كيف تعاملتْ بعض الدول مع تداعيات الأزمات والحروب
29-03-2019

 

تمهيد

عندما طلبتْ إدارةُ جمعيّة العلوم الاقتصاديّة السوريّة تقديمَ مقترحات حول برنامج الثلاثاء الاقتصاديّ للعام 2019، تقدّمتُ إليها ببعض العناوين. كان يدور في ذهني آنذاك سؤالٌ مركزيّ عن "السياسات الاقتصاديّة في مرحلة التعافي وإعادة الاعمار" من خلال ما سمعنا من سيناريوهاتٍ تُرسم لنا في المحافل الدوليّة والإقليميّة وبعضِ الدهاليز المحلّيّة، وجميعُها يلتقي مع هدف إبقاء الاقتصاد العربيّ السوريّ أسيرًا للسياسات الاقتصاديّة الليبراليّة الجديدة، وتوصياتِ المؤسّسات الدوليّة، وجميعِ السياسات التي أسهمتْ في تهيئة الساحة السوريّة للتحركات الإرهابيّة وللتدخّل الخارجيّ، ومن ثمّ السقوط في أحضان المشروع الأميركيّ - الصهيونيّ، بعد إضعاف الدولة وإنهاكِ جيشها وتفتيتِ مجتمعها والقضاء على سيادتها واستقلالها.

وكنتُ قد نبّهتُ قبل الأحداث، وتحديدًا في معرض تقويم نتائج الخطّة الخمسيّة الأخيرة (2006 - 2010)، إلى أنّ تحريرَ التجارتيْن الداخليّة والخارجيّة، وإطلاقَ العنان لقوى السوق الغاشمة، سوف يُسهمان في خلق الأجواء المناسبة لبروز "مجتمعِ مَخاطر" ناجمةٍ عن الانضواء تحت لواء "الاقتصاد العالميّ" والانخراط في "العولمة." وأكّدتُ، من على منبر جمعيّة العلوم الاقتصاديّة، أنّ "التحرير قبل التمكين خطر عظيم." وها قد وقعتْ سورية في المحظور.

ذلك أنّ ما تسعى إليه قوى التآمر في الخارج - مع استطالاتها الداخليّة - سيناريو واحدٌ يتركّز حول:

- إبقاء اقتصاد سوريا أسيرًا للاقتصاد الرأسماليّ العالميّ، اعتمادًا على نفوذ القطاع الخاصّ المصنَّع في أروقة النظام الرأسماليّ العالميّ.

- ربط الحلّ السياسيّ النهائيّ للأزمة بانتقال السلطة إلى فئةٍ من "تجّار الأزمة" وبقايا الرأسماليّة والبرجوازيّة الكبيرة المتحالفة مع الإسلام السياسيّ (متمثّلًا في الإخوان المسلمين والفصائل المسلّحة التكفيريّة).

- توجيه الأنظار إلى مسألة "تمويل إعادة الإعمار" عن طريق القروض الخارجيّة المضمونة من البنك الدوليّ، ورهْن مستقبل سوريا الاقتصاديّ لخدمة تسديد الديون. هكذا يجري تضخيمُ أرقام الاحتياجات، والتهوينُ في قدرة الموارد المحليّة على الوفاء بمتطلّبات إعادة الإعمار.

وقد ساعد على انتشار هذه التوجّهات قناعةُ بعض المسؤولين - معزَّزةً بوجهات نظر بعض الأكاديميّين الليبراليّين - بأمورٍعدّة، منها: عجزُ الدولة عن تحمّل أعباءِ إعادةِ الإعمار والمشكلات الاجتماعيّة؛ وجدوى الحلّ الاقتصاديّ الليبراليّ الجديد؛ وتراجعُ الأفكار المناوئة لهذا الحلّ على المستوى العالميّ؛ واتّهامُ "تدخّل الدولة في الشأن الاقتصاديّ" بأنّه مسبِّبُ الأزمات الاقتصاديّة.

