قراءةً سوسيولوجيّةً طاولتْ مسألة "الفوضى الاصطلاحيّة" في تحديد ملامح ما يجري، إضافةً إلى قراءةٍ في المجتمعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ. للدكتور خليل العديدُ من الدراسات الفكريّة والسوسويولوجيّة وفي علم اجتماع المعرفة، وصدرتْ له ثلاثةُ كتب على تماسّ مع ما يجري في المدار العربيّ: الطائفيّة كلامٌ آخر، والثورة سرديّةٌ وطنيّة، والثورة العربيّة - مقالات فلسفيّة وسوسيولوجيّة.

***

 

* من منظور علم الاجتماع، هل ما يجري في لبنان انتفاضة، أو حركة احتجاجيّة، أو ثورة، أو ماذا؟

- منذ العام 2010، عندما انطلق الحَراكُ في تونس، وانتقل إلى مصر، ومن ثمّ ليبيا واليمن وسوريا، مرّ بلحظاتٍ عدّة، أهمُّها:

اللحظة الأولى، وهي لحظة المدنيّ الديمقراطيّ. وكان مضمونُها الدولةَ المدنيّة، أيْ سيادةَ القانون، بالاضافة إلى الحريّة والديمقراطيّة والعدالة والخبز وتأمين فرص العمل...

اللحظة الثانية، وفيها جرى حرفُ الحراك واستيعابُه من قِبل قوًى وأطرافٍ داخليّةٍ وإقليميّةٍ ودوليّة. ففي مصر، مثلًا، حاول الإسلامُ السياسيّ "أخونةَ" الدولة، بدعمٍ من الغرب وبعضِ دول الخليج.

اللحظة الثالثة، وفيها استقرّ لدى الناس، سواء انتفضوا أو لم ينتفضوا، "نزوعٌ تاريخيٌّ إجماليّ" إلى رفض الاستبداد والسعي إلى تكافؤ الفرص وتضييقِ التفاوت الاجتماعيّ. صارت هذه الشعاراتُ موجودةً في كلّ الوطن العربيّ. وهذا النزوع هو أشبهُ ما يكون بـ"الروح الفكريّة" التي قامت بـ"جَوَلانٍ" في المدار العربيّ كلّه، واستقرّت في وعي الناس وشعورِها وعواطفِها.

هـذا النزوع المدنيّ الديمقراطيّ لم يكن لبنانُ مستثنًى منه، خلافًا لما يظنّه بعضُ المثقّفين الذي أصابهم اليأسُ فزعموا أنّ الدنيا بأسْرها أُطبِق عليها طائفيًّا! والواقع أنّ الطائفيّة في لبنان ليست قدرًا لا رادَّ لها، وإنّما هي انتظامٌ مؤسّسيّ أحدثَ تداعياتٍ سلبيّةً في الإدارة والسياسة، لم تستطع أن تخفي العاملَ "المجتمعيّ - الاقتصاديّ" من الظهور. صحيح أنّ المنحى "السياسويّ" الذي اعتُمد منذ بداية اتفاق الطائف حتى اليوم حجب ذلك العامل، غير أنّ الأزمات المتتالية الناجمة عن النهج النيوليبراليّ الاقتصاديّ الساري منذ حينها حتى اليوم وصل إلى مكانٍ "تكربجَ" فيه هـذا النظامُ، قبل أن "يبجّ" (ينفجر). نعم، لقد "بَجّتْ" في وجهه الفئاتُ الشعبيّةُ المتضرّرةُ منه، وكان شرارةَ ذلك مؤخّرًا فرضُ ضريبة على الواتس آب.

