الملامح النفسية لمجتمع داعش الإلكتروني
04-07-2019

 

يشكّل المجالُ الافتراضيّ لدى التنظيمات الأصولية، اليومَ، المساحةَ الأولى في تزخيم طاقاتها قبل انخراطها في العمل "الجهاديّ." ولقد أفضت تجربةُ  "تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" (داعش) إلى جملةٍ من الأسئلة عن طبيعة النظام النفسيّ الذي يبتنيه هذا التنظيمُ لمنتسبيه، فضلًا عن طبيعة الخطاب الذي يمكّن مسؤوليه من حشد الطاقات في غير بلدٍ وبيئةٍ اجتماعيّة. فما هي الملامح النفسيّة لمجتمع داعش في الفضاء الافتراضيّ؟

في سبيل مقاربتنا لهذا السؤال، تتفرّع جملةٌ أخرى من الاستفسارات عن الفضاءات التي يختارها هذا التنظيمُ للتعريف بهويّته إعلاميًّا (فايسبوك، ، تويتر، مواقع خاصة...)، وهل لذلك أيُّ دلالة نفسيّة، وما هي أبرزُ التحوّلات التي عرفها خطابُه في تعريفه بهويّته، وما هي أبرز سمات خطابه في كلّ من هذه المراحل، وأخيرًا ما هي الشرائح المستهدَفة بخطابه الإعلاميّ هذا.

ألفت الانتباهَ إلى أنّي سأعتمد ما بين أواخر العام 2003 والعام 2019 فترةً محدّدةً للدراسة، نظرًا إلى صعود التنظيم، ومعه الفضاء الافتراضيّ - الإلكترونيّ، في ذلك الوقت. وهذا يساعدنا على تحليل منطق الموادّ الإعلاميّة آنذاك، وتبيان دورها في سياق استراتيجيّة التنظيم العامّة، والمسافة الواصلة والفاصلة بين خطابه العامّ (الدعويّ أو المسجّل صوتيًّا) وخطابه الافتراضيّ.

 

توطئة

طرح وجودُ الفضاء الافتراضيّ جملةً من الأسئلة على الباحثين، منها مقاربةُ العلاقة بين تعريف الأشخاص لذواتهم في الفضاء الإلكترونيّ وتعريفهم لذواتهم في العالم الواقعيّ. ثمّة مَن يرى في الفضاء الافتراضيّ المساحةَ الأكثرَ اتساعًا لخصوصيّة الأفراد، ما يجعلهم  أقدرَ على التعبير عن أنفسهم فيه. ففي دراسةٍ أجريت سنة 2015،[1] تبيّن أنّ الفضاء الإلكترونيّ شجّع الانطوائيين على تجاوز أزماتهم بالمبادرة إلى فتح العلاقات بشكل تدريجيّ.

سؤال آخر شغل الدراسات النفسيّة الخاصة بالمجتمعات الافتراضيّة: هل ثمّة سماتٌ تميّز الجماعات الافتراضيّة، من الأفراد؟ في دراسةٍ تناولت البيئةَ النفسيّة للجماعات الصغرى ذات الأهداف المشتركة في مواقع التواصل الاجتماعيّ، توصلتْ نورا بنداري عبد الحميد إلى أنّ العالم الافتراضيّ أظهر لدى تلك الجماعات شعورًا بالتهميش والغياب،[2] ولذلك تنْشط بشكل أكبر في الفضاء الإلكترونيّ كجماعات، لا كأفراد فحسب، وغالبًا ما تعبّر عن حضورها بواسطة ناشطين اجتماعيين يعملون على تفعيل حضورهم في هذه الساحات المجازيّة.

