حكايات علبة الكبريت
13-03-2018

 

كان الفصلُ ربيعًا، وكانت ساعتي تشير إلى الثالثة بعد الظهر. مراكب الصيّادين تتهادى فوق الأمواج الخفيفة. أشعّة الشّمس تخترق الغيوم. والنوارس على حالها: معلّقة في الهواء. ترجّلتُ من سيّارتي ورحتُ أمشي على طول الشاطئ مستسلمًا للذكريات: هنا التقيتُ بكِ آخرَ مرّة. هنا كتبتُ اسمَكِ. هنا ضحكتِ. هنا رسمتُ لكِ قلبًا يخترقه سهمٌ. هنا قلتِ لي أحبّكَ. "هنا حفرنا، هنا طمرنا." وهنا تواعدنا على أن نبقى معًا إلى آخر العمر.

وها قد مرّ عامٌ على رحيلكِ كأنّه العمر؛ كلّ العمر.

 شعرتُ بالتعب، فاستلقيتُ على الرّمال. وأظنُّني غفوتُ لبعض الوقت. حين استفقتُ لمحتُ شابًّا وصبيّةً يقتربان منّي. تجاهلتُهما محاولًا العودةَ إلى غفوتي، لأفاجأ بالصبيّة تسألني بمودّة: "هل أنت بخير؟" كنتُ مستمتعًا بما أنا فيه، وآخرُ ما أريده هو حديثٌ عابرٌ مع أناسٍ غرباء. لذا أجبتُها وأنا مغمض العينين: "شكرًا، أنا بخير." فابتعدا وهما يتهامسان. بعد دقائق عاد الشابّ ليسألني إنْ كنتُ أحملُ ولّاعةً. جلستُ متثاقلًا ونظرتُ حولي لأفاجأ بهما يجلسان على بعد أمتارٍ قليلةٍ منّي على الرغم من اتّساع الشاطئ وخلوّه من النّاس. بئس العشّاق، قلتُ في سرّي، وأنا أمدّ يدي إلى الشابّ بعلبة كبريت.

ـــ علبة كبريت! لم أرَ مثيلًا لها إلّا في الأفلام، قال بدهشة.

ثمّ سألني مازحًا وهو يهزّها ليستمع إلى خشخشة العيدان: ما الذي تقوله؟ 

ـــ كلّ عودٍ يُخفي حكايةً، متى أحرقتَه أَخبرَكَ بحكايته، قلتُ بمنتهى الجديّة.

ثمّ أضفتُ: ونحن مثلها في هذه الحياة.

بدا مصدومًا من جوابي. كذلك عَجبتُ من نفسي؛ كيف أقدّمُ المواعظَ إلى شابٍّ التقيتُه قبل لحظات! وأظنّه أراد الهروب من الإحراج، فنطق بأوّل شيءٍ خطر في باله:             

ـــ هل لها اسمٌ آخر غير علبة كبريت؟

ـــ علبة ثقاب، قلت. وسألته بدوري:

ـــ كمْ عمركَ؟

ـــ عشرون عامًا، أجاب وهو يتفحّص العلبة.

عدتُ بذاكرتي إلى عمر العشرين، وتأكّدتُ أنّ ما كان يُدهشني في ذلك العمر هو الأدوات والاختراعات الحديثة، لا القديمة. وها هو شابٌّ يحملُ أحدثَ أجهزة الموبايل يُدهشهُ عودُ ثقاب!

في هذه الأثناء أشعلَ سيجارتَه وحاول أن يعيد إليّ العلبة، إلّا أنّني طلبتُ منه الاحتفاظ بها، فأخذها وشكرني بامتنان.

***

ما كدتُ أستلقي وأسرحُ مع أفكاري من جديد حتّى وجدتُهما قربي، والصبيّة تقدّمُ إليّ فنجانَ قهوة. أخذته، ودعوتُهما إلى الجلوس، فجلسا.

ـــ اسمي أفروديت، أدْرسُ في كلّيّة الفنون الجميلة. وهذا صديقي تَيم، يدرسُ الصحافة في دمشق.  