ومع اعتراف هؤلاء بأنّ السياسات الاقتصاديّة الجديدة قد تَنجم عنها إشكالاتٌ اجتماعيّة وبطالةٌ، فإنّهم يعتقدون أنّ هذا سيحصل موقّتًا، تعبيرًا عن "منطق السوق" لا غير، وأنّ علينا أنْ "نتحمّل النتائجَ الموقّتة" على أمل الوصول إلى "الازدهار" على المدى الطويل.

والحقّ أنّ "منطق السوق" الذي ينادون به هو منطقُ البقاء للأقوى، منطقُ الاستغلال والاحتكار. ومع أنّنا فنّدنا السياساتِ الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة مرارًا، فإنّ دُعاتها يملكون السلطةَ والمالَ والإعلامَ والمؤسّسات، ويسخّرون ذلك كلَّه للترويج لها ولاتّخاذ القرارات وتنفيذها.

وزادت معاناةُ المواطنين السوريين جرّاء العقوبات الاقتصاديّة المفروضة من قِبل الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ وجامعةِ الدول العربيّة. وفي حين كان يُفترض أن تكون هذه العقوباتُ دافعًا إلى إعادة النظر في السياسات الاقتصاديّة المتّبعة، فإنّها أصبحتْ عونًا لهذه السياسات. وهكذا وقع المواطنُ تحت ضغط تحالف مثلّث: قوى الإرهاب، والعقوبات الاقتصاديّة، وقوى السوق الغاشمة.

 

يجري تضخيمُ أرقام الاحتياجات في سوريا، والتهوينُ في قدرة الموارد المحليّة على الوفاء بمتطلّبات إعادة الإعمار

 

لن نتعب من طرح وجهة نظرنا الوطنيّة في المسألة الاقتصاديّة. وقد وجدتُ أنّه من المفيد أن نستعرضَ تجاربَ تعاملِ بعضِ الدول مع تداعيات الأزمات الاقتصاديّة والحروب، علّنا نجد في ذلك سندًا لِما نطرحه. صحيح أنّ لكلّ بلد ظروفًا تختلف عن البلدان الأخرى، إلّا أنّ هناك مبادئَ عامّةً تَحْكم المسيرةَ الاقتصاديّة لجميع البلدان.

أ - الولايات المتّحدة الأمريكيّة. كانت الولايات المتّحدة تخرج من جميع الحروب من دون تداعياتٍ سلبيّةٍ على اقتصادها ومجتمعها، لا بل إنّها كانت تخرج وقد حقّقتْ مكاسبَ مهمّةً على الصعيديْن الاقتصاديّ والسياسيّ.

فبعد الحرب العالميّة الأولى، انتشرتْ في الولايات المتّحدة حالةٌ من الانتعاش الاقتصاديّ والرخاء، في ظلّ سيادة اقتصاد السوق المنفتحة التنافسيّة. وانطلاقًا من التفاؤل بأنّ سوق الأوراق الماليّة لن تهبط، سرت موجةٌ من الإحساس العامّ جعلت الجميعَ (باعةً ومشترين) في حالةٍ تشبه الهذيان في عمليّات بيع الأوراق الماليّة وشرائها، وحقّق المضاربون أرباحًا خياليّة. لكنّ آلةَ الازدهار الضخمة كانت تُخفي في داخلها حقيقةَ اقتصاد السوق المنفلت، والممارسات الوحشيّة للرأسماليّة الاحتكاريّة. وعندما انكشفتْ هذه الحقيقة، انهار كلُّ شيء، وحصل الدمارُ الذي شمل الجميعَ. ومع نهاية العام 1930، كانت صورةُ الاقتصاد الأمريكيّ مرعبة: فقد اتّسعتْ دائرةُ البطالة (14 مليون عاطل عن العمل)، وتراجعتْ أعمالُ البناء، وهبط الدخلُ القوميّ بشدّة (من 87 مليار دولار عام 1929 إلى 39 مليار دولار عام 1933)، وعاد مستوى المعيشة إلى ما كان عليه قبل عشرين عامًا.

