وسائل التواصل الاجتماعي وصناعةُ الوعي الافتراضي: مَن يَستخدم مَن؟
30-06-2018

 

"إحدى عواقب استخدام وسائط مثل تويتر هي تحويلُ الأفكار إلى شيءٍ تافه؛ فالأشياء التي لا تستطيع كتابتَها في  140 حرفًا غير موجودة."

بهذه الكلمات، يَطرح عالمُ اللسانيّات الأميركيّ، نوام تشومسكي، فكرةً تفيد بأنّ وسائط التواصل الأكثرَ تطوّرًا وانتشارًا في تاريخ البشريّة تحمل تناقضاتٍ خطيرةً، لكونها عائقًا أمام الأفكار المركّبة والمتعدّدة الزوايا. على أنّ هذه المخاطر لا يمكن حصرُها في التكثيف والاختصار وحدهما، إذ إنّ مواقعَ التواصل الاجتماعيّ وتطبيقاتِه قد تقزِّم الأفكارَ أيضًا إلى ما يشبه الوصايا والتعاليمَ الدينيّة، وأن تستخدمَها بطريقةٍ عشوائيّة.

أما فيما يخصّ السياسةَ تحديدًا، فإنّ هذه المواقع يمكن أن تكون أداةَ بروباغندا فعَّالةً على غيرِ مستوى: من الحشد والتنظيم تبعًا لشعارٍ/هاشتاغٍ معيّن، إلى استغلال معرفة سلوك مستخدمي الشبكات الاجتماعيّة وأهدافهم بغية توجيه أصواتهم في المعارك الانتخابيّة. وأبرزُ مثالٍ على ذلك ما حدث في انتخاب ترامب وفضيحة كامبريدج أنالاتيكا.[1] فهذه الحادثة لم تكن تعدّيًا على خصوصيّة المستخدِمين فحسب، بل أتت كذلك دليلًا حاسمًا على فقدان مواقع التواصل الاجتماعيّ ميزتَها الأهمّ، ألا وهي: فردانيّةُ استخدامها وسيطًا إعلاميًّا متاحًا للجميع، وغيرَ محصور بكيانات نخبويّة، شأن القنوات التلفزيونيّة التي تربطها بجمهورها علاقةٌ فوقيّةٌ أحاديّةُ الجانب ومقيَّدةٌ بعوائق الرقابة والتوجيه السلطويّة.

السؤال الذي يَطرح نفسَه هنا: هل أصبحتْ مواقعُ التواصل الاجتماعيّ من أدوات هيمنة السلطة، أمْ أنّها في ذاتها سلطةٌ تفرض على مستخدميها هيمنةَ نمطٍ معرفيّ معيّن؟
يَعتبر المُنَّظّر الإعلاميّ والأكاديميّ الكنديّ، مارشال ماكلوهان، أنّ "الوسيط هو الرسالة." وعليه، يمكن القول إنّ مواقع التواصل الاجتماعيّ تُمارس سلطةً على حدود المعرفة والتواصل بين الناس. ويتأتّى لها ذلك من خلال التكثيف، والاختصار، وتحديد أولويّة المواضيع أو "التريند" الأكثر شيوعًا. الجدير ذكرُه أنّ هذا "الترند" قد يكون خارج أولويّات معظم المستخدِمين في بلدٍ ما في فترةٍ زمنيّةٍ محددة.

فعلى سبيل المثال نجد أنّ الموضوعات الأكثر شيوعًا على فايسبوك وتويتر منفصلةٌ بشكلٍ حادّ عن واقع مستخدميهما وأولويّاتهم الفرديّة والجماعيّة، وأنّ دافعَهم إلى المشاركة هو ــــ بالدرجة الأولى ــــ التواصلُ والتفاعلُ مع الآخرين بُغية الشعور بالانتماء إلى المجموعة. وهذا الشعور، في رأي ميشيل فوكو، هو "إحدى أهمّ أدوات سيطرة السلطة على الجموع."

 

 

تُمارس مواقع التواصل الاجتماعيّ سلطةً على حدود المعرفة والتواصل بين الناس

 

يقول الروائيّ الإيطاليّ أمبرتو إيكو إنّ "الحمقى" في الماضي كانوا "يثرثرون، عن جهلٍ، حول أيّ موضوعٍ في مقهًى، من دون أن تتجاوز ترّهاتُهم جدرانَ المقهى"؛ غير أنّ "سيطرةَ الحمقى على الانترنت اليوم،" في عصرِ تعملق شبكات التواصل الاجتماعيّ،  قد جعل من هذه الشبكات "وسيطًا لتداول الجهل لا المعرفة." لكنّ ما يغيب عن طرح إيكو هو أنّ الوسيط نفسَه يَفرض، في معظم الأحيان، أن تكون "ترّهاتُ الحمقى" هي الأكثرَ انتشارًا وتأثيرًا. فعلى سبيل المثال فإنّ تغريدات ترامب الأكثرَ فجاجةً وغباءً هي التي تلقى الانتشارَ والتفاعلَ الأوسع، لا لصدورها عن رئيس الولايات المتحدة، وإنّما (بحسب إحصائيّات موقع تريك انالتكس)[2] لكونها تُناسب التصوّرَ الشائعَ عنه كموضوع مثيرٍ للجدل وجاذبٍ للتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

