"إسرائيل" الحائرة: الخريطة الاجتماعية للناخبين الإسرائيليين
30-12-2019

 

"إسرائيل" الحائرة: تَصْلح هذه العبارةُ لاختصار المشهد الإسرائيليّ على تنوّعه. فانتخابات الكنيست الثانية والعشرون شكّلتْ فرصةً وتحدّيًا، في آن، لنظامٍ انتخابيّ وطبقةٍ سياسيّة باتا يقفان على "حافّة الهاوية" في الكبائر والصغائر: من الحياة الشخصيّة لأفراد الطبقة السياسيّة، إلى موضوعات الأمن والاقتصاد والهويّة، فغيرِ ذلك من العناوين التي ستستعر في الجدل الانتخابيّ مع الوقت.

وعلى الرغم من فائض الكتابات التي تناولت الانتخاباتِ الإسرائيليّة، فإنّ حقولًا عدّةً لا تزال بعيدةً عن متناول القارئ العربيّ، ومنها الخريطةُ الاجتماعيّةُ للناخبين الإسرائيليين في الانتخابات الأخيرة. فمَن هم الإسرائيليون الذين ينتخبون نتنياهو والليكود؟ ومَن منهم يميل إلى الوسط العلمانيّ؟ وأيٌّ منهم يميل إلى أحزاب الحريديم ("الأتقياء اليهود")؟ وأين يتموضع هؤلاء جغرافيًّا داخل الكيان الصهيونيّ؟ وأيَّ طبقاتٍ اجتماعيّةٍ يمثّلون؟

 

عن النظام السياسيّ الاسرائيليّ

يدّعي التيّارُ الأكاديميّ الإسرائيليّ السائد أنّ "إسرائيل" تنتمي إلى قائمة الدول الديمقراطيّة الليبيراليّة ذاتِ الطبيعة الإثنيّة.[1] وبحسب هذا الادّعاء، يُعتبر الكنيست برلمانَ إسرائيل، وفق القانون الأساسيّ لسنة 1958، ومصدرَ سلطة الحكومة. وهو يضمّ لجانًا عدّة، تصل إلى 18 لجنة ثابتة (كالماليّة، والاقتصاد، والخارجيّة والأمن، والمرأة، والبحث والتطوّر العلميّ والتكنولوجيّ). أمّا لجانُ التحقيق البرلمانيّة، فتكمن مهمّتُها الرئيسة في بعض الموضوعات الداهمة (كاستيعاب المهاجرين الإثيوبيين، أو التحقيق في شأن تمثيل العرب في الوزارات والشركات الحكوميّة).  

 

النظام الانتخابيّ

بموجب المادّة الرابعة من القانون الأساسيّ لسنة 1958، "يُنتخب الكنيست في انتخاباتٍ عامّة. يحقّ لكلّ المواطنين المتجاوزين لسنّ 18 المشاركةُ في انتخاباتٍ عامّة تجري وفق نظام انتخابيّ قطْريّ،"[2] أيْ إنّها تجري في يومٍ واحدٍ على مستوى الكيان كلّه؛ "ومباشرٍ ومتساو،" أيْ لا وسيط بين الناخب والقائمة التي يريد التصويتَ لها، ويتساوى بذلك كلُّ "المواطنين." وهو أيضًا نظام انتخابيّ "نسبيّ،" أيْ يتحدّد عددُ المقاعد في كلّ قائمةٍ بحسب نسبة الأصوات التي تحوزها في الكيان ككلّ (شرط ألّا تحصل القائمة على ما دون "نسبة الحسم").

 

المشهد الإسرائيليّ عشيّةَ الانتخابات

بعد عجز نتنياهو عن تشكيل حكومة ائتلافيّة عقب الانتخابات التي جرت في نيسان المنصرم، أعيدت الانتخاباتُ في 17 أيلول 2019. وتشكِّل إعادةُ الانتخابات هذه ظاهرةً غيرَ مسبوقة على المستوييْن الإجرائيّ والسياسيّ. ففي الأوّل من آب، أعادت الأحزابُ تقديمَ الأوراق الرسميّة لمرشّحيها كافّةً، سعيًا إلى خوض المعركة الانتخابيّة الثانية. وقد سُجّلتْ عشيّةَ الانتخابات هذه جملةُ ملاحظاتٍ، منها: 

- الصدامُ الحادّ بين "إسرائيل بيتُنا" من جهة، والليكود من جهةٍ أخرى، بعد أن صار ليبرمان خصمَ نتنياهو اللدودَ.

