ماهر: الواحد الكثير
28-03-2019

 

"بعرفِكْ مِن لمّا كُنتِ بعمره": هذا ما يقولُه لي "عمّو ماهر،" وأنا آخذُ منه طفلي، بعد أن حملَه وقبّله بمحبّةِ جدٍّ لن يحظى به قطّ. لم يكن "آزاد" قد تجاوز الأسابيعَ القليلةَ في حينه. والحقيقة أنّ ماهرًا يعرفني منذ كنتُ أصغرَ من آزاد، منذ أن كنتُ في بطن أمّي ربّما. حملتُ آزاد، وقبّلتُ ماهرًا. وإذ اجتمع كلُّ حنان العالم في عينيه بلونهما الزيتونيّ، غصّ صوتُه وهو يقول "يرحم أبوكِ."

عمّو ماهر (وهو يوبّخني كلّما قلت "عمّو"). ماهر أو رفيق: هكذا كان يفضّل أن أناديَه. صديقُ أبي، وصديقُ كلّ عائلتي لجهة أبي وأمّي. هو الذي عرّفني إلى تفاصيلَ بلا حصرٍ عن عائلتي، في كلّ مرّةٍ رأيتُه فيها. عرّفني أيضًا إلى تفاصيلَ لا يعرفها سواه عن مراحلَ غنيّةٍ ومؤثّرةٍ على امتداد تاريخ احتلال فلسطين.

لا أستطيع أن أحدّدَ شكلًا لعلاقتي بعمّو ماهر. فهذا الرجل، الذي يسيل عذوبةً ووفاءً حين يحكي عن أهلي، وعن بيوتهم المفتوحة دائمًا له ولكلّ الرفاق، هو نفسُه المقاتلُ الشرسُ الصلبُ الذي تُحكى عنه قصصٌ تشْبه الخيالَ: عن جرأةٍ استثنائيّةٍ، وإيمانٍ راسخٍ لا تهزُّه النوائب بأنّنا سنعود حتمًا إلى فلسطين.
هذا الرجل، الصديق، الرفيق، كتلةٌ من الوفاء والمحبّة التي تمشي على رجْلين. لو طُلب إليّ تعريفُ أشجع الرجال، فسأسمّيه. لو سُئلتُ عن أوفى الرفاق، فسأقول ماهر. لو قيل لي مَن هو الفلسطينيّ الحقيقيّ، فستَحْضر إلى البال صورتُه في ألف موقف، وسأقول: أبو حسين واحدٌ وكثيرٌ. هذا الفلسطينيّ، العروبيّ، الماركسيّ الأمميّ، واحدٌ وكثيرٌ جدًّا.

***

أعرف عن عمّو ماهر قليلًا من كلّ شيء. أعرفُ عن عمله التنظيميّ الذي لم يكلَّ منه ولم يتعبْ مع الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، وهي التنظيمُ الذي لم أنتمِ إليه يومًا، ولكنّني أشعرُ أنّ كلّ المنتمين إليه عائلتي.

وأعرفُ عن مواقفه الشجاعة حيال أناسٍ من كلّ أنحاء لبنان، بل من كلّ الوطن العربيّ. فمثلًا أخبرني صديقٌ، عندما عزّاني بماهر، أنّ أهلَ "حارة الناعمة" لا ينسوْن كيف أطلّ عليهم ماهر حاملًا سلاحَه، وكلَّ ما استطاع حملَه من خبزٍ وأدوية، أيّامَ حوصروا حتى الجوع والإنهاك في الحرب الأهليّة.

وفي صُور، يتحدّث أهلُ هذه المدينة، كما "أولادُ المخيّمات،" عن هذا السبعينيّ الاستثنائيِّ الهمّة منذ يفاعته، وكيف أنّ حكمتَه – وحكمةَ عددٍ من كوادر الحركة الوطنيّة خلال الحرب الأهليّة المقيتة - جنّبتِ المدينةَ مصائرَ قاهرةً عاشتها مناطقُ كثيرةٌ في لبنان. فصور، المختلطةُ الأديان، والمحاطةُ بثلاثة مخيّمات للّاجئين الفلسطينيين (الرشيديّة والبصّ وبرج رحّال)، إضافةً إلى تداخل العلاقات الاجتماعيّة فيها بين الفلسطينيّين واللبنانيّين، اقتربت النيرانُ منها مع تصاعد لهب الحرب في لبنان؛ فكان "ميثاقُ شرفٍ" أشرفَ ماهر - وغيرُه من الأبطال المجهولين - على تنفيذه. وهكذا ابتعد وحشُ الرصاص والموت عن هذه المدينة.

 

رجل يسيل عذوبةً ووفاءً

 

وأعرفُ عن صدق محبّة ماهر للرفاق ولعائلاتهم. فهو ينقطع عنهم لانشغالاتٍ ما، لكنّه لا يلبث أن يَحْضر، أو يتّصل ليسألَ عن الأحوال أو عن إتمام أمرٍ يهمّ "الناس." ماهر مخلوقٌ من طينةٍ اسمُها: حُبُّ الناس. يا الله! أيُّ سعادةٍ كانت تلمع في عينيْه إذا أنجز أمرًا ما كما يحبّ، لقريبٍ أو بعيد. وحين أقول "كما يحبّ،" فإنّني أعني بشكلٍ مثاليّ. فماهر لم يكن من أولئك "البهورجيّة" والدجّالين، بل ظلّ حتى النهاية بهمّةِ شبلٍ يريد إثباتَ جدارته بحمل لقب "رفيق." كان كبيرًا بين الكبار، لكنّه لم يتبجّحْ يومًا بمكانةٍ أعلى من حبّ الناس.