إنّ التماهي بين الافتراضيّ والواقع، كما في حالة ترامب أعلاه، يجعل الفصلَ بينهما واهيًا. بل بات الكثيرُ من علماء الاجتماع المهتمّين برصد سلوك مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعيّ يعتبرون أنّ نشاطَ الأفراد على هذه المواقع لا ينفصل عن تحديد أولويّات حياتهم وأنشطتهم في الواقع، بدءًا من علاقاتهم الخاصّة وعلاقات العمل وصولًا إلى اختياراتهم السياسيّة.

هذه الحالة الفُصاميّة بين الواقع والافتراضيِّ، الناتجةُ من تعملق "الواقع الافتراضيّ،" تفتح البابَ أمام سيلٍ من علامات الاستفهام والتعجّب عن تصوّراتنا لذواتنا، وعن مدى اتّساقها مع "الافتراضيّ" على مواقع التواصل الاجتماعيّ. فهل نحن الذين نستخدم هذه المواقع، أمْ أنّها هي التي تستخدمنا سلعةً؟ فمثلًا: هل نذهب في رحلةٍ أو إلى عشاءٍ أو لمشاهدة فيلم كي نستمتعَ بما نقوم به، أمْ لنغذّي حساباتِنا على مواقع التواصل الاجتماعيّ بمحتوًى كتابيّ ومرئيّ لقاءَ شعورٍ موقّتٍ بالرضا، ومن أجل التحقّق لاحقًا من تفاعل الآخرين بعد النشر؟

المقاربة الأقرب إلى ما يحدث فعلًا هي أنّ ما نقوم به في يوميّاتنا أصبح مرتبطًا بواقعنا الافتراضيّ، لكنّ دافعَنا إلى ذلك ليس التواصلَ الاجتماعيّ، وإنّما الانتماءَ إلى ما هو أكثرُ شيوعًا، إلى ما هو "ترند،" وإنْ كان يتناول موضوعاتٍ مركّبةً مثل السياسة. وينجم عن ذلك تناقضٌ مع صفة الفردانيّة التي تمايزتْ بها مواقعُ التواصل الاجتماعيّ.

وقياسًا على مجتمعاتٍ مثلِ مجتمعاتنا العربيّة، حيث مأسسةُ الحريّات والديمقراطيّة ضربٌ من الخيال، تصبح مواقعُ التواصل الاجتماعيّ مساحةً افتراضيّةً لممارسة هذه القيم، لكنْ وفقًا لشروط هذا الوسيط الافتراضيّ: الذي يُسلِّع المستخدِمَ، ويزيد من اغترابه، ويسطِّح حصيلتَه المعرفيّة، ويجعل من "الحمقى" مشاهيرَ لأنّهم التزموا بقواعد النشر والانتشار التي فرضها.

أمّا عن مستقبل مواقع التواصل الاجتماعيّ، فتشير إحصاءاتُ كبريات الشركات المالكة لمنصّات التواصل الاجتماعيّ (كجوجل وفيسبوك ووي شات وبايدو) إلى أنّ هناك استثماراتٍ أوّليّةً تقدّر بمئات مليارات الدولارات في مجالَي تكنولوجيا الواقع الافتراضيّ والذكاء الاصطناعيّ. وهو ما يعني (بحسب المحاضر السويديّ في جامعة اكسفورد، نيك بوستروم)، "بدايةً لمأسسة وعي افتراضيّ تنعدم فيه الحدودُ بين الواقع وما يُفترض أنّه واقع."

 وباعتماد تشبيهٍ سينمائيّ، فإنّ المستقبل يتّجه نحو مصفوفةٍ أشبه بثلاثيّة "الماتريكس،" حيث البشر مجرّدُ وحداتِ تغذيةٍ تُنتج كهرباءً للآلات. أمّا سلوكنا ووعيُنا الفرديّ والجمعيّ على مواقع التواصل الاجتماعيّ فمجرّدُ تطويرٍ لخوارزميّات مستقبل وسيط يهيمن عليه الذكاءُ الاصطناعيِّ والواقعُ الافتراضيّ.
 

القاهرة
 

[1] مؤسّسة استشاريّة سياسيّة، مقرُّها لندن. أدارت حملةَ ترامب الانتخابيّة في العام 2016. اتُّهمتْ باستخدام معلومات شخصيّة لأكثر من 50 مليون حساب مستخدم على فايسبوك بهدف حشد أصوات انتخابيّة. (الآداب)

[2] https://politi.co/2qfMXhY

 

 

اسلام أبو العزّ

درس التاريخ في جامعة عين شمس. كاتب صحافيّ، له العديد من المقالات في صحف محليّة وعربيّة كـ السفير والأخبار.