- حلُّ حزب "كولانو،" وعودةُ زعيمِه (موشيه كحلون) إلى الانضواء تحت جناح نتنياهو والليكود.

- ولادة حزبيْن يمينيّين: "زيهوت" و"عوتصما يهوديت."

- تحالفُ حزب "اليمين الجديد" و"البيت اليهوديّ" و"الاتحاد الوطنيّ" تحت زعامة إييليت شاكيد.

- تحالفُ "غيشر" (الجسر) وحزب العمل.

- ضعفُ سيطرة نتنياهو المطلقة على حزبه.

 

عودةُ موشيه كحلون إلى الانضواء تحت جناح نتنياهو

 

في النتائج والمحصّلة

أظهرت النتائجُ النهائيّةُ للانتخابات حصولَ حزب الليكود على 1,111,535 صوتًا مقابل 1,148,700 صوت حصل عليه حزبُ "أزرق أبيض،" أيْ بفارق 37،165 صوتًا -- وهذا أقلُّ بـ 28,855 صوتًا من الأصوات التي حصل الليكود عليها في انتخابات نيسان. وإذا أضفنا، إلى ذلك، الأصواتَ التي كان كحلون قد حصل عليها عندما خاض الانتخاباتِ الماضيةَ في قائمةٍ مستقلّة، وهي تبلغ 152,756 صوتًا، فإنّ الخسارة الإجماليّة لليكود في هذه الانتخابات بلغتْ 181 ألف صوت مقارنةً بالانتخابات الماضية.[3]

غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة ذهابَ هذه الأصوات إلى "اليسار" (غيشر، حزب العمل، "المعسكر الديمقراطيّ" المكوّن من "ميرتس" و"إسرائيل الديمقراطيّة")، أو إلى "اليمين الوسط" (كتلة يائير لابيد في جمهور "أزرق أبيض")، بل لعلّها كانت أقربَ إلى الأحزاب اليمينيّة التي ملّتْ مهادنةَ المتديّنين.

أ - على مستوى الشمال: في الشمال حافظ الليكود على حضوره التقليديّ مقارنةً بانتخابات العاميْن 2015 و2013، إذ لا تغييرَ على مستوى حضوره الانتخابيّ إلّا في مستوطنتيْن: مرغليوت، وتعدادُ سكّانها 400، وهم مستوطنون من أصول إيرانيّة وكرديّة؛ وحورفيش، وهي قرية يسكنها الدروزُ، وتعدادُ سكّانها حوالي 6000 نسمة.[4]

ب - في الوسط الشماليّ (عموم منطقة الكرمل): سجّل "الوسط الجديد"[5] (أزرق أبيض) في مدن الكرمل ومستوطناتِها تقدّمًا في يرقة، ويانوح جات، وكفارفرديم. لكنّ تقدّمَهما كان على حساب "القائمة العربيّة" في يرقة، و"إسرائيل بيتُنا" في يانوح جات.

- في كفارفارديم: من الملاحظ أنّ لهذه القرية - المستوطنة خصوصيّةً يمكن استقراؤها في اتجاهات قاطنيها الانتخابيّة. فقد سجّلتْ سنةُ 2015 ارتفاعَ مؤشّر الصوت الانتخابيّ لـ"المعسكر الصهيونيّ" (برئاسة آفي غباي)، وصل إلى حدود 50%. وتجاوزت الأحزابُ "اليساريّة" وأحزابُ الوسط (ميرتس، و"هناك مستقبل")، بالإضافة إلى "المعسكر الصهيونيّ،" عتبة 75%. وتراجَعَ الليكود - كولانو من 18% إلى 13%، في حين حافظ "اليسار" و"الوسط" على 75%. ويمكن لحظُ تأثير البنية الاقتصاديّة الجديدة داخل الكيان في واقع هذه المستوطنة. فكفارفارديم تأسّستْ سنة 1984 من خلال رجل الأعمال الإسرائيليّ - الألمانيّ ستيف ويرثايمر، وهي ضمن مجموعةٍ من المناطق الصناعيّة التي بُنيتْ من أجل إنشاء شراكات اقتصاديّة مع الأقلّيّات العربيّة الدرزيّة والمسيحيّة.