ـــ مرحبًا بكما، قلت وأنا أُخرج علبةَ سجائري من جيبي، ليسارع تَيم فيشعل عودَ ثقاب، ثمّ يُقحمه في مقدّمة سيجارتي، بحركةٍ طفوليّةٍ تبعث على الضحك.

ــــ هل لك اسم؟ قالت أفروديت.

ابتسمتُ ولم أجبْ. لم أكنْ راغبًا في الكلام، لذا انشغلتُ بالتحديق في الأفق. مضت دقيقةٌ من الصمت، قطعها عدّة مرّاتٍ صوتُ نورس، بحثتُ عنه ولم أجدهُ في أيّ مكان. ومن جديدٍ عادت لتسأل:

ـــ هل يزعجك وجودُنا؟

ـــ لا أبدًا، قلتُ، وأنا آخذ رشفةً من فنجان القهوة.

وأضفتُ: أتساءل عن حاجتكما إلى الجلوس مع شخصٍ غريب؟

ـــ بصراحة، كنّا نراقبُك من بعيد، قال تَيم.

- كان المشهدُ رومانسيًّا، أضافتْ أفروديت.

ثم بعد لحظةٍ من التردّد تابعتْ: نلتقي أنا و تَيم كلّ شهر حين يأتي من دمشق. نقضي معًا يوميْن أو ثلاثة، نفعلُ فيها ما يفعلُ العشّاق.

قالت الجملةَ الأخيرة وهي تضحك، ليخطفَ تَيم الحديثَ ويتابع:

- لكنْ هذا ليس كلّ شيء. فنحن نستغلُّ الوقتَ أيضًا لإنجاز بعض فروضنا الجامعيّة. هي ترسم كلّ ما يلفت انتباهَهَا، وأنا أسجّل قصصَ الناس لأستخدمها في تقارير صحفيّةٍ مُفترضة.

بينما هو يتكلّم أخرجتْ أفروديت من حقيبتها الجلديّة الضخمة  دفترَ رسمٍ كبيرًا وقدّمته إليّ. لم تكن مبتدئةً كما ظننتُ، وإنّما فنّانةً ذاتَ أسلوبٍ خاصّ. أخذتُ أقلّب صفحات الدفتر مأخوذًا برسومها التي استَخدمتْ فيها أقلامَ الرصاص: دجاجةٌ مع صيصانها، خروفٌ بقرنيْن كبيريْن، قطّة، أزهار ونباتات برّيّة، بيتٌ ريفيّ. بالإضافة إلى مجموعةٍ كبيرةٍ من وجوه الناس. كنتُ ممّن يهتمّون بالفنّ التشكيليّ، وحضرتُ معارضَ فنيّةً لمئات الرسّامين، لكنّها كانت المرّة الأولى التي أرى فيها شيئًا يُدهشني بهذه الطريقة: فبالإضافة إلى الدقّة المذهلة في نقل الأشكال والتفاصيل الصغيرة، لمستُ عندها إحساسًا وشغفًا نادريْن ظهرا بشكل خاصٍّ في رسمها لوجوه الناس. حين عبّرتُ لها عن ذلك قالت:

ـــ أحاولُ سبرَ أغوار الشخصيّة التي أرسمُها عن طريق الحوار والتأمّل ومراقبة الحركاتِ وردودِ الأفعال.

ثمّ أضافت بعد وقفة قصيرة: لا أستطيع شرحَ الأمر بالكلمات، ولكنْ من الجميل أنّكَ لاحظتَ ذلك. ومن جديد تدخّل تَيم:

ـــ إنّها تعشق الفلسفةَ وعلمَ النفس، وتبحث في خفايا الأمور.

ثمّ أضاف غامزًا: يمكننا القول إنّها فيلسوفة وفنّانة في الوقت ذاته.    

ـــ لا تبالغْ، قالت وهي تعبثُ بشعره الطويل.