تولّى روزفلت الرئاسة عام 1933، فكان ذلك إيذانًا ببدء مرحلة جديدة دعاها بـ"استعادة الثّقة،" ووضع برنامجَ الـ"نيو ديل" موضعَ التنفيذ. لكنّ الرأسماليّين المتطرّفين عارضوه باعتباره "اشتراكيّة مكشوفة." والحقّ أنّ هدف هذا البرنامج الفعليّ كان إنقاذَ الرأسماليّة باعتماد سياسة اقتصاديّة تجعل الحكومةَ شريكًا إيجابيًّا في توجيه الاقتصاد. وهكذا أصبحت الحكومة مستثمرًا اقتصاديًّا في البنية الأساسيّة ومشروعات السكن والنوادي والقاعات العامّة.

وقد بلور "كينز" هذا التغييرَ بنظريّته العامّة، إذ أوضح أنّ الكارثة لم تكن سوى نتيجةٍ للنقص في استثمار الأفراد في الأعمال المنتِجة، وبذلك يكون العلاجُ في أن تسدّ الحكومةُ ذلك النقصَ. وبعد ثلاثة أعوام من "الحقن الحكوميّ،" ارتفع الدخلُ القوميّ والاستهلاكُ القوميّ بنسبة 50%. ومع ذلك فقد بقيت البطالة، وإن انخفضتْ إلى 9 مليون شخص. وتعود أسبابُ ذلك إلى عدم تنفيذ برنامج الـ"نيو ديل" كاملًا، فضلًا عن إحجام رجال الأعمال عن الاستثمار لخوفهم من توسّع الإنفاق الحكوميّ.

خلال الحرب العالميّة الثانية، كان الاقتصاد الأمريكيّ يحصد الآثارَ المدمِّرةَ للحرب، التي دخلتْها أمريكا متأخّرةً. لذا وجدتْ أمريكا في الإنفاق العسكريّ خلاصًا لاقتصادها. ومن هنا كان هاجسُ خفض هذا الإنفاق هو ما يَشغل بالَ الحكومات والمفكّرين الاقتصاديّين لأنّ ذلك سيعني كسادًا خطيرًا. وبالتالي فقد استمرّت حالة الحرب خدمةً لأهداف الاقتصاد الأمريكيّ، والطغمة الحاكمة، والاحتكارات الرأسماليّة العالميّة.

ومع ظهور بوادر الانفراج في الأسواق الماليّة، تراجع التدخّلُ الحكوميّ، ليعود فيصبح مطلبًا عامًّا كلّما لاحت في الأفق أزمةٌ جديدة. وهذا ما حصل سنة 2008 مع أزمة الرهون العقاريّة؛ فمع تصاعد الأزمة، أصبح التدخّل الحكوميّ مطلبًا للمؤسّسات الماليّة والمصارف لإنقاذها من الإفلاس.

 

وجدتْ أمريكا في الإنفاق العسكريّ خلاصًا لاقتصادها. من هنا شغل هاجسُ خفض الإنفاق بالَ الحكومات لأنّ ذلك سيعني كسادًا خطيرًا.

 

بوصول ترامب إلى الرئاسة تحت وطأة الأزمة الاقتصاديّة والماليّة، طرح شعاراتٍ جديدةً تحت عنوان "أمريكا أوّلًا." لذا أَعلن الانسحابَ من أغلب الاتفاقات التجاريّة، وطالب باتفاقاتٍ ثنائيّةٍ جديدة، وبرفع الرسوم الجمركيّة، وتحقيقِ الحماية للمنتجات الأمريكيّة؛ وكلّ ذلك يتعارض مع السياسة الأمريكيّة التقليديّة الداعية إلى الانفتاح وحرّيّة التبادل والعولمة الاقتصاديّة.

هكذا نجد أنّ الولايات المتّحدة، بصرف النظر عن الحزب الحاكم، جاهزةٌ دائمًا لتغيير سياساتها الاقتصاديّة بما يَخدم الطغمة الرأسماليّة الاحتكاريّة، مستخدمةً في سبيل ذلك قوّة دولارها، وقوّتها الاقتصاديّة والعسكريّة تاريخيًّا. وفي موازاة ذلك، فإنّ العقول الأمريكيّة جاهزةٌ هي أيضًا لتقديمِ ما يلزم من نظريّات تبريريّة لتوجّهات السياسة الأمريكيّة مهما كانت.