- في يانوت جيت: تراجَعَ "إسرائيل بيتُنا" مقدار 10% (من 27% إلى 17% ). كما تراجع الليكود - كحلون من 37% إلى حدود 20%. أمّا في يرقة، فقد حازت "القائمةُ العربيّة" 37%، و15% لمجموع الأحزاب التي لم تصل إلى عتبة التمثيل، في حين كانت "القائمة العربيّة" قد حصدت في انتخابات نيسان نحو 7.4% من الأصوات فقط. وسجّل الليكود تقدّمًا وصل إلى حدود 28، مقابل 9% لحزبيْ اللكود وكولانو في انتخابات 2015. أمّا "أزرق أبيض" فقد حصل على 40%، مقارنةً بـ13% لـ"المعسكر الصهيونيّ" و"هناك مستقبل" في انتخابات 2015.

- كسرة سوميع: سجّلتْ تراجعًا لـ"إسرائيل بيتُنا" من 41% إلى حدود 22%، في حين تقدّم "أزرق أبيض" لينالَ ما مجموعه الـ39%.

- كرمئيل: حصل الليكود على 31% عام 2019، في مقابل 37% عام 2015. وتقدَّمَ "إسرائيل بيتُنا" من 17% إلى 24%. ويُعزى هذا التقدّم إلى حيّ أشكول في كرمئيل.

ج - مستوطنات الخطّ الساحليّ ومدنه: في نتانيا تقدّمت القوى اليمينيّة قرابة 3%. وقد جاءت النِّسَب على النحو الآتي: الليكود: 42%. "أزرق أبيض": 24%. "إسرائيل بيتُنا": 14%. "نحو اليمين": 4%. فبلغ مجموعُ القوى اليمينيّة ما نسبتُه 47%، بينما بلغتْ نِسب مجموع القوى "اليسارية" داخليًّا: 29%.

يبدو ضعفُ "اليسار" جليًّا في أحياء الأطراف الشماليّة والشرقيّة من هذه المدينة، إذ لم يستطع "أزرق أبيض" تجاوز 18% في مجمل أحياء راسكو في الشمال، وأسيشكين (بينما كان "المعسكر الصهيوني" و"هناك مستقبل" قد تجاوزا 32% في الانتخابات الماضية 2015).

- عكّا: تبدو هذه المدينة هي الأكثرَ ولاءً لليمين في الشمال، إذ لم يتجاوز "أزرق أبيض" حدّ 11% في غالبيّة أحيائها التسعة، باستثناء مناطق البساتين الشماليّة القريبة من ضاحية بساتين الجليل حيث وصلتْ نسبةُ التصويت فيها لهذا الحزب قرابة 16%، بييما حازت قوى الوسط واليسار (الداخليّ) في بساتين الجليل ما يزيد عن 55% من مجمل الأصوات. ومع ذلك يمكن تسجيلُ تراجع ثلاثة في المئة عن مجموع ما حصلتْ عليه قوى اليسار عام 2015.

- حيفا: شهدتْ حيفا تقدّمًا لـ"إسرائيل بيتُنا" فاق الضعفَ (8.1% عام 2015، 19% عام 2019). وكان لافتًا تقدّمُه على الأحزاب المنافسة في حيّيْ كريات إلياهو (26%)، والعتيقة (28%) شمال غرب المدينة، وحفاظُه على نسبة حضورٍ معقولة (ثلث أصوات اليهود) في الأحياء الشماليّة. كما شهدتْ حيفا تراجعًا في الصوت العربيّ عمومًا، الذي توزّع بين قائمتيْن ("القائمة العربيّة" 6.8%، و"التجمّع الديمقراطيّ" 7.8%)، في مقابل كتلة تصويتيّة واحدة عام 2015 بلغتْ 8.1%.

 

لم يتجاوز "أزرق أبيض" حدّ 11% في غالبيّة أحياء عكّا

 

ويمكن تسجيلُ قوًى متنافسةٍ ثلاث في حيفا ("أزرق أبيض" 22%، الليكود 21%، "إسرائيل بيتُنا" 19%)، تليها الأحزابُ الصهيونيّة اليمينيّة المتطرّفة التي نالت حوالي 14% من مجمل أصوات المدينة.[6]

اللافت في الكتل التصويتيّة الكبرى في المدينة، والموزّعة على قرابة خمسين مركزًا انتخابيًّا، سيطرةُ "يهودوت هاتوراه" (حماة التوراة) على حيّيْ رمات وزنتز، وغاؤوله، إذ نال فيهما ما يزيد عن 65%. وهذه السيطرة ذاتُ ميراث تقليديّ.