أعود إلى سؤالكِ. أنا أسمّي ما يحدث في لبنان "انتفاضة." وسأوضح ذلك. حين يكون هدفُ أيِّ حراك تغيير السلطة السياسيّة فإنّه يُعتبر "انتفاضة،" أمّا إذا أحدث تغييرًا في النظام كلّه فسيُعتبر "ثورة." الثورة هي قلبٌ لنظام العلاقات بين الأشياء؛ إنّها تغييرٌ جذريّ. في الطبيعة، يأتي الربيعُ ليثورَ على الشتاء، بمعنى أنّه يقلب نظامَ العلاقات بين الأشياء. أمّا على الصعيد الاجتماعيّ، فالثورة هي قلبٌ للنظام الاجتماعيّ - الاقتصاديّ من أجل تغييره بنيويًّا. بكلامٍ آخر: إذا كان المقصودُ بالتغيير اقتصاديًّا فقط، كتغيير الحكومة واستعادةِ الأموال المنهوبة ومحاكمةِ الفاسدين، فسيكون ذلك انتفاضةً. أما إذا ذهب التغييرُ باتجاه النظام بأسْره، فذلك ما أعتبرُه ثورةً.

شخصيًّا، أستبعدُ أن يتّجهَ الحدثُ اليوم إلى تغيير النظام لأنّ ذلك يتطلب كتلةً مجتمعيّةً أوزنَ من الكتلة الحاليّة؛ كتلةً تستطيع أن تفرضَ موازينَ قوًى لصالحها، في مواجهة الانتظامات الطائفيّة السلطويّة التي ما تزال موجودةً وترفض – في جزءٍ كبيرٍ منها - تغييرَ النظام (حركة أمل، حزب الله، الكتائب، القوات اللبنانيّة، تيّار المستقبل، التيّار الوطنيّ الحرّ،...). وحتى لو قامت بعضُ القوى باطّراح الشعارات الطائفيّة جانبًا، فإنّها في النهاية لا تلغي نفسَها.

أرجّح أن يحصل تغييرٌ قطاعيّ، على الرغم من أنّ الانتفاضة خلقتْ موازينَ قوًى جديدة، بل أصبحت "الوزيرَ الأقوى" في الحكومة ولو لم تمثَّلْ.

حتّى اللحظة، لم تحدثْ في المدار العربيّ كلِّه "ثورةٌ" بمعنى التغيير الجذريّ في بُنى النظام. حتى في تونس: فما جرى هناك انتفاضةٌ أحدثتْ تغييرًا قطاعيًّا. وفي المكان الذي ينتشر فيه "الإسلامُ السياسيّ،" أُدخلتْ على النظام تصحيحاتٌ ذاتُ مضمونٍ إسلاميّ، لكنّ هذا الإسلام في ذاته لا يتعارض مع النيوليبراليّة - - وهو ما اتّضح في سياسة محمد مرسي الذي سار بالنظام النيوليبراليّ في الحكم قُدُمًا، بل رفع العداوةَ عن الإسرائيليّ أيضًا!

 

* سوسيولوجيًّا، كيف تقرأ حجمَ المشاركة لدى الفئات الاجتماعيّة، والفئاتِ العمريّة، وغيرها؟

- في الحراك اللبنانيّ كتلةٌ مجتمعيّةٌ واسعة، فيها فئاتٌ متعدّدة. على صعيد الأجيال، لاحظنا حضورًا كبيرًا للشباب، كما للكهول والمسنّين. وشاركتْ أيضًا فئاتٌ اجتماعيّةٌ عديدة: من موظّفين، وعمّال، ومهندسين؛ فضلًا عن أحزاب، وحركات سياسيّة، و"منظّمات مجتمع مدنيّ غير حكوميّة" (أن. جي. أوز).

 

* أين لاحظتَ وجودَ ان. جي. اوز؟

- غادة عيد وحزبها، حزب ٧. هذا حزبُ رجال أعمال في لبنان، ويتحدّث دائمًا بالثقافة المدنيّة، أو ثقافة المجتمع المدنيّ، علمًا أنّ "ثقافة المجتمع المدنيّ" غير موحّدة. وهذه المنظّمات تخشى الصراع الاجتماعيّ (الطبقيّ)، ومشكوكٌ في تمويلها.