لقد رفعت الحداثة، ووسائطُ تواصلها، من نِسب التوتّر الذي تعانيه المجتمعاتُ المعولمة. ولئن ظلّت الدولةُ المركزيّة في الغرب قادرةً على ضبط انفلات الهويّات الجهويّة، فإنّ المجتمعات الهامشيّة ("العالم الثالث") غالبًا ما كانت أكثر انفلاتًا من رقابة السلطات المحلّيّة، وأكثرَ استهلاكًا للسلطة الرقميّة الجديدة، ومن ثمّ أكثرَ تأثّرًا بعوارضها. وهذا ما شرّع الآفاقَ لنماذج من التعبير الجهويّ "اللادولتيّ" عند مثل هذه الجماعات.

مسألة أخرى يمكن إدراجُها في تحليلنا الخطابَ الافتراضيّ مابعد الحداثيّ. إنّ رؤية الناس لأنفسهم في عالمِ ما بعد الحداثة ترجع، بشكل كبير، إلى السرديات التي تطاولهم. فاليوم، نعيش في عالمٍ يحاول أسلمةَ العنف،[3] كما دُمغ اليسارُ من قبلُ بالعنف الدمويّ، والقوميّةُ الناصريّةُ بالاستبداد، مثلًا. بإمكاننا رؤيةُ ذلك جليًّا في تغييب صور "العنف الفرنسيّ" في مالي وتشاد عن المشهد، و"الصينيّ" في بورما، و"الروسي" في جورجيا وأوكرانيا، و"الإسرائيليّ" في غزّة، و"الأمريكيّ" في العراق وفي العالم بأسره؛ كلُّ ذلك في مقابل التركيز على العنف الإسلاميّ. وهو ما يساعد في تجذير أزمة الهويّة (الإسلاميّة في حالتنا)، ويزيد من انفعالها، ويفاقم من عنف تصوّر الذات المعنَّفة لذاتها. وهذا يسهم أيضًا في استقطاب الطاقة الجهاديّة وتحويلها إلى قضيّةٍ عالميّة.

 

نعيش في عالمٍ يحاول أسلمةَ العنف

 

تاريخ داعش الإلكترونيّ

يتّبع تنظيم داعش من خلال إعلامه الافتراضيّ بنيةً هرميّةً تتشكّل من حلقات، تمثّل نواتُها رأسَ هرم بنيته الإعلاميّة. وهي، أي نواته الافتراضيّة، غالبًا ما تحْضر من خلال التويتر، على أن تتولّى الحلقتان الثانية والثالثة نشرَ رسائل المجموعة النواة عبر وسائل التواصل الأخرى (فايسبوك، واتس آب،...). وربّما يعود ذلك بشكل رئيس إلى ضرورات أمنيّة، إذ يُعتبر اختراقُ تويتر أكثرَ سهولةً من الناحية التقنيّة مقارنةً بغيره من المواقع. ما يعنينا من دراسة خطاب داعش، في أيّ حال، هو فاعليّته التداوليّة. ويمكننا تحقيبُ الفترات التي مرّ بها خطابُه إلى أربع:

أ- المرحلة الأولى (2003 - 2006): إظهارُ الذات المظلومة. شهدتْ داعش في تلك المرحلة اللمساتِ الأولى لتشكيل تنظيمها باسم "جماعة التوحيد والجهاد." اعتمدت الجماعة آنذاك على المرئيّات الخاصّة بالحرب ضدّ الأمريكيين والجيش العراقيّ. من خلال مراجعة الفيديوهات الخاصة بالتنظيم،[4] يَظهر التركيزُ على تعريف الناس بالمقاومة العراقيّة للأمريكيين، والهدفُ من الإعلاميّات المرئيّة حينذاك تأكيدُ القدرة والاستطاعة؛ ولعلّ الجدلَ النظريّ الخاصّ بأدبيّات الجهاد والتمكين كان وراء مثل هذا الخطاب.[5] يركّز الخطاب أولويّته على طلب النصرة، ويضع "الشهادة" هدفًا يعزّز مِنعة  الجماعة وهويّتَها.