- في منطقة الساحل الأوسط، الممتدّة من قيصاريّة ونتانيا إلى أشكوليوت، يبدو أنّ كتلتي "اليسار" و"اليمين" قد خسرتا 7% من الأصوات لصالح الأحزاب الجديدة أو التشكّلات الحزبيّة الجديدة (مثل: "إلى اليمين"، "تحالف العمل - غيشر،"...) التي حاز كلٌّ منها 5% من مجموع الأصوات. لكنّ غالبيّة هذه الأحزاب لم تتجاوز العتبةَ المؤهّلة لدخول البرلمان.

الملاحَظ أيضًا تراجعُ تفوّق "يسار الوسط" على كلّ نقطة استيطانيّة مقدار النصف؛ ولا يعني ذلك أنّ قدرتَه التصويتيّة تقلّصتْ إلى النصف، بل يعني أنّ عدد الدوائر المتقدّم فيها قد تقلّص إلى النصف (وهذا ما نلحظه في نتانيا مثلًا).

- في تل أبيب، تفوّق الليكود على "أزرق أبيض" في الجزء الجنوبيّ من المدينة. وتلازَم حضورُ الليكود مع حضور شاس بشكلٍ رئيس. وبالرغم من أنّ شاس لا يصل في المراكز الأربعة عشر الانتخابيّة الجنوبيّة إلى خُمس نِسَب المصوّتين في أيٍّ منها، فإنّ وجوده قرينٌ لليكود، إذ غالبًا ما يقترن تقدّمُه إلى حدود 15% من نِسب المصوّتين بتفوّق الليكود على غيره من المنافسين.

ولا بدّ من الالتفات إلى الحضور الكاسح لكلٍّ من يهودوت هاتوراه (حماة التوراة) وشاس في ضاحية بني باراك، شرق تل أبيب:[7] إذ حظي فيها الأوّل بما يزيد عن 60%، مقابل 28% لشاس، موزّعة بنحو تقليديّ بين أحياء شماليّة (يغلب فيها حزبُ شاس) ووسطى وجنوبيّة يغلب فيها حزبُ حماة التوراة.[8]

- في أسدود، من أصلِ ما يقارب 20 قلمَ اقتراع، تقدّم يهودوت هاتوراه في اثنين، و"البيت اليهودي" في ثلاثة، وشاس في واحد. أمّا الليكود فحافظ على تقدّمه على مجمل المدينة (وبلغ عدد أصوات الأحزاب الحريديّة اليمينيّة 25%)، فيما حصل "إسرائيل بيتُنا" على ما يقارب 18% (كان حضور الأحزاب الحريديّة و"إسرائيل بيتنا" متقدّمًا في الأحياء الشرقيّة للمدينة)، وحصل "أزرق أبيض" على 20% من مجمل أصوات الناخبين فيها.

- في أشكليوت، حصل الليكود على النسبة الأعلى بين مدن الساحل (40%)، يليه "إسرائيل بيتُنا" (18%) الذي تفوّق في أربع مناطق في الوسط، ثم "أزرق أبيض" (17%)، يليه "شاس" (10%)، و"نحو اليمين" (4.8%). وكان لافتًا حضورُ هذا الأخير في منطقة بارغانيم، شمال شرق المدينة، إذ حلّ ثانيًا بعد الليكود بما نسبتُه 30% من الأصوات، يليه "عوتصما يهوديت" (10% من الأصوات)، ومن ثم شاس (9.8 %).[9]

 

إسرائيل بيتُنا وشاس: الرابحان

نجح "شاس" في رفع تمثيله من 8 مقاعد إلى 9، بزيادة بلغتْ 72 ألف صوت. ويعود ذلك في جزءٍ منه إلى الحملة الإيجابيّة التي خاضها هذا الحزبُ وسط أنصاره، إذ سجّل ارتفاعًا في القوّة التصويتيّة بنسبة 5% في نهاريا، و4% في كريات غات، و3% في عسقلان ونتانيا. وتعود قوّتُه المرتفعة في الانتخابات الراهنة (مقارنةً بالسابقة في نيسان) إلى الاستقطاب الحادّ الذي أفرزه خطابُ ليبرمان في مسألتين: علمانيّة الدولة (فالحملة التي شنّها ليبرمان على الأحزاب الدينيّة دفعتْ جزءًا من الجمهور التقليديّ إلى العودة إلى حضن شاس)، والخدمة الدينيّة.[10]