طلبتُ منها أن تشرح لي كيف تستفيد من الفلسفة كفنّانةٍ تشكيليّة. فأجابتني بتواضع:

ـــ مشروعي الفنيّ لم ينضج بعد. وهذه الرسوم ما هي سوى تجاربَ ودراساتٍ لا أعرف، حتّى الآن، إنْ كانت ستوصلني إلى أيّ مكان. ما أريدهُ أبعدُ وأهمُّ من مقاربة الواقع بتفاصيله الكثيرة. لكنْ لا بدّ من إتقان كلّ ذلك كي أصل إلى ما أصبو إليه.

توقّفتْ كي تتأكّد أنّني أصغي إليها. وعندما رأت نظراتِ الإعجاب في عينيّ، أنهت كلامَها بخجل:

ـــ تستطيع القول إنّني تائهةٌ حاليًّا.

ـــ ولكنْ ما قصّة الفلسفة؟ سألتُها بإصرار.

ـــ لا أظنّني قادرةً على شرح ما يجول في رأسي. لكنّني أؤمنُ بأنَّ ثقافة الفنّان تلعب دورًا كبيرًا في إنضاج تجربته. وكما تعلم فإنّ الفلسفة أمّ العلوم. وإنْ كنتَ مصرًّا على معرفة المزيد فأنا أحتفظ في حقيبتي بدفترٍ صغيرٍ أسجّل فيه مقتطفاتٍ من أقوال بعض الفلاسفة، وسأقرأ عليك عدّة سطورٍ لنيتشه الذي أُحبّ.

- بكلّ سرور، قلتُ، وأنا أهيّئ نفسي للاستماع.

كان دفترًا بحجم الكفّ. فتحتْه وبدأتِ القراءة: "... من يُبدع في الفنّ ليس الفنّان، بل الحياة نفسها. وكلّما نأى الفنّان عن ذاتيّته وذاب في فوران الحياة، صار أقربَ إلى المفهوم الحقيقيّ للفنّ." ثمّ انتقلتْ إلى مقطعٍ آخر: "... وحده الفنّ هو الخلاص، لكنّه خلاصٌ أرضيٌّ بإثباته لقوّة الحياة ولتعدّد مظاهرها وتلوّنها، ولقدرتها على تجاوز الوهن والفتور." أنهت قراءة المقطع قائلةً: "لن أوجعَ رأسكَ أكثر. سأقرأ واحدًا آخر، والسّلام." لكنّها لم تتوقّف، وقرأتْ عدّة مقاطع بالحماس نفسه. وحين انتهت، أغلقتْ دفترَها قائلةً: "إنّه نيتشه العظيم." ثمّ أضافت: "للحقيقة، لا أعرفُ إلى أين ستودي بي هذه الأفكار. إنّني تائهة كما قلتُ لك."

***

عدتُ إلى الرسوم وأخذتُ أتفحّص وجهًا لامرأةٍ ريفيّةٍ تملأ عينيها الدموع. تخيّلتُها تبكي قبل لحظات لكنّها تماسكتْ وحَبَستْ دموعها أمام الكاميرا. نقلتُ انطباعي إلى أفروديت فقالت:

ـــ كانت المرأة تبتسم بسخريةٍ وهي تحدّثني عن سوء الأوضاع ومصاعب العيش. هل تعرف تلك الابتسامة؟

أومأتُ برأسي إيجابًا. لتتابع:

ـــ حدّثتْني عن شحّ المياه، وقلّة الأمطار، وموت بقرتهم، ومشاكلِ ابنتها العانس، وعن راتب زوجها الذي لا يكفي لمنتصف الشهر. لم تذرف دمعةً واحدةً طوال الحديث، لكنّ قلبها كان يبكي بصمت.

مضى الوقتُ سريعًا وداهمنا الظلام كأنّه سُكبَ علينا سكبًا. فأعربتْ أفروديت عن رغبتها في مغادرة الشاطئ الذي بدا موحشًا بعد غياب الشّمس، لكنّها أصرّت على اللقاء في اليوم التالي في الزمان والمكان ذاتهما. أمّا تَيم فمازحني قائلًا: لم ننتهِ منكَ بعد.