ب – أوروبا. كانت السياسات الاقتصاديّة في دول أوروبا الغربيّة قبل الحرب العالميّة الثانية تتمحور حول مكافحة البطالة في ظلّ اقتصاد السوق. بعد انتهاء الحرب، اتّضح الصراعُ الإيديولوجيّ بين الليبراليّة والاشتراكيّة، وبين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتيّ، فضلًا عن السباق بين أوروبا والاتحاد السوفييتيّ واليابان من أجل تعميرِ ما خرّبتْه الحربُ وتحقيقِ النموّ الاقتصاديّ.

ونتيجةً للتفاعل بين جميع هذه المعطيات الفكريّة والسياسيّة، تصاعد دورُ المنظّمات الاشتراكيّة والنقابات العمّاليّة. وفي ضوء الحاجة الماسّة إلى اختيار النهج الذي ينبغي السيرُ على هدْيه اقتصاديًّا واجتماعيًّا، كان على أوروبا أن تختار بين:

- النموذج الاشتراكيّ؛ وفيه تكون قيادةُ الاقتصاد في يد الدولة، ترسيخًا للعدالة الاجتماعيّة وتكافؤ الفرص.

- النموذج الليبراليّ الاقتصاديّ، الذي يترك المسارَ الاقتصاديّ لرؤية القطاع الخاصّ والسوق.

وأمام تحدّي النموذج الاشتراكيّ الناجح الذي تمثّل في الاتحاد السوفييتيّ، ووجودِ النموذج الأمريكيّ وإغراءاته بتمويل الإعمار (مشروع مارشال)، ظهرتْ معالمُ التسوية التاريخيّة بين رأس المال والعمل والدولة. فقد أمكن احتواءُ الحركات العمّاليّة وضمُّها إلى عمليّة التسوية، التي شملتْ رجالَ الأعمال وممثّلي الحكومة، وأقيمت "الدولةُ الراعية" أو "دولةً الرفاه الاجتماعيّ." وهنا جرى تدخّلُ الدولة في الشأنين الاقتصاديّ والاجتماعيّ من أجل تحقيق العدالة الاجتماعيّة والنموّ الاقتصاديّ؛ وهو ما عنى نبذَ السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة وحريّة السوق التي تعمل تحت عنوان "دعه يعمل، دعه يمرّ."

يعرِّف علماءُ الاجتماع "الدولةَ الراعية" بأنّها تلك التي تتولّى تغطيةَ المخاطر الاجتماعيّة الأساسيّة، كالمرض والبطالة والشيخوخة، إلى جانب الإنفاق على التعليم وتنظيم علاقات الانتاج. ويصنِّف عالِمُ الاجتماع اسبينغ أندرسون الدولةَ الراعية في ثلاثة أنماط: 1) النمط الاجتماعيّ الديمقراطيّ الذي تؤدّي فيه الدولةُ دورًا محوريًّا مباشرًا في تأمين المخاطر الاجتماعيّة من خلال: سياسة ضريبيّة فعّالة (الضريبة التصاعديّة)، وإعادة توزيع الثروة والدخل، وتأمين أقصى حدٍّ من الحاجات الاجتماعيّة (الناجمة عن البطالة والمرض والشيخوخة وحالات العسر والفقر المختلفة). وقد أخذت الدولُ الاسكندنافيّة بهذا النمط. 2) النمط الليبراليّ (الأنجلوساكسونيّ) الذي تميّزتْ به بريطانيا، وفيه تكتفي الدولةُ بتأمين الحدّ الأدنى من الاحتياجات الاجتماعيّة، تاركةً للشركات الخاصّة والأفراد ما يزيد عن ذلك. 3) النمط التعاونيّ الألمانيّ والنمط الدولتيّ الفرنسيّ، وهو يعتمد على مؤسّساتٍ تديرُها وتموّلُها أطرافُ العلاقة الإنتاجيّة، ممثّلةً في نقابات العمّال ونقابات أرباب العمل، ولا تتدخّل فيه الحكومة مباشرةً إلّا من أجل تأمين الاحتياجات غير المرتبطة بالعمل والإنتاج (كإغاثة الشرائح الأكثر فقرًا).