هذه المنظّمات لا تستطيع أن تخلقَ مجالًا وطنيًّا موحَّدًا. وفي الانتخابات النيابيّة الأخيرة، لم تستطع أن تتوحّدَ هي نفسُها، فكيف تخلق مجالًا وطنيًّا موحّدًا؟! ثمّ إنّها قطاعيّة (نفايات، محارق،...)، لا تطول جوهرَ النظام.

"الثورات" التي حصلتْ في أوكرانيا وجورجيا ويوغوسلافيا طرحتْ أمامنا سؤالًا مشروعًا عن سيرورة هذه الثورات (المخمليّة والبرتقاليّة والملوّنة والناعمة...): لماذا تُنتِج جميعُها سلطاتٍ تابعةً للغرب؟ الجواب: لأنّ المجتمعات التي ركبتْها هذه المنظّماتُ، وموّلها الغربُ، ستَعمد، فورَ بلوغها السلطةَ، إلى اعتماد سياساتٍ مواليةٍ للغرب. وفي حالة بلادنا، ستتخذ هذه المنظّماتُ موقفًا مناهضًا لمقاومة "إسرائيل." هذا هو المستتِر في خطاب السيّد حسن نصر الله الأخير (25/10/2019). غير أنّ هذه المنظّمات ليست وحدها في الساحة، على ما أكرِّر القول.

 

* ما هي نقطة الضعف الأساس في هذا الحَراك؟

- نقطة الضعف الأساس فيه أنّه لم يستولدْ قيادةً تمثيليّةً جامعةً تقوم بالتفاوض. في النهاية، لا تستطيع الناسُ أن تبقى في الساحات هكذا! وفي غياب هذه القيادة، قد يَسْهل استيعابُ الحراك من طرف قوًى داخليّةٍ وخارجيّة، وسيَسهل حرفُه.

 

* ما هو تقويمُك لحضور الاقتصاديّ - الاجتماعيّ في الحَراك الحاليّ؟

- لقد جرى التعبيرُ عن هذا الحضور في سلسلة مطالب ركّزتْ على استعادة الأموال المنهوبة، ومحاربةِ الفساد، وتأمينِ فرصِ عمل. حضور العامل الاقتصاديّ - الاجتماعيّ حقيقيّ في الحراك. والمطالب الموضوعة هي ضدّ العولمة الرأسماليّة، وضدّ وصفات البنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ.

لقد اعتمدت الحكوماتُ اللبنانيّة منذ العام 1992 على هذه الوصفات، فاستدانت ثم استدانت من الخارج، راهنةً المصارفَ اللبنانيّةَ للخزينة الأميركيّة ولصندوق النقد وللبنك الدوليّ، وأوصلت البلادَ إلى الإفقار. هذا الإفقار، كما قلت، وصل إلى مرحلة الانفجار مع قرار وزير الاتصالات [محمّد شقير] فرضَ ضريبةٍ على الواتس آب. لكنّ هذا القرار كان الشرارةَ فحسب؛ ذلك لأنّ الوزير عندما تراجع عنه، استمرّ الناسُ في الحَراك. العامل الاقتصاديّ - الاجتماعيّ هو العامل الحقيقيّ في أيّ بنية. قد يجري حجبُه فترةً معيّنة، لكنْ لا يمكن أن يُطمسَ إلى الأبد.

 

* ما هو حجم حضور السياسيّ والطائفيّ؟

- هذا يتوقّف على الساحات. في النبطيّة، وصور، وساحتَي الشهداء ورياض الصلح، أعتقد أنّ حضورَ الطائفيّ في هذه الساحات كان خجولًا.

الحراك تجاوز الانقسامَ الطائفيّ بشكلٍ عامّ، خصوصًا في الساحات التي تحدّثتُ عنها. وشعاراتُ "إسقاط النظام" تؤكّد ذلك. وإنّ اشتغال العامل المجتمعيّ - الاقتصاديّ وحده من بين كلّ مستويات البنية يؤسِّس وحدةً وطنيّة فعليّة. الوحدة الوطنيّة لا تتأسّس بالطوائف. الطوائف تنتج انقسامات. الانتظاماتُ الطائفيّة "تتجاور،" ولا "تتعايش" إلّا بفضل الخارج. أمّا المجتمعيّ - الاقتصاديّ فهو المجال الوطنيّ الموحِّد الأوحد. وإذا أريدَ للحَراك أن ينفتح على شكلٍ أكبر من "انتفاضة،" فقد يذهب إلى الآتي:

- إسقاط الحكومة.