***

لا أصدّق أنّني أكتبُ بصيغة الماضي عن ماهر، "عمّو" والرفيق والصديق، الذي استَمَعَ أحيانًا إلى طيْشي بالاهتمام الذي استمَعَ به إلى أخبار الانتفاضة الثانية، في تلك السنوات الزاخرة بعمليّات المقاومة، التي أعادت تصويبَ بوصلة الصراع في مواجهة الاحتلال. كان أكثرَ من متحمّسٍ للعمليّات البطوليّة، ولتصدّي شعبنا في الأرض المحتلّة لجبروت الاحتلال. كان شديدَ التركيز على تفاصيل العمليّات التي نفّذها أهلُ الأرض المحتلّة عام ٤٨. قال لي يومًا: "شفتي محْلاه هالشعب؟ فلسطينيين بكلّ مكان غصبًا عن ربّ الاحتلال."

أكتبُ عن عمّو ماهر ولا أصدّق أنّه رحل حقًّا. في الأيام الأخيرة لوجعه، زرتُه. وحين أخبرتْه حبيبتُه زينب أنّني أتيتُ، قال إنّه يودُّ رؤيتي. قبّلتُ وجهَه الأسمر، الذي انتبهتُ فجأةً إلى أنّه بات محفورًا بالتجاعيد. قلتُ له إنّني واثقة بتغلّبه على المرض، فأخبرني أنّه سيفعل، وسيزرع وردًا، وسيقرأ كثيرًا حين يتعافى. تحدّثنا أنا وزينب كثيرًا، فقال بضيق مصطنع: "خلّصونا عادْ." ضحكْنا لربعِ ابتسامةٍ جاد علينا بها. ثم تعاونّا لنُريحَ جلستَه. غطّيتُه كطفل. قبّلتُه مجدّدًا بكلّ امتنان العالم أنّه تذكّرني وسط ضباب آلامه. في قلبي عرفتُ أنّه ذاهبٌ إلى كلّ الأحبّة الذين سبقوه إلى الضفّة الأخرى.
ركضتُ لأبكي بعيدًا. شعرتُ أنّني حظيتُ، هذه المرّة، بفرصةٍ لوداع أبي!

***

شاكرةٌ أنا وممتنّة أنّني عرفتُ ماهر اليماني، وأنّني حظيتُ بعلاقةٍ خاصّةٍ وحميمةٍ ومتينةٍ معه؛ علاقةٍ تغيّرَتْ وتبّدلَتْ: بين أبٍ، ورفيقٍ، وأخٍ أكبرَ، وعمٍّ، وخالٍ، وصديقٍ، وسندٍ، نحيفٍ وأسمر، ولكنّ له قوّةَ جبلِ الكرمل وعزمَ شعبِ فلسطين. بكلّ هذا الحبّ أردْتُه أنْ يذهب، إذ لا يليق بمَن مثله أن يُقْعدَه المرض - - وهو المرتفعُ هامةً، الطويلُ رقبةً، الصلبُ مواقفَ، كساريةٍ متقدّمةٍ، تحملُ بكلّ شجاعةِ علمَ فلسطين، في معركةٍ طويلةٍ، سننتصر فيها حتمًا.

***

أوصيتُ صديقةً غاليةً من الأرض المحتلّة أن تزرعَ في سحماتا، بلدةِ ماهر في فلسطين المحتلّة عام 48، ورودًا متنوّعةَ الألوان. وعدتْني بأنّها ستفعل ذلك مع بدء الربيع، لتُزْهرَ جميلةً كروح عمّو ماهر، ولتتجدّدَ مع خير البلاد. أمّا الكتب التي أراد قراءتَها، فنبحث - نحن الذين نحبُّه غائبًا وحاضرًا - في أنْ تكون متاحةً لأجيالٍ من العقول الشابّة التي آمن بقدراتها في الصراع مع العدوّ الصهيونيّ، وذلك عبر مكتبةٍ تحمل اسمَه أو مشروعٍ لطالما فكّر فيه، ألا وهو: إعدادُ الكوادر.

في البيت، نحكي أنا وماما وإخوتي عن ماهر كأنّه في إحدى غيباته المعتادة. ثمّ يبلع الصمتُ الحكيَ؛ فنحن ما نزال نحاول استيعابَ أنّه لن يدقَّ بابَنا فجأةً وصوتُه يدوّي: "شتقنالكم يا جماعة الخير." وأنا ما زلتُ أحاول استيعابَ حقيقةٍ، صعبةٍ وقاسية، اسمُها رحيلُه.

الرفيق عمّو ماهر كان امتدادًا لوليد، أبي. وكان يفخر دومًا بأنّني "مش متل بنتي... هاي بنتي." فأيُّ شرفٍ هذا، وأيُّ مسؤوليّة هذه، يا أبا حسين؟
عمّا قليل، سيهدأ هذا الحزنُ الفاجرُ يا ماهر. حتى تأتي تلك السلوى العاصية، فيدرك كلٌّ منّا طريقتَكَ الخاصّةَ في العودة إلينا حين نحتاجُك وتشتاقُنا. فمثلك، أيّها الحنون، يغادر ربّما، لكنّه لا يغيب حتمًا. وحين نعود إلى فلسطين، ستكون، أنتَ وغسّان ورفاقُكَ - خالديّة، وعبد الوهاب، وبابا، وتيتا التي أحبّتْكَ كابْنٍ، ووديع، و"الحكيم،" وكثرٌ، كثرٌ من الأحبّة - ستكونون حتمًا أوّل العائدين.

صور

ملاك خالد

صحافيّة وأستاذة جامعيّة في كليّة التربية في الجامعة اللبنانيّة، وإعلاميّة في قناة الميادين.