إنّ النظرة العامّة إلى أنماط الدولة الراعية تُخفي التنوّعَ في التجارب الأوروبيّة وفقًا لظروف كلِّ دولة وتوجّهاتها السياسيّة، ومدى قدرة التنظيمات العمّاليّة والأحزاب اليساريّة، وتعاظُمِ نفوذ رجال الأعمال وأصحاب رأس المال. على أنّ ما يخيّم على جميع أنماط الدولة الراعية هو إطارُ النموذج الكينزيّ، نقيضِ النموذج الاقتصاديّ الليبراليّ القائم على عدم تدخّل الدولة في الشأنين الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

ويفضِّل البعض استخدامَ تعبير "اقتصاد السوق الاجتماعيّ،" خصوصًا في ألمانيا، انطلاقًا من مفهوم التدخّل الحكوميّ وآليّات السوق من أجل إنجاز المهامّ الاقتصاديّة وتحقيق العدالة الاجتماعيّة. وقد أمكن أوروبا في ظلّ هذه السياسات، منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية وحتى بداية السبعينيّات من القرن الماضي، أن تعيش سنواتٍ ذهبيّةً من الرخاء الاقتصاديّ، بمساعدة مشروع مارشال الأمريكيّ، وبالحصول على الطاقة الرخيصة من النفط العربيّ.

لكنّ علامات أزمة اقتصاديّة بدأتْ منذ منتصف ستينيّات القرن الماضي، وتوضّحتْ في بداية السبعينيّات مع ما دُعي "الركود التضخّميّ." فلأوّل مرّة ترافق الركودُ مع التضخّم، وعجزت الأدواتُ الكينزيّة عن مواجهة الأزمة، التي رافقها حراكٌ إيديولوجيّ - سياسيّ على مدى عشر سنوات، تمخّض عن انتصار المحافظين في إنكلترا (برئاسة ثاتشر عام 1979) وانتصار الجمهوريين في الولايات المتّحدة (برئاسة ريغين عام 1980). وتمثّل هذا الانتصار في انتهاج سياسات اقتصاديّة ليبراليّة جديدة، أكّدتْ هيمنتَها على سياسات الولايات المتّحدة وانكلترا (وتاليًا الدول التي تدور في فلكها). وترسّختْ هذه الهيمنة مع انهيار الاتحاد السوفييتيّ، وفشلِ تجربته الاشتراكيّة مع بداية التسعينيّات من القرن الماضي، وما تلا ذلك من تداعياتٍ برزتْ في تبنّي المؤسّسات الماليّة الدوليّة إيدولوجيا "الاقتصاد الحرّ" ممثّلًا في برنامج "وفاق واشنطن." هنا وُضعتْ آليّاتٌ محدّدة للانتقال من الاقتصاد الاشتراكيّ والاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السوق. واستُخدمتْ وصفاتُ الصندوق والبنك الدوليّين أداةً "ناجعةً" لهذا الانتقال، وذلك باستخدام سياسات الاقتراض، وربطِ هذه السياسات ببرامج التحوّل، ومن ثمّ ربط الدول المنصاعة لهذه البرامج بمسيرة الاقتصاد العالميّ المهيمَن عليه أمريكيًّا.

 

انتصار تاتشر في إنكلتراعام 1979 وريغين في الولايات المتحدة عام 1980 أدى لانتهاج سياسات اقتصاديّة ليبراليّة جديدة

 

وإذا بدا للمراقب أنّ الأمر استقرّ للسياسات الاقتصاديّة الليبراليّة بعد إطلاق ثقافة العولمة، ومع التطوّر التقنيّ الحاصل في قطاع الاتصالات، فقد بدأتْ علاماتُ أزمة جديدة تلوح في أفق النظام الرأسماليّ العالميّ، انطلاقًا من التحوّلات التي حصلتْ في قطاع المصارف والتأمين والأوراق الماليّة والبورصة والمتاجرة بالعملات. وجاء الانفجار في أيلول 2008 في قطاع الائتمان العقاريّ، وما رافقه من عمليّات توريق لا سابقَ لها في التعاملات الماليّة. وانتقلت الأزمة بسرعة قياسيّة إلى باقي القطاعات الاقتصاديّة في الولايات المتّحدة، ثمّ إلى جميع أنحاء العالم. وكان السبب المباشر هو انفلات السوق من أيّ رقابة. لذا كان لا بدّ من تدخّل الدولة. هكذا جرى تقديمُ المساعدات إلى المؤسّسات الماليّة الكبرى، وأُعيد ضبطُ سوق الأوراق الماليّة. وفي حين اتُهم الرئيس الأمريكيّ أوباما، حينذاك، بأنه "اشتراكيّ" لمجرّد تدخّله، فإنّ هدف هذا التدخّل كان الحيلولة دون انهيار النظام الرأسماليّ. لذا، فإنّ استمرار الأزمة هو ما دفع الرئيس الأمريكيّ الحاليّ ترامب إلى سياسات مخالفة: فيطالب بالحمائيّة، ويدعو إلى الخروج من الاتفاقات الدوليّة الجماعيّة، ويعارض العولمة الاقتصاديّة.