***

أحببتُ هذين العاشقين وسررتُ بقضاء الوقت معهما. لذا لم أتأخّر عن الموعد. كذلك كانا هما في انتظاري كما اتفقنا. بعد السلام وحديث المجاملات، سألتني أفروديت وهي تناولني فنجان قهوة كما في الأمس:

ـــ هل تسمح لي بأن أرسمك؟  

ـــ يسرّني ذلك، قلتُ.

ثمّ سألتُها: ما المطلوب منّي؟

قالت وهي تُخرج من حقيبتها دفترَ الرّسم وأقلامَ الرصاص: "كلّ ما عليك هو الجلوس أمامي بالطريقة التي تريحك، وأن تتحدّث بحريّة، وتنسى أنّني موجودة." ثمّ أضافت وهي ترتّب أقلامها فوق قطعة قماش بيضاء وضعتْها على الأرض: "سيقوم تَيم بتسجيل حديثك ليستفيد منه في مشروعه. فأرجو ألّا تمانع."

ـــ من أين أبدأ؟ سألتُهما.

ـــ من السبب الذي أتى بكَ إلى هنا البارحة، أجابني تَيم.

أخذتُ نفسًا عميقًا وأنا أفكّر: إنّهما يريدان قصّة، وأنا لا قصّة لديّ سوى موتِكِ المؤلم، ولا أريدُ لهذا الألم أنْ يخرج من صدري. إنّه الشيء الوحيد الذي بقي لي منكِ. فماذا أقول لهذين العاشقين؟   

ـــ تفضّل أستاذ، قال تَيم يحثّني على الكلام.  

ـــ لا أعلم من أين أبدأ، قلتُ.

ـــ لستَ مضطرًّا إلى نسج حكايةٍ مترابطةٍ أو قصّةٍ ذات مغزى. قلْ أيّ شيءٍ يخطرُ في بالكَ، قال وهو يضغط زرَّ التسجيل على شاشة جوّاله الحديث.

نظرتُ إلى أفروديت، فوجدتُها غارقةً في العمل، ويدها لا تكفّ عن الحركة. ثيابُها ذكّرتْني بكِ: كانت تلبس فستانًا طويلًا مزيّنًا بالأزهار، يبهتُ لونُه بالتدريج عند الخصر، إلى أن يصبح أبيضَ عند الصدر والكتفين، حيث تتدلّى من عنقها عدّةُ أطواقٍ ناعمةٍ مليئةٍ بخرزٍ فيروزيّ اللون، يتناسب مع ما يحيط بمعصميها وأصابعها من أساورَ وخواتم. بدت، بشعرها الأسود وقرطيها المتدلييْن، كغجريّةٍ هاربةٍ من أحد الأفلام. وأمام عينيها العسليّتين شعرتُ أنّني عارٍ تمامًا. لذا هربتُ بنظري إلى البحر، وأخذتُ أُحصي مراكبَ الصيّادين.

ـــ تفضّل أستاذ، من جديدٍ قال تَيم.

ثمّ سألني: هل هناك امرأةٌ في حياتكَ؟

توقّفتْ أفروديت عن الرسم. وبقيتْ يدُها الممسكةُ بالقلم معلّقةً في الهواء، كأنّ أحدًا ضغط مفتاحًا ما، فقطع عنها الكهرباء! ابتسمتُ للفكرة وأنا أقول بتمهّل:

ـــ هل هناك امرأةٌ في حياتي؟

ـــ ما اسمُها؟ حدّثْنا عنها، قال تَيم حاسمًا المسألة.    

نظرتُ إلى أفروديت، فوجدتُها لا تزال على جمودها. فكّرتُ: إنّها بحاجة إلى اسمٍ، أو كلامٍ صريحٍ منّي يؤكّد وجودَ امرأةٍ في حياتي. ولم أكن مستعدًّا للبوح باسمكِ لغريبَيْن. لذا قرّرتُ إعطاءهما اسمُا كنتِ تحبّينه، وترغبين فيه لابنتنا.

