Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

موسيقى الحياة

قصة قصيرة

 

"لا بدّ من أنّه كان يومًا شاقًّا،"همستْ لنفسها. أسرعتْ تحضّر له الطعام قبل أن يغفو بملابسه العسكريّة.

"هذا الرجل الطفل، كم أعبده!"

في ليلةٍ ماضية لم تستطع النومَ لبرودة فراشها، وحياتِها كلِّها. لم تشعر بالدّفء، على الرّغم من حرارة دموعها خوفًا من فقدانه.

حين أتاها مع خيوط الفجر الأولى، ألقى رأسَه فوق صدرها. غفا قليلًا بعد أن أخبرها كيف أمضى يومَه في جحيمٍ، إثر اشتباكهم مع جماعة إرهابيّة واستشهاد بعضِ رفاقه.

نظرتْ إليه بحنين، بعد أن دفعته بصعوبةٍ لينام في فراشه. أطلقتْ أصابعَها في خصلة شعره الفضيّة التي تحبّها:

ــــ حبيبي، استيقظْ وعدّلْ من وضعيّة نومك. إنّك تشخر.

ــــ ماذا حبيبتي؟! لقد ضايقتكِ ولم تستطيعي النّوم، أليس...؟

ــــ أبدًا حبيبي، أنا متضايقة لأجلك. لا بدّ من أنّك متعبٌ. تعالَ ونَم على صدري.

ضمّته وبدأتْ تغنّي له. وماهي إلّا ثوانٍ حتى عاد إلى شخيره.

قبّلتْه بين عينيه، وقد بدا شخيرُه موسيقى آتيةً من بلاد الإغريق. عادت إلى أيّام السكن الجامعيّ. تذكّرتْ شخيرَ صديقة، وليلةً قاسيةً بكت فيها من النعاس والإرهاق.

تُرى، لِم ودّت الهروبَ من الأرض كلّها في تلك الليلة الجامعيّة، في حين لا ترغب في الابتعاد عن فراشها الآن؟!

لقد أدمنتْ هذه الموسيقى منذ الشهور الأولى لزواجهما، وتفتقدها في الليالي التي تمضيها وحيدةً.

بل هي تدمن وتفتقد كلَّ شيء فيه: صمتَه، مشيتَه، طريقتَه السريعة في تناول الطعام،

غضبَه الهادئ، حبَّه الأبويّ. كلُّ شيءٍ فيه جزءٌ منها. هو كلُّها.

أيقظته مجدّدًا.

ــــ ماذا، أما زلتُ أشخر، حبيبتي؟!

ــــ نعم، ولكنْ ليس هذا ما أردتُ قوله.

ــــ ماذا إذن يا صغيرتي؟

ــــ لقد نسيتُ نفسي حين رأيتكَ متعبًا ولم أخبرك.

قاطعها وهو نصف نائم: تخبرينني بماذا؟!

أجابت بحماس:

ــــ يبدو لي أنّك ستصبح أبًا في وقتٍ قريب.

لم تشعر بنفسها إلّا وقد طارت في الهواء بين ذراعيه.

ــــ أنتِ حامل؟ يا إلهي، الحمد لكَ. سأصبح أبًا، وستكونين أجملَ أمّ.

نسي الجنديّ القادمُ من ميدان الموت كلّ التعب والألم، وأحسّ بأنّه سيولد مع الطفل القادم.

طوّقها بحنانٍ جارفٍ شعرتْ معه أنّها الطفلة المنتظرة لا الأمّ.

ضمّها بحذر. ثمّ همس: هل سيُكتب لي أن أرى هذا الطفل؟

مسح الخوفَ من عينيه كيلا تراه محبوبتُه التي غفت على صدره لساعةٍ أو أكثر، كان يوقظها خلالها لتنام بشكلٍ جيد.

وظلّ يرقبها بحبّ، مستمعًا إلى شخيرها الموسيقيّ.

سوريا

اتّصل بنا من نحن دار الآداب