إنّنا نعتقد أنّ النظام الرأسماليّ العالميّ يمرّ الآن بأزمات لا يمكن أن تحلّها إلّا الحروبُ التي تشعلها الولاياتُ المتّحدة في جميع أنحاء العالم؛ فقد تؤدّي هذه الحروب إلى زيادة مبيعات السلاح الأمريكيّ، فتتحرّك عجلةُ الاقتصاد الأمريكيّ. ولكنّ هذا سيظلّ "علاجًا" دمويًّا موقّتًا، لأنّ الأزمة هي في طبيعة النظام الرأسماليّ نفسه، القائمة على عدم العدالة وعدم المساواة. وتعيش أوروبا اليوم حالة فريدة في تاريخها؛ فهي تحصد نتائج السياسات الاقتصاديّة الليبراليّة الجديدة اضطراباتٍ اجتماعيّةً. ونرى ذلك في المظاهرات التي تعتري شوارع فرنسا واليونان وإسبانيا وغيرها، وفي بروز التيّارات المتطرّفة من اليمين واليسار، وفي خروج إنكلترا من الاتحاد الأوروبيّ.

ج - لبنان. سارت البلدانُ العربيّة، بوجه عامّ، في ركاب السياسات الاقتصاديّة الغربيّة - الأمريكيّة، وذلك من خلال مقولات الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة. وكانت هناك محاولاتٌ جادّة (في سوريّة ومصر والعراق وليبيا) للانعتاق من دائرة التبعيّة، لكنّها كانت، ولا تزال، تعترضها معوّقاتٌ، أبرزُها تعارضُها مع المشروع الأمريكيّ - الصهيونيّ، الذي بلوره الرئيس الأمريكيّ جورج دبليو بوش بعد احتلال العراق سنة 2003، تحت مسمّى "الشرق الأوسط الكبير." وكانت السياساتُ الاقتصاديّة، التي يروَّج لها من خلال الدعوة إلى هذا المشروع، تَخدم هدفَ التحوّل النهائيّ إلى اقتصاد السوق. وقد استُخدمتْ لهذا الغرض المؤسّساتُ العالميّة من خلال "برنامج وفاق واشنطن."

يشكّل لبنان نموذجًا لما عرضناه. فبعد الاستقلال، سعى المسؤولون فيه إلى تعميق القطيعة الاقتصاديّة مع سوريّة، والبقاء في إطار التبعيّة للغرب.

في نهاية الخمسينيّات وقعتْ أحداثٌ داخليّة، بلغتْ حدَّ الحرب الأهليّة في منتصف السبعينيّات. ثمّ حصل الاجتياحُ الإسرائيليّ سنة 1982، فكان هذا إيذانًا ببروز المقاومة الوطنيّة، التي أجبرت العدوّ ربيع العام 2000 على الانسحاب شبه التامّ. وفي العام 2006 جدّدتْ "إسرائيل" عدوانَها، فواجهته المقاومةُ مدعومةً من حلفائها في الداخل والخارج، واستطاعت هزيمتَه. وكانت هذه المعركة المشرّفة إيذانًا بوضع المقاومة على خارطة العمل السياسيّ اللبنانيّ.