لا يبدو الخطابُ التاريخيّ كثيفَ الحضور في المرحلة الأولى، إذ قلّما تحدّث عن الخلافة أو رمزيّات الماضي الإسلاميّ "المجيد،" بل ركّز على أولويّة مواجهة الأمريكيّ لتزخيم الطاقة الجهاديّة وتحويلِ العراق إلى ساحة استقطاب. ولذا استهدف التنظيم في هذه المرحلة شبابَ العراق "السنّة،" وركّز خطابَه على الداخل العراقيّ،[6] من دون الاستناد إلى نصوصٍ شرعيّة، وإنّما اكتفى بالشعارات الطائفيّة. كانت الاحتياجات العملانيّة هي التي دفعتْه إلى خلق قضيّة عراقيّة، مستقلّة عن التنظيم الأمّ في أفغانستان. منذ تلك المرحلة وما تلاها، حتّى مرحلة قيام الدولة الإسلاميّة في العراق، سنجد تركيزًا إعلاميًّا على المسألة العراقيّة دون الأفغانيّة، على الرغم من وجود الاحتلال الأمريكيّ في البلدين، ووجودِ قيادة "تنظيم القاعدة" في أفغانستان. إلّا أنّ التيار العراقيّ - الأردني في التنظيم حاول جعل المسألة العراقيّة محطّ أنظار الشباب في العالم العربيّ. وتلك المرحلة تشبه مرحلة قتل الأب بالمعنى النفسيّ؛ فلقد حاول التنظيم حينها بناءَ سلطة أبويّة جديدة تقطع الصلةَ بالتنظيم الأصل.

ب - مرحلة 2006 - 2009: الولاء والبراء. تُعتبر هذه المرحلة الثانيةَ والأهمَّ من عمر التنظيم، وتبتدئ من منتصف كانون الثاني 2006، تاريخ إعلان "مجلس شورى المجاهدين،" وتنتهي بتاريخ إعلان الولايات المتّحدة انسحابَها العسكريَّ من العراق سنة 2009. عرفتْ تلك المرحلة تحوّلاتٍ مختلفة، أبرزُها: مقتلُ أبي مصعب الزرقاوي، وتولّي أبي حمزة المهاجر قيادةَ التنظيم، وبدءُ مرحلة من الانفكاك والاختلاف بين أبناء "مجلس شورى المجاهدين."[7] وقد ظهر ذلك جليًّا في خطاب المباركة والتهنئة الذي أذاعه بن لادن بعيْد تنصيب أبي حمزة زعيمًا للقاعدة في العراق، ومن خلال دعوته إلى عدم حلّ مجلس الشورى، والتركيز على قتال الأمريكيّين.[8]

في منتصف أكتوبر 2006 تأسّست "الدولة الإسلاميّة في العراق،" وبدأ عملُ وزارة الإعلام فيها، وصار للتنظيم خطابُه الإعلاميّ المستقلّ عن القاعدة الأمّ بشكلٍ كليّ. بإمكاننا تلمّسُ جهد التنظيم الإعلاميّ في تلك المرحلة، وسعيِه إلى تكثيف المادة التراثيّة التأصيليّة في خطابه. في الآن عينه، شهدتْ تلك المرحلة بدءَ رواج وسائل التواصل الاجتماعيّ في العالم العربيّ، وهو ما تنبّه إليه التنظيم مبكّرًا من خلال تفعيل حضوره على تلك المواقع. وأضمرت المرحلةُ الثانية مستوًى عاليًا من خطاب الهويّة، التي تقوم على نفي الآخر بغضّ النظر عن انتمائه الطائفيّ. ولكنْ، على النقيض من المرحلة الأولى، لم يعد الشيعةُ يتصدّرون رأسَ قائمة طوائف الردّة.[9] في هذه المرحلة ظهرتْ أدبيّاتُ الولاء والبراء. إنّ "نفيَ الآخر مجسَّمًا بتفجيره" هو قوامُ شروط الانتماء إلى الذات الجماعيّة هذه المرّة.[10] وقد حقّق التنظيم في هذه المرحلة قطيعةً بين الشباب ومجتمعهم؛ إنّها العزلة الشعوريّة التي تحدّث عنها سيّد قطب "مُترجَمةً واقعيًّا."