 

نجح "شاس" في رفع تمثيله من 8 مقاعد إلى 9، بزيادة بلغتْ 72 ألف صوت

 

سبب آخر هو نجاحُ زعيم شاس، آرييه درعي، في القضاء على منافسيه داخل الجمهور السفارديّ الشرقيّ، مثل إيلي يشاي والحاخام مائير مازوز، وإقناعُ جمهورهما بالتصويت لصالحه.

أمّا ليبرمان، فإنّ من أبرز عوامل فوزه وتقدّمه في الانتخابات الأخيرة: تركيزَ حملته الانتخابيّة على مسألة علاقة الدين بالدولة، والهجومَ الذي شنّه من دون هوادة على الأحزاب الحريديّة وعلى تواطؤ حزب الليكود مع الحريديم وخضوعه لإرادتهم.[11] لقد أراد ليبرمان التصدّي لاستثناءات قانونيّة لا تحظى بالشعبيّة كي يعيد هيكلةَ حزبه. ففي السابق، ركّز "إسرائيل بيتُنا" على قضايا تهمّ قاعدتَه الانتخابيّة الرئيسة، المؤلّفةَ من المهاجرين الروس الذين وصلوا إلى البلاد في تسعينيّات القرن الماضي. ومع ذلك، احتاج الحزب إلى تركيز جديد على موضوعاتٍ تهمّ الإسرائيليين على اختلاف مشاربهم. وينبع الأمر من التغييرات التي شهدتها الأجيالُ بعد عقدين من تأسيسه. فضلًا عن ذلك، تعزّزتْ ميزةُ ليبرمان بفضل حلّ حزب "كولانو" الذي تحالف مع نتنياهو في الآونة الأخيرة، ما أفضى باليمينيين التقليديين الذين سئموا من مراعاة اليمين للحريديم إلى تحويل أصواتهم من كولانو إلى ليبرمان.

 

"يسار" الهزائم

خابتْ توقّعاتُ زعيم حزب العمل عمير بيرتس بتحالفه مع أورلي أبكسيس (زعيمة حزب غيشر). فقد افترض الرجل أن يَجذب له مثلُ هذا التحالف أصواتًا أكثرَ يمينيّةً، وأن تفضي خطّتُه الاقتصاديّة إلى كسب تأييد الطبقات الفقيرة. غير أنّ نتائج الانتخابات أثبتتْ أنّ عدم توحّد "اليسار" في قائمة واحدة أدّى بأحزابه إلى التشرذم. كما أنّ بريق البرامج الانتخابيّة - الاقتصاديّة لم يعد يسحر الناخبين. ثمّة "ثقافة جوّانيّة" مرتبطة بأسئلة الهويّة اليوميّة يرى الناخبُ الإسرائيليّ أنّ "اليسار" بعيدٌ عنها. وبالمثل، فإنّ شعارات "حلّ الدولتين" ألحقت الضررَ بحركة ميرتس، وخفضتْ حضورَها في الكنيست إلى 3 نوّاب.

 

خابتْ توقّعاتُ زعيم حزب العمل عمير بيرتس بتحالفه مع أورلي أبكسيس

 

خلاصة

لم يستطع غانتس، ولا الدولةُ العميقة ذاتُ البنية الأشكينازيّة "العلمانيّة،" ضربَ نتنياهو في مقتل. فلقد أظهر هذا الرجلُ حنكةً سياسيّةً قلّ نظيرُها على مستوى الطاقم السياسيّ والحزبيّ الإسرائيليّ راهنًا. وعلى عكس ما حاول الكثيرون إظهارَه (أقلّه في واقعنا العربيّ)، فإنّ حصول غانتس وحزب "أزرق أبيض" على أغلبيّة 33 مقعدًا لم يكن كافيًا لحيازة تفويض المجتمع الإسرائيليّ بالحكم.