لكنّ النظام الطائفيّ أبقى "الديمقراطيّة التوافقيّة" دليلًا للعمل السياسيّ، كما أبقى نظام المحاصصة الطائفيّة. وعلى الرغم من التعديل الحاصل حديثًا في قانون الانتخابات، فإنّ الشكل العام للعمل السياسيّ بقي كما هو، تحْكمه قواعدُ التوافق الطائفيّ - - وهو ما يَحُول دون إجراء تعديلٍ جوهريٍّ في السياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وبقي الاقتصاد اللبنانيّ قائمًا على الخدمات والأعمال المصرفيّة والسياحيّة، وعلى عمليّات الاستيراد من الخارج.

في التسعينيّات طُرحتْ مسألةُ "إعادة الاعمار،" فتجاهل المسؤولون جميعَ الخيارات المتاحة واتّجهوا إلى مواصلة نهج اقتصاد السوق واللجوء إلى القروض من أجل الإعمار. وحتى الآن لا يزال لبنان يشكو مسائل كثيرة (من ديون، وانقطاع الكهرباء، وتراكم النفايات، وتفاقم احتكاراتٍ واستغلال،...) بسبب فلتان السوق المحليّة وغياب الضوابط. وقد وصل الديْنُ العامّ إلى ما يزيد عن 85 مليار دولار، بينما وصل العجزُ التجاريّ إلى ما يزيد عن 15 مليار دولار (إحصاءات شهر 11 من عام 2018).

أدّت السياساتُ الاقتصاديّة الليبراليّة الجديدة في لبنان إلى حالة من الإخفاق التنمويّ، تمثّلتْ في استمرار البطالة، وهجرةِ الشباب بحثًا عن العمل. كما أَخضعت تلك السياساتُ الاقتصادَ اللبنانيّ لمصالح قطاع المصارف والتأمين وأصحابِ الريوع الماليّة، على حساب مصالح القسم الأوسع من أبناء الشعب، وذلك تنفيذًا لتوجّهات المؤسّسات الماليّة الدوليّة، وآخرُها النصائحُ المنبثقة من مؤتمر سيدر، الذي من شأنه إغراقُ لبنان من جديدٍ بالديون.

د – مصر. بعد حرب 1973، اتّخذ أنور السادات توجّهاتٍ سياسيّةً واقتصاديّةً واجتماعيّةً كان لها أبلغُ الأثر في مصر وسائر البلدان العربيّة. فقد انطلق من أنّ "الأوراق أصبحتْ بنسبة 99% في يد أمريكا،" وبناءً عليه أُخذتْ مصر إلى عالمٍ آخر، من مظاهره:

أوّلًا: إقامة علاقات بين مصر و"إسرائيل" بموجب كامب دايفيد، ما يعني انسحابَ مصر الرسميّة من القضيّة الفلسطينيّة.

ثانيًا: تبنّي خيار الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة، والامتثال لتوصيات صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ لقاء القروض المقدّمة. وأدّى ذلك إلى إهمال التربية والتعليم والصحّة الحكوميّة، في حين جرى تشجيعُ القطاع الخاصّ لإنشاء المدارس والجامعات والمشافي الخاصّة ذات النفقات المرتفعة، الأمر الذي عمّق الشعورَ باليأس والإحباط في الأوساط الشعبيّة. وتوضّحتْ أبعادُ الشرخ الاجتماعيّ بسبب سوء توزيع الثروة والدخل، وأصبح مَن يملك الثروة وحده قادرًا على التعايش مع المعطيات الجديدة.

ولم يستفدْ حسني مبارك، الذي خلف السادات، من الدرس. فكان ذلك إيذانًا بدخول مصر إلى "مجتمع المخاطر." فمصر الرسميّة لم تكتفِ بتسليم جميع ما لديها من أوراق إلى أمريكا، ولا برَهْنِ مواقفها السياسيّة بالمحافظة على اتفاقيّة كامب ديفيد، بل سلّمتْ أيضًا اقتصادَها إلى فئة من القطاع الخاصّ المرتبطين بالشركات المتعدّدة الجنسيّات، وحافظتْ على التقيّد بتوصيات البنك والصندوق الدوليين.