بإمكاننا تتبّعُ المرئيّات الخاصة بالتنظيم من خلال جملة من الأناشيد التي كانت تملأ الفضاءَ الإلكترونيّ. ويُعتبر نشيدُ "غرباء" الأنموذجَ الأوضحَ في التعبير عن الخطاب الوجدانيّ لعناصر داعش ومؤيّديه في تلك المرحلة.[11]

ج - 2010 - 2013: من القيادة إلى الخلافة. كشف مقتلُ زعيم القاعدة ومؤسّسها، الشيخ أسامة بن لادن، حجمَ الشرخ بين أبناء التنظيم. وقد أجرى التنظيمُ في هذه المرحلة نوعًا من الانقطاع عن أدبيّاته السابقة. ولإعادة تحديد بيئته والمتفاعلين معه وأولويّاتهم أواخرَ تلك المرحلة، راجعنا ما لا يقلّ عن خمسين حسابًا إلكترونيًّا لبعض المنتسبين إلى التنظيم  آنذاك.[12] وقد تبيّن الحضورُ المكثّف لديهم لمسألة الخلافة، بدلًا من الشهادة،[13] وذلك بالتوازي مع ظهور مسألة "الدولة" كأصلٍ ثابتٍ من أصول الانتماء. على كل مسلم "فرضُ عين" الهجرة إلى الدولة الإسلاميّة الوليدة: هذا ما عناه منطقُ إعلان الخلافة في العراق والشام، وهذا ما تحفّظ عنه أيمن الظواهريّ في رسائله المسجّلة تلك المرحلة. كانت الأرض تعني الكثيرَ بالنسبة إلى التنظيم؛ إذ هي تشكّل بابًا جديدًا لعمليّة نقل الأموال، وحجّةً قويّةً أمام كلّ مموِّلي الحالة الجهاديّة. وللأمر أهميّة بالغة مع مقتل بن لادن، المموِّل الرئيس للقاعدة، وصاحبِ العلاقات الماليّة الأضخم في التنظيم.[14]

 

كشف مقتلُ أسامة بن لادن حجمَ الشرخ بين أبناء التنظيم

 

د - 2013 - إلى اليوم: بلاد الكفر وبلاد الإسلام. أفضت الأحداثُ الدامية في سوريا إلى تمدّد داعش إلى العمق السوريّ. وقد شكّل سقوطُ مدينة الرقّة بيد جبهة النصرة سنة 2013، ومن ثمّ بيد تنظيم داعش، تحوّلًا في رؤية الأخير لذاته. فبسقوط الرقّة وما تلاها، صارت مساحةُ داعش أكبرَ من مساحة الأرض التي يسيطر عليها النظامان في سوريا والعراق مُجتمعيْن؛ بل كان داعش عشيّة العام 2015 الكيانَ السياسيَّ الأكبر في سوريا التاريخيّة. وترافقتْ مع التحوّل الميدانيّ تحوّلاتٌ إعلاميّة، أوّلُها طبيعةُ الشريحة المستهدَفة لدى التنظيم في الفضاء الإلكترونيّ.

فخلافًا للمراحل الثلاث الأولى، تُظهر الموادُّ الإعلاميّة الجديدة في الفضاء الافتراضيّ حرصًا لدى داعش على موضعة نفسه من خلال رؤية الآخرين له. وبعيدًا عن التعليلات المباشرة، فقد عاش التنظيم في هذه الفترة مرحلةً من المبالغة في تقديره لذاته، ساعدتْه فيها المادّةُ الإعلاميّة المبالِغة بقدرات أبنائه وآليّات عمله.