- تشكيل حكومة وطنيّة من أشخاص ذوي نزاهةٍ وكفاءة، من مهمّاتها: إقرارُ قانون انتخابيّ يكون لبنانُ بموجبه دائرةً واحدةً خارج القيد الطائفيّ وعلى أساس النسبيّة.

- الدعوة إلى انتخابات مبكّرة.

- يضع المجلس النيابيّ الجديد برنامجًا اقتصاديًّا تفصيليًّا يقضي باستعادة الأموال المنهوبة، ومحاربةِ النهب والفساد، ونقلِ البلد من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المنتِج.

هذا اذا كان الحراك ذاهبًا نحو الثورة. أمّا إذا كان سيذهب في اتجاه الانتفاضة، فسيقوم بتغيير قطاعيّ في بعض القضايا الاقتصاديّة والمعيشيّة وغيرها. وهذا ليس انتقاصًا منه على الإطلاق.

 

* ما هي قراءتكَ للشعارات التي طُرحتْ؟

- هي شعارات اقتصاديّة - اجتماعيّة بشكلٍ أساس. وبعضُ الشعارات ذهب في اتجاه السياسة مثل: "إسقاط النظام الطائفيّ،" "دولة مدنيّة،" "مساواة أمام القانون." تغيير النظام قد يكون بعيدَ المنال، أمّا الممكن، فهو تحقيق بعض القضايا المطلبيّة الاقتصاديّة - الاجتماعيّة. فالانتظامات السلطويّة الطائفيّة لن تقبلَ بتغيير النظام، بل ستقدّم بعضَ الإجراءات الاقتصاديّة - الاجتماعيّة مثل التي وردتْ في "الورقة الإصلاحيّة" [التي قدّمها الرئيس سعد الحريري].

الإجراءات شيء، والإصلاحات شيء آخر. الإصلاحات عادةً تحتاج إلى رؤية اقتصاديّة تُحلّ النظامَ المنتِج محلَّ النظام الريعيّ. الريْع هو أفضلُ بيئةٍ ملائمةٍ للنهب. اقتصادُ الريع في لبنان قائمٌ على نهب المرفأ والأملاك البحريّة والمطار ونحوِها. الممكن تحقيقُه بين المطالب هو الاجتماعيّ - الاقتصاديّ. شخصيًّا، أتمنّى ان يذهب الإصلاحُ باتجاه السياسيّ، لكنّي أستصعب ذلك لوجود عقباتٍ كثيرةٍ وجدّيّة.

 

* ما رأيك بأدوات التعبير، التي تراوحتْ بين الغضب والفرح؟

- الغضب تعبير ملائم، وقد انفجر الشارعُ وعبّر عن نفسه بالمطالب المذكورة. أمّا الغناءُ وأجواءُ الفرح، فمن الطبيعيّ أن تحصل. وأمّا السبابُ والشتم، فليست من أخلاق الثورات. الثورة أخلاق، والانتفاضة أخلاق. الفرح ليس مضرًّا على الإطلاق. مثلًا، عندما عبّرتْ طرابلس بالغناء، فذلك كان بمثابة عرسٍ ثوريّ، بعد أن وُصمتْ لعقودٍ بـ"الأسلمة." الغناء والانفعالات، والبكاء أحيانًا، كانت جميعُها تنفيسًا عن مكنونٍ نفسيٍّ تَراكم منذ 30 سنة، وظهرتْ في لحظة الانفجار، التي سبق أن أسميتُها في كتابٍ لي، عندما أحرق بوعزيزي نفسَه في تونس، "التماعةَ التاريخ."