ـــ بيرلا، اسمُها بيرلا، قلتُ بصوتٍ مرتعش.

وتابعتُ: إنّه اسم إسبانيّ، ويعني اللؤلؤ.

عادت الحياةُ إلى أفروديت. ويبدو أنّها قرّرت البدءَ من جديد، فقلبت الصفحةَ التي كانت تعمل عليها وأخذتْ تُحرّك يدَها بخفّةٍ ورشاقةٍ فوقَ الصفحة الجديدة من دون أن تنظر إليّ. وبدأتُ أنسجم مع فكرة كوني "موديلًا" أمام فنّانةٍ بهذه المهارة. وها هو تيم يعود ليسألني بلهجةِ محقّقٍ في الشرطة:

ـــ ماذا كنت تفعل هنا البارحة؟  

ـــ أطارد الذكريات، قلت.

ثمّ تابعتُ تحت ضغط نظراته:

ـــ رأيتُها تمشي حافيةَ القدمين على هذا الشاطئ قبل ثلاثة أعوام. ولم يكن عمري يسمح لي بأيّ سلوكٍ صبيانيّ. كانت صغيرة بالنسبة إليّ، لكنّ قلبي شدّني من أذني قائلًا: تحرّكْ أيّها الغبي. فلبّيتُ النداء وتحرّكتٌ.

ـــ الطقسُ جميلٌ اليوم، قلتُ.

ـــ جميلٌ جدًّا، أجابت، ولم تنظرْ إليّ.

ـــ كنتُ جالسًا أقرأ على شرفة الشاليه، ورأيتُكِ هنا وحيدةً.

ـــ ومن تكون حضرتك؟ سألتني باستخفاف.

ـــ أنا الضفدع كامل، قلتُ محاولًا رسمَ ابتسامةٍ على شفتيها.

لكنّها تجاهلت المزحة وسألتني بسخريةٍ مبالغٍ فيها:

ـــ  ماذا كنتَ تقرأ وأنتَ جالسٌ على شرفة الشاليه حين رأيتَني هنا وحيدةً؟

رحتُ أفكّر: ما الذي يثير انتباه فتاةٍ مثلها؟ كنتُ في الحقيقة أقرأ كتابًا قديمًا عنوانُه قصّة الأدب في الأندلس، واعتقدتُ أنّه لن يثير اهتمامَها. لذا قلت بثقة:

ـــ أقرأ كتابًا عن الحبِّ، وقصص العشق والغرام.

توقّفتْ عن السير فجأةً وتمتمتْ كأنّها تكلّم نفسها:

ـــ هذا لا ينفع... لا ينفع.

كانت ذكيّة ولا يفوتها مثلُ هذه الألاعيب. وصارت مهمّتي أصعب: كيف سأقنعها بأنّني لستُ ممّن ينصبون الفخاخَ للنساء بهذه الطرق الغبيّة. شتمتُ قلبي الأخرق، وقرّرتُ العودة إلى شخصيّتي الحقيقيّة، فسألتُها:

ـــ وما الذي ينفع؟

ـــ أن تدعوني إلى زجاجة بيرة وتقرأ لي من الكتابِ الذي تركتَه خلفكَ على الشرفة، قالت ببساطةٍ شديدة جعلتني أبدو أحمقَ بامتياز.

خلال دقائق كنّا نجلس على تلك الرمال: نشرب البيرة ونتحدّث، وأقرأ لها بعضَ الأشعار من الكتاب. ولا أزال أذكر البيتيْن اللذيْن جعلاها تضحك من قلبها. كانا للشاعرة الأندلسيّة الشهيرة ولّادة بنتِ المستكفي بالله، حين قالت وهي تشاكس عشيقَها ابنَ زيدون، الذي كان لديه غلامٌ يُدعى عليًّا:

ما لابن زيدون، على فضله،     يغتابنُي ظلمًا ولا ذنبَ لي

يَنظرني شزرًا إذا جئتُه     كأنّما جئتُ لأخصي عليّ!