ملاحظة أخرى تسِم العملَ الإعلاميّ الافتراضيّ لأبناء التنظيم في هذه المرحلة، وتتمثّل في الكشف عن هويّة المخاطِبين. فقد صدرتْ جملةٌ من المرئيّات التي يخاطِب فيها المقاتلون الناسَ مباشرةً، كاشفين عن وجوههم وهويّاتهم. وفي هذا السياق تشكّل إصداراتُ مؤسّسة الفرقان[15]  - وهي الناشر الرسميّ لإعلانات التنظيم تحت عنوان أجناد - مثالًا للأدبيّات التي تؤكّد المِنعة والمخاطبة المباشرة لأبناء التنظيم دونما احتجاب.

وتبقى العواملُ النفسيّة كثيفةَ الدلالة والحضور في المرئيّات الخاصّة بالتنظيم، ويمكن إدراجُها تحت العناوين الأربعة لمراحل نشوء التنظيم وتطوّره؛ وكلّها تشير إلى أنّ ثمة اغترابًا يعيشه ابنُ التنظيم.

 

إلى أين يتّجه التنظيم اليوم؟ وما هي اتجاهات بيئاته في رؤيتها لواقع اليوم؟

في سياق مقاربتنا لهذين السؤالين، اخترنا عيّنةً من 15 شابًّا ناشطًا من مختلف البيئات المتفاعلة مع خطاب داعش على صفحات الفايسبوك، على أن نراجع حساباتهم وبياناتهم طوال ستة أشهر (بين كانون الثاني 2019 وحزيران من العام نفسه). سنحاول هنا، من خلال جدول بيانيّ بأهمّ سمات هؤلاء الناشطين، تبيانَ العناصر المشتركة والمختلفة بينهم. سنتخذ من الموضوعات التي ينشرها كلٌّ منهم، والمفاهيم التي يركّز عليها، موقفَه من العمليات المركزيّة التي قام بها التنظيم، فضلًا عن محاولتنا معرفة مساحة التكفير الاعتقاديّ، والعدو الحقيقيّ، كدلائل لسبر شخصية ابن هذا التنظيم ومحاولة تشخيص السمت المحرِّك لفكره وسلوكه: أهو الاعتقاد؟ أم الهويّة؟ أم المتخيّل المفاهيميّ الذي يتعزّز كلّما اغترب الإنسانُ عن واقعه؟

 

 

يتّضح من الجدول أعلاه أنّ ثمّة بيئاتٍ مختلفة بين المنتسبين إلى أبناء التنظيم. هكذا تطغى الموضوعاتُ العباديّة والثقافةُ الدينيّة الزاهدة بين أبناء التنظيم في اليمن على مواقع التواصل. وفي المقابل نجد طغيانًا للسياسيّ في منطقة بلاد الشام، وانحسارًا في الموضوعات ذات الاهتمام بالدائرة المحليّة؛ فقلّما نجد عند أبناء التنظيم في هذه المنطقة اهتمامًا بمسلمي بورما أو الفيليبين، على عكس المنتمين إليه في اليمن مثلًا.

ولعلّ المسألة الأكثر لفتًا للانتباه في الجدول أعلاه انفكاكُ مسألة التكفير عن مسألة الاستعداء. بمعنى آخر: ليس هناك أيُّ ارتباط بين التكفير اعتقاديًّا والتكفير سياسيًّا. فبينما يعتقد جزء من الشباب اليمنيّ بكفر "الرافضة" بالإطلاق، نظرًا إلى انتمائهم العقائديّ للمدرسة النجديّة، نرى أنّ الجهة التي يتّخذون منها العداء واقعًا هي النظام السياسيّ، اليمنيّ والسعوديّ، وفي بعض الأحيان حركة الإصلاح (الإخوان المسلمين).

في المسألة الاعتقاديّة أيضًا، لا يشير الجدولُ إلى هويّة اعتقاديّة موحّدة لأبناء التنظيم. فبينما تشغل موضوعاتٌ مثل الدعاء بعضَ حسابات المنتمين، يُصرّح جزءٌ آخر برفضه إيّاها، مدفوعًا من مرجعيّته الثقافيّة "ذات الهوى المعتزليّ."