في لبنان، التمع التاريخُ مع شرارة فرض ضريبة على الواتس آب. تراكمُ الإفقار والتهميش والتجويع وسياساتِ فرض الضرائب بلغ حافّةَ التحوّل النوعيّ. وهذا التحوّل النوعيّ انفجر بالمطلبيّ، أيْ بالاقتصاديّ – الاجتماعيّ. ومن هنا كان الانفجار حقيقيًّا.

 

*ماذا نتج من هذا الحراك؟

- الحراك فرض نفسَه على السلطة، وأنتج مجالًا وطنيًّا موحّدًا، أُثير فيه الاقتصاديُّ والاجتماعيُّ والسياسيّ. ليس بالشأن البسيط أن تتحدّث كتلةٌ مجتمعيّةٌ كبيرةٌ ضدّ النظام، وأن تَكسر الخوفَ من الزعامات الطائفيّة التي تمثّل شكلًا من أشكال الديكتاتوريّة.

في نظام المحاصصة، تتحوّل كلُّ طائفةٍ إلى كيانٍ دولتيّ خاصّ، ينهب من المجال العامّ (الدولة)، الأمرُ الذي يحوّل الدولةَ إلى ائتلاف فيدراليّ بين الطوائف. لكنّ الحراك أتى، ومسّ بهذا الائتلاف (المكوّن من 6 ديكتاتوريين بدلًا من ديكتاتوريّ واحد شأن الأنظمة العربيّة الأخرى). هذه عوامل إيجابيّة جدًّا تحيط بالحراك.

 

* وماذا عن سلبيّاته؟

- قلت إنّ الحراك يحتاج إلى قيادة حتى لا تَحْرفه قوًى محلّيّة أو خارجيّة. لكنْ من ثغراته أيضًا أنّه لم يستطع حتى اللحظة أن يخلقَ برنامجًا وطنيًّا موحّدًا؛ وهذه نقطةُ الخلل الأساسيّة.

أضف إلى ذلك افتراقَ قوى الحراك سياسيًّا، على الرغم من وجود مشترَك اقتصاديّ - اجتماعيّ. ولو وُجد المشترَكُ السياسيّ، لهتفتْ بعضُ المناطق ضدّ النظام؛ وهذا لم يحصلْ في منطقتيْ جلّ الديب وذوق مصبح مثلًا، وإنْ جرى الهتافُ ضدّ "العهد" [بشخص الرئيس عون ووزير الخارجيّة].

 

- ما رأيك بخطاب السيّد نصر الله الأخير؟

- أؤيّد فقط هواجسَه من الـ أن. جي. اوز، لأنّها إذا استلمت السلطةَ فستقوم بانقلابٍ في السياسة الخارجيّة، وتحديدًا في ما يختصّ بالعلاقة مع الإسرائيليّ والمقاومة - - وهذا ما لن يقبله السيّد طبعًا.

الهاجس الآخر لدى السيّد نصر الله هو أنّه ليس مع إلغاء الطائفيّة السياسيّة. في رأيي أنّ هذا الإلغاء لا يخدم أحدًا من السلطة السياسيّة. إذ مع الدولة المدنيّة سوف يُطرح قانونٌ جديدٌ للأحزاب، وسيُطرح الزواجُ المدني الاختياري ضمن قانون جديد للأحوال الشخصيّة. وهذا كلُّه لا يتلاءم مع الطائفيّة، ولا مع الثقافة الإسلاميّة بوجه خاصّ.

 

* هل هناك مؤشِّرات لأن يتحول الحَراكُ إلى اقتتالٍ داخليّ؟

- حتى اللحظة أستبعدُ أن تنفتح حربٌ أهليّة؛ ذلك لأنّ مَن يملك القدرةَ على الحرب لا يريدها. قد تحدث بعضُ الإشكالات، لكنّها لن تذهب إلى انفجارٍ دمويّ.