***

هكذا بدأتُ بسردِ قصّتنا يا حبيبتي. وأرجو أن تسامحيني لإضافة بعض الكذبات الصغيرة هنا وهناك. فكما ذكرتُ لكِ: إنّهما عاشقان صغيران، ويحبّان القصصَ المشوِّقة. حدثتُهما عن لقاءاتنا الغراميّة. عن قبلتنا الأولى. عن الطرائف التي كانت تُضحكنا، والقصص التي كانت تبكينا. عن جمالك الذي جعل أفروديت تتوقّف عن الرسم وتصغي إلى ما أقول بانتباه:

"لم تكن طويلةً، لكنّ قوامَها يوحي بالطول. جسدٌ منحوتٌ بدقّة من دون زياداتٍ أو أخطاءٍ في التكوين. صدرٌ ناهدٌ دون مبالغة. خصرٌ طريٌّ. شعرٌ كستنائيٌّ منسدلٌ إلى منتصف الظهر، يحيط بوجهٍ حنطيّ عريض الجبهة، تَشْغله عينان لوزيتان بلونٍ بنّيّ صريح، وأنفٌ مثاليّ يتربّع فوق شفتيْن عنّابيّتيْن تزّينهما شامةٌ صغيرةٌ على الخدّ."

حدّثتُهما عن روحكِ المرحة، وحبّكِ للطبيعة، وشغفكِ بالموسيقى، وموهبتكِ في إضفاء الحياة على كلّ شيء. حدّثتُهما عن عباراتكِ المضحكة، وعن غضبكِ حين قرّرتُ الانفصالَ عنكِ لأنّني أكبر منكِ سنًّا. ذكرتُ لهما الحديثَ الطويل الذي دار بيننا، وكيف بكيتُ حينها كما يبكي الطفل. قلتُ لهما إنّني أحبكِ حتّى بعد موتكِ. أخبرتُهما كيف خبّأتِ عنّي إصابتَكِ بمرض السرطان. ولم أستطع منع نفسي من إلقاء النكتة التي أَخبرتِني بها على الرغم من حالتك الصعبة:

ـــ الدكتور للمريض: شو صاير معك؟

ـــ المريض: معي مِن هداك المرض.

ـــ الدكتور: معناها خود من هداك الدوا.

فأضحكتُهما كما أضحكتِني حين كانت الدموعُ تغطّي خدّيّ.

ثمّ حدّثتُهما عن بقائي معكِ في المشفى إلى أن أغلقتِ عينيكِ لآخر مرّة، وأغلقتِ معهما نوافذَ روحي وقلبي الشقيّ.

قد تبدو قصّتُنا مبتذلة. ولن ألومَهما إنْ فكّرا كذلك؛ فهكذا تبدو بعضُ الأمور من بعيد.

***

حين توقّفتُ لأستريح، عادت أفروديت إلى الرسم كأنّها في سباقٍ مع الزمن، وبدا تَيم شاردًا على غير عادته. كانت الشمس تجنحُ نحو المغيب، وأفروديت ماضية في عملها. فتابعتُ حديثي، لكنّني لم أقل لهما إنّني لم أزر قبركِ، ولم أضع فوقه الزهرَ الذي تحبّين. لم أخبرهما أنّني عشتُ علاقة حبٍّ مع صديقتكِ بعد وفاتكِ بثلاثة أشهرٍ فقط لاغير، وأنّني كرهتُ نفسي وانسحبتُ من تلك العلاقة بطريقةٍ لا تليق بي. لم أخبرْهما بأنّي اكتشفتُ لاحقًا أنّكِ كنتِ تعرفينني قبل أن نلتقي بوقتٍ طويل، وأنّكِ كنتِ معجبةً بي، وأنّكِ تعمّدتِ المشيَ أمامي على شاطئ البحر في ذلك اليوم كي تلفتي انتباهي، وأنّكِ أنتِ من نصب لي الفخّ. لم أخبرهما عن حملكِ بابنتنا التي فرَّطنا بها حين لم نكن جاهزيْن لقدومِها إلى هذه الحياة بعد. لم أخبرهما كم كنتُ سافلًا حين شعرتُ بالغيرة وصرختُ في وجهك كالمجنون، ثمّ حطّمتُ تمثالَ بوذا العاجيّ الذي أهداكِ إيّاه صديقُكِ الذي كان في الهند. لم أحدّثهما عن خلخالكِ الفضّيّ وطوقكِ الذهبيّ اللذيْن بعتهِما كي تسدّدي بعضَ ديوني. أخفيتُ عنهما عملك في رسم الوشم، وأخفيتُ الوشمَ الذي نقشتِه لي عند كاحلي الأيسر بهذا الشكل "<3" وأنّكِ قلتِ حين انتهيتِ منه: "سيلسعكَ كلّما نسيتَني." لم أكن من متابعي Facebook، لذا لم أفهم معناه ولم أبحث عنه إلّا بعد رحيلكِ. ولم يلسعني مرّةً إلى اليوم!