 

خاتمة: الغربة السياسيّة الدينيّة[16]

يُلاحظ عند جلّ أبناء داعش إيرادُهم "النفير" أو "التبرّؤ" في طيّات مساهماتهم المنشورة في العالم الافتراضيّ، مع ما تحمله هذه المفاهيمُ من مضامين ذات صلة بمفهوم "العزلة الشعوريّة" الذي اختطّه سيّد قطب أواخرَ خمسينيّات القرن الماضي. وحيثما يرد حديثُ "الإسلام في آخر الزمان،"[17] نجد ميلًا إلى الانتماء إلى أحد التنظيمات الجهاديّة. وحتى عند غيابه نصًّا، يحضر دلالةً ورمزًا، من خلال نقد العمل السياسيّ ورفض المشاركة السياسيّة للبيئة الحاضنة؛ فضلًا عن الطعن في نُظم الحداثة السياسيّة، كالديمقراطيّة والأنظمة الوضعيّة. ويشعر المتصفّح أنّ أفراد التنظيم يحتكرون فهم الإسلام، ويتهمون الجميع بالشرك.

ليست الأنظمةُ الديكتاتوريّة المُنتِجَ الأوحدَ لهويّة الكثيرين من أبناء داعش؛ فنشاطُهم غير مقترن بنظام سياسيّ أو جماعة سلطويّة متحكّمة. غير أنّ المسألة الاعتقاديّة، في المقابل، لا تشكّل "مربطَ خيل" حُكمهم على الأمور. لعلّ شيئًا آخر يسم جلَّ نشاطهم النفسيّ في العالم الافتراضيّ، وله الكثير من الدلالات في التاريخ السياسيّ والعالم الواقعيّ؛ إنه الشعور بالغربة: الغربة التي تَفرض الحداثةُ إيقاعَها على كلٍّ منّا، بنموذجها الأحاديّ في المقاربة والمشاركة السياسيّة، وفي واحديّة الفهم المادّيّ للواقع وللحياة، وفي إضمارها أوجهًا من العنف المستتر القابل للانفجار في أيّ لحظة.[18]

بيروت

 


[1] Erica McIntyre, Karl K.K.Wiener, Anthony J. Saliba, “Compulsive Internet Use and Relations Between Social Connectedness and Introversion,” Computers in Human Behavior, volume 48, available online from 28 February 2015

[2] "دور وسائل التواصل الاجتماعيّ في تجنيد أعضاء التنظيمات الإرهابيّة: دراسة حالة داعش،" https://democraticac.de/?p=34268 15، 6، 2019. أنظر أيضًا: مصطفى محمد موسى، المراقبة الإلكترونيّة عبر شبكة الانترنت (القاهرة: دار الكتب والوثائق القوميّة، 2003)، ص227.

[3]  لمزيد من الاطلاع على مفهوم أسلمة العنف، يُراجع كتاب خليل أحمد خليل، الاغتيال: حرب الظلال والعنف المقدّس (بيروت: دار الفارابي، 2011).

[4] يشكّل هذا المرئيّ نموذجًا للمرئيّات والصور النمطيّة التي حاول التنظيمُ تقديمها:

 https://www.youtube.com/watch?v=5eIo-2uFhBM وتظهر فيه المسألة الطائفيّة الأكثر حضورًا في انشغالاته وأسلوب عمله.

[5] شهدتْ تلك المرحلة جدلًا نظريًّا واسعًا بين أبناء التنظيم، وفي عموم الحالة الجهاديّة، حول مشروعيّة القتال، والموقف من تحرير الأرض، ومعنى الإمرة، ولزوم الطاعة، وغيرها من المسائل الفقهيّة التي ظهرتْ في ما بعد إلى العلن في وثائق آبوت آباد للشيخ أسامة بن لادن، وفي الكثير من مذكّرات حذيفة عبد الله عزّام في حديثه عن مرحلة المناصحة تلك.