 

* هل سيُقْدم حزبُ الله على ٧ أيّار ثانية؟

- لا أعتقد. فوقتها، في 7 أيّار 2008، اندلعت الأزمةُ من أجل شبكةِ اتصالات، وكانت محصورةً في بيروت والجبل. أمّا اليوم، فالحراك منتشر في كلّ لبنان. ولا نستطيع أن نخفي أنّ جمهورَ حزب الله يشكّل قسمًا كبيرًا من هذا الحراك. من نتائج هذا الحراك أنّ جزءًا كبيرًا من جمهور الطوائف انفكّ عنها.

 

* ما هي في رأيك مآلاتُ الحراك، دكتور؟ وماذ تأمل منه؟

- الحراك ذاهبٌ إلى تحقيق مطالبَ اقتصاديّةٍ واجتماعيّة. وسوف يُنتج هيئاتٍ تنسيقيّة. لن يبقى الشباب إلى ما لا نهاية في الشارع. وسوف يتحاورون مع السلطة. السلطة لن تسقط بسهولة، ويمكن القول إنّ نصفَ لبنان معها. تحقيق مطالب اقتصاديّة واجتماعيّة أمرٌ ممكن، أمّا المأمول في النهاية فهو تغييرُ النظام - - وهذا ما أستبعده الآن. السلطة أصبحتْ ملزمةً بأخذ هذا الحراك في عين الاعتبار.

 

*وماذا عن "المثقّفين"؟ وعن موقف "الشباب" إزاءهم؟

- المثقّفون مدعوّون إلى قراءة الحَراك قراءةً واقعيّة، لا قراءة مَن تأخذُه اللحظةُ وينبهرُ بها! المطلوب أن نقاربَ الحراكَ بطريقة تغييريّة عقلانيّة لأنّ توازن القوى قد لا يحتمل أكثرَ ممّا يمكن تغييرُه.

أمّا بالنسبة إلى رفض بعض الشباب أن يتعاونوا أو ينسّقوا مع المثقّف الذي يكْبرهم سنًّا، فذلك نوعٌ من التعنّت في غير محلّه. نطالبهم بأن يسمعوا ويناقشوا ويحاوروا... ثمّ يقودوا.

 

* برأيك، ما الذي دفع الرئيس الحريري إلى الاستقالة؟ وكيف تقرأ ما حصل في الشارع قبل الاستقالة، أعني الهجوم على المتظاهرين في ساحة رياض الصلح والرينغ من قبل مجموعات قيل إنّها من مناصري حزب الله وحركة أمل؟

- أعود فأؤكّد لكِ أنّ الانتفاضة فرضتْ توازنَ قوًى جديدًا أدّت إلى استقالة الحريري. هذا التوازن لم يعد أحد في السلطة قادرًا على أن ينكره في رسم أيّ سياسة اقتصاديّة في البلد لجهة الأخذ في الاعتبار مصالحَ الناس ومطالبهم.

بالنسبة إلى ما حصل في الرينغ ورياض الصلح، أقول باختصار شديد إنّ الانتظامات الطائفيّة السلطويّة (حركة أمل، القوات اللبنانيّة،...) تستشعر الخطرَ على مصالحها، وعلى تمثيلها الطائفيّ، لأنّ طرح "الدولة المدنية" جدّيّ اليوم، فتنتقل إلى موقع الثورة المضادّة. وما حصل في من اعتداء في رياض الصلح، ومن قطعٍ للطرق في بعض المناطق ذات الكثافة المسيحيّة، مؤشِّرٌ على ذلك.

إنّ الانتظامات المذكورة، عندما تشعر بتهديد مصالحها (خصوصًا لناحية التمثيل السياسيّ وتقويض شبكة الاستزلام والانتفاع الشخصييْن)، تتموضع في موقع الثورة المضادّة. من هنا قد ينشأ نوع من الفوضى، لكنّي لا أعتقد أنّ ذلك سينفتح بالضرورة على حرب أهليّة. الحرب الأهليّة تحتاج إلى قوى متكافئة، وهذا غيرُ موجود في هذه المرحلة.

 

بعلبك - العين