***

عندما توقّفتُ عن الكلام معلنًا انتهاءَ الحكاية، قام تَيم بإيقاف التسجيل. وبعد لحظاتٍ توقّفت أفروديت هي الأخرى عن الرسم ونظرتْ مباشرةً إلي عينيّ. شعرتُ أنّها قرأتْ أفكاري، ورسمتْ كلَّ ما لم أقله. لكنّ ابتسامتها طمأنتني وهي تسألني بمودّة:

ـــ ألا تريد رؤيةَ ما رسمتُه؟

ـــ أريد، ولا أريد، قلتُ ضاحكًا كي أخفي قلقي.

ـــ ولماذا التردّد؟ سألني تَيم.

ـــ بسبب الفلسفة وعلم النفس، قلتُ موجّهًا كلامي إليها.

فضحكتْ ومدّت يدها إليّ بالدفتر.

لا أعرفُ كيف أصفُ مشاعري حين رأيتُ الرسم. ربما الدموعُ التي طفرتْ من عينيّ تغني عن الشرح. فلقد رسمتْ وجهيْن متطابقيْن، مع انزياح واحدهما عن الآخر بشكلٍ بسيط. أحدُهما شفّاف، لحبيبتي ــ ــ والشبهُ لا يُصدّق. أمّا الآخر فكان وجهي الغارق في الحزن. عندما رفعتُ نظري لأشكرها وجدتُها تقترب منّي وتضمّني إلى صدرها، بينما صديقها منشغلٌ بالتقاط صورةٍ لنا. وأخيرًا وضعتْ توقيعَها أسفل اللوحة وقدّمتها إليّ قائلةً:

ـــ عادةً أحتفظ برسوماتي، لكنّني سأكسر القاعدة اليوم.

شكرتُها وشكرتُ تَيم، الذي ضمّني هو الآخر وأثنى على صبري وتعاوني. فقلتُ وبدا صوتي متعبًا:

ـــ أظنّني أخفيتُ أكثرَ ممّا أفصحت.

فأخرجَ علبة الكبريت من جيبهِ وهزّها قرب أذنه قائلًا بمرح:

ـــ ما لم تقله أنت، ستخبرنا هذه به.

مرّة أخرى داهمنا الظلامُ فجأةً، فغادرنا المكان. ثمّ تصافحنا وافترقنا، تاركين خلفنا صدى أصواتنا، وخشخشةَ عيدان الكبريت، واليومَ، والأمسَ.

اللاذقيّة     

عصام حسن

رسّام كاريكاتير، وكاتب من اللاذقيّة، سوريا. أقام العديد من المعرض في سوريا وشارك في معارض خارجها، له مؤلّفات عديدة، منها: ما قلّ ودلّ وهيك وهيك  (رسوم كاريكاتيريّة)، غيمة الشعر الوردية، وأكره اللون الأحمر (نصوص ورسومات للأطفال)،الحرب ومربّى الفريز،  وحدثينا يا شهرزاد، وعن الحب وفأر الطحين (نصوص وحكايات مختلفة).