[6] بالامكان العودة إلى مقابلة الجزيرة مع أبو سعد الدليمي، فترة معركة الفلوجة 2004، والالتفات إلى تركيزه على البعد العراقيّ لعمل التنظيم. https://archive.org/details/board11

[7] هو تجمّعٌ لعدد من الجماعات المسلّحة، تأسّس مطلع العام 2006، بزعامة عبد الله رشيد البغدادي.

[8] راجع خطاب البنيان المرصوص لأسامة بن لادن: https://archive.org/details/board11/005.rmvb

[9] ربّما شكّلت "الصحوات" التي ظهرتْ بُعيد ظهور التنظيم، من أبناء المدن العراقيّة الغربيّة، التحدّي الأكبر له. وقد اقترن وصفها في خطابه الإعلاميّ بـ"الجيش الوثنيّ" و"جيش الردّة." كما أنّ التنظيم أوْلى حزبَ الدعوة الحصّة الكبرى من أدبيّاته التكفيريّة.

[10] في تلك المرحلة تحديدًا، ظهر "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربيّ،" وهو تنظيم متّصل ومنفصل عن القاعدة في آن. انتقل تنظيم القاعدة بموجب هذه الجماعات من كونه تنظيمًا هرميًّا، ليصير تنظيمًا عنقوديًّا فاقدًا للمركزيّة الهرميّة.

[11] https://www.youtube.com/watch?v=AcbV7joBNII انتشر هذا النشيد سنة 2008. وفي أقلّ من سنتين تجاوز عددُ مشاهديه المليونيْن. أمّا اليوم فيبلغ عدد مشاهديه ما يُقارب الثلاثة ملايين ونصف المليون.

[13] ربما يكون الانسحاب الأمريكي من العراق أحدَ أسباب ذاك التحول، ناهيك بحاجة قيادات البعث المنضوية داخل التنظيم إلى تأكيد سيادتها على الأرض تعويضًا نفسيًّا ممّا خسرتْه بُعيد سقوط بغداد سنة 2003.

هذا وقد استفدتُ شخصيًّا من حساب خاصّ على موقع فايس بوك، تقمّصتُ فيه شخصيّةَ أحد مقاتلي داعش طوال عاميْ 2012 و2013 تحت عنوان مجهول الهويّة. وقد بدا لي، من خلال جملة الحسابات التي كنت قد نسجتُ علاقةً مباشرةً معها، أنّها كانت تسعى إلى تأكيد النصر لا الشهادة. هكذا تدريجيًّا غابت صورةُ بن لادن الشهيد، والخطاباتُ التي كانت كثيرًا ما تتغنّى بالشهداء، لحساب المرئيّات والتصريحات التي تؤكد النصرةَ وعودةَ الخلافة؛ وكأنّنا أمام طور جديد من تاريخ نشوء التنظيم وارتقائه.

[14] لمزيد من الاطّلاع على الحركة الماليّة وتقدير مجلس الأمن لها، وسبل تجفيف منابعها، يمكنكم الاطلاع على الرسالة التي أعدّها جيرار فان فوهيمن إلى مجلس الأمن https://www.un.org/sc/ctc/wp-content/uploads/2015/06/N1509323_AR.pdf

[16] بعيدًا عن حسابات الأشخاص الفردية، تظهر في الآونة الأخيرة حسابات جماعية لمجموعات تتخذ من مفردة "الغربة" شعارًا لها. منها: صفحة غرباء في زمن الوهن: https://bit.ly/2JupAd5
وصفحة غرباء وأرض الله لنا: https://www.facebook.com/ghorabawaardallahlana/?fref=n

[17] عن مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبيّ أنه قال: "بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء."

[18] لفهم طبيعة منظومة الحداثة الواحديّة المادّيّة، بالإمكان الاطّلاع على كتاب عبد الوهاب المسيري، العلمانيّة الشاملة والعلمانيّة الجزئيّة (القاهرة: دار الشروق، 2002).

بشار اللقيس

كاتب وإعلاميّ لبنانيّ. كتب في الصحافة اللبنانيّة وعمل مقدّمَ برامج تلفزيونيّة.