 

سلّمت مصر اقتصادَها إلى فئة من القطاع الخاصّ المرتبط بالشركات المتعدّدة الجنسيّات

 

وما كادت أحداثُ تونس في نهاية العام 2010 تنفجر حتى التهبتْ شوارعُ مصر صادحةً بعناوين الثورة (الخبز والكرامة والعدالة). وتحت وطأة تطوّر الأحداث، انسحب مبارك، وتولّى "المجلسُ العسكريّ" الحكمَ ليشرفَ على انتخاباتٍ قادت الإخوانَ المسلمين إلى الحكم، ما أشاع أجواءَ الاستياء من "أسلمة المجتمع" و"أخونة الدولة." فخرج الملايينُ إلى الشوارع من جديد، منادين بسقوط نظام الإخوان. وكان المؤمَّل أن تصل حركةُ الشعب إلى ما كان يطمح إليه هذا الشعب، إلّا أن صعود العسكر من جديد حال دون اتخاذ قرارات جريئة لصالح الناس. فاستمرّ السعي إلى الحصول على الأموال والقروض، لقاء الانضواء تحت الخيمة السعوديّة والحصول على المباركة الأمريكيّة. ونتج من ذلك الإمعانُ في الرضوخ إلى توصيات المؤسّسات الماليّة الدوليّة، في ظلّ سياسةٍ أبعدتْ مصرَ عن عمقها العربيّ وأغرقت المجتمعَ المصريّ في الفقر والجهل والمرض.

***

ماذا نستخلص من هذا العرض السريع لتجارب بعض الدول في مواجهتها تداعيات الأزمات الاقتصاديّة والحروب؟

أوّلًا: أنّ العامل الاقتصاديّ كان، ولا يزال، عنصرًا رئيسًا في الأزمات والحروب، وسيكون عنصرًا رئيسًا في مرحلة التعافي وما بعدها، إنْ جرى تحويلٌ في السياسات الاقتصاديّة بما يتناسب مع الدروس المستفادة من تلك الأزمات والخروب. وهذا يحتاج إلى تغيير في التفكير أيضًا، وفي المسائل النظريّة المرتبطة بالاقتصاد والتحليل الاقتصاديّ.

ثانيًا: بعض الدول وصلتْ إلى النتائج السليمة بعد الأزمة أو الحرب، وعملتْ على تغيير سياساتها الاقتصاديّة وأساليب تفكيرها. وأمّا بعض الدول، مثل لبنان ومصر، فلم تُغيّرْ شيئًا، فأغرقت البلادَ مرّةً أخرى بمظاهر توحي بأزمةٍ قادمة.

ثالثًا: هناك مشروع أمريكيّ - صهيونيّ يتضمن جانبين: جانبًا سياسيًّا يتعلّق بـ"الديمقراطيّة وحقوق الإنسان،" وجانبًا اقتصاديًّا يتعلّق بمواصلة "اقتصاد السوق." أمريكا لا يهمها منّ العالم ديمقراطيّة أو حقوقُ انسان. ما يهمّها هو اقتصادُ السوق، وإلحاقُ الآخرين بالاقتصاد العالميّ الذي تقوده. لكنْ يخطئ مَن يظنّ أنّه يمكن إرضاءُ أمريكا بالتحوّل إلى اقتصاد السوق فقط، أو القبول بالتطبيع مع "إسرائيل" فقط. إنّه مشروع متكامل: فإمّا أنْ تقبله بجميع تفاصيله، وإمّا أنْ تشتعل أرضُكَ بالحروب ويشرَّد شعبُك. ومن هنا نؤكّد أنّ النجاح لا يكون بنَبْذ الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة فحسب، بل بمواجهة المشروع الأمريكيّ - الصهيونيّ بأكمله.

دمشق


 
منير الحمش

ولد في القامشليّ سنة 1938. وحاز الدكتوراة في فلسفة الاقتصاد. شغل منصب رئيس مجلس إدارة الجمعيّة العربيّة للبحوث الاقتصاديّة. من مؤلّفاته: تطوّر الاقتصاد السوريّ الحديث، مبادئ التسويق الحديث، التجارة الدوليّة والبلدان النامية، التكامل الاقتصاديّ العربيّ، الاتجاهات الحديثة في الماليّة العامة، النظام الإقليميّ العربيّ، السلام المدان، الشرق الأوسط الجديد.