إنّ الساحة الإسرائيليّة ليست منقسمةً على الخيارات الاستراتيجيّة الكبرى، بل على خيارات الداخل القوميّة والإثنيّة والدينيّة. وهذا يدفعنا إلى وجوب التنبّه من أجل تفادي خطيئة فهم "اليمين" و"اليسار" على النحو التقليديّ - - مثلًا: من حيث موقف الطرفيْن من "عمليّة السلام." فواقع الأمر أنْ ليس في "إسرائيل،" حين يتعلّق الأمرُ بالخيارات الكبرى، "يسارٌ" البتّةَ. والحقيقة أنّ "إسرائيل" الراهنة مجتمعٌ لم تعدْ تغريه عناوينُ الديمقراطيّة والسلام، بقدر ما تؤرِّقه مسائلُ تحوُّلِ المجتمع نفسه، وانتقالِ مراكز الثقل السياسيّ من تل أبيب والساحل الإسرائيليّ (حيث الغلبةُ الأشكينازيّة) نحو الأطراف (حيث الغلبةُ السفارديّة).

إنّ قسمة "الليكود – العمل" لا تزال ساريةَ المفعول إلى اليوم، ولكنْ من خلال مسمَّيات حزبيّة جديدة، في حين أنّ المجتمع الإسرائيليّ متحفّظ حتّى الساعة عن ولوج ساحة الأحزاب الجديدة. يمكننا الاسترشادُ بهذا الاستنتاج من خلال قرينة عدم قدرة تحالف "اليمين القوميّ" على رفع تمثيله إلى أكثر من 7 مقاعد، فضلًا عن فشل حزب "القوة اليهوديّة" في تجاوز نسبة الحسم، وتفكك اتحاد "يمينًا" (نحو اليمين) فور الإعلان عن النتائج.

بيروت


[1]مجموعة مؤلِّفين،  دليل إسرائيل 2011، تحرير: كميل منصور (بيروت: مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، 2012)، نقلًا عن بنيامين نويبرغر، النظام والسياسة في دولة إسرائيل )تل أبيب: الجامعة المفتوحة، 1990)، ص 4، 5.

[2]  "جرى الادّعاءُ أنّ من شأن مركزيّة التصويت والترشيح في النظام الانتخابيّ وفق الدائرة القُطْريّة توحيدَ الفسيفساء الاجتماعيّة والإثنيّة والثقافيّة التي يُشكّلها تعدّدُ مجموعات المهاجرين على المدى البعيد، وجعْلَ المنافسة تتمحور شيئًا فشيئًا حول القضايا الإيديولوجيّة والسياسيّة والاقتصاديّة." يوسف جبارين ومهنّد مصطفى، في: دليل إسرائيل، مصدر سابق، ص 79.

[3]  رندة حيدر، "انتخابات الكنيست الـ22: هل تحمل بدايةَ حقبةٍ سياسيّةٍ مختلفة؟،" مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة https://www.palestine-studies.org/node/237231

[4]  تنشط في قرية حورفيش "حركةُ الشبيبة الإسرائيليّة" (هناعر هعوفيد فهلوميد) أو الشبيبة العاملة والمتعلّمة. وهي جمعيّة تنشط داخل المجتمع الدرزيّ، انتمى إليها ما يُقارب 3000 شابّ.

[5]  ملاحظة: إن تسميتنا "أزرق أبيض" بـ"الوسط الجديد" هو نوع من التسامح مع ما يطلقه الإعلام العربيّ تجاهه، وحزب "المعسكر الصهيونيّ" من قبل. ونؤكّد فيه أنّ قسمة "اليسار" و"اليمين" لها نوع من الخاصيّة في الكيان الصهيونيّ، وترتبط حصرًا بزاوية المقاربة الاقتصاديّة تجاه الطبقة الوسطى والفقيرة العلمانيّة، وتجاه آليّة التعاطي مع الوجود العربيّ في داخل فلسطين التاريخيّة.

[6]  في الأحياء الغنيّة في مدينة حيفا حصل "أزرق أبيض" على 50% من الأصوات، مقابل 20% لليكود، و9,6% لـ"المعسكر الديمقراطيّ،" و6,1% لـ"إسرائيل بيتُنا،" و2,7% لحزب "نحو اليمين." https://bit.ly/37mBss8

[7]  اللافت كذلك تحوّلُ كتلة "جفعات شموئيل" التصويتيّة من "البيت اليهوديّ" إلى "نحو اليمين" بشكل كلّيّ، التزامًا بتحوّل نفتالي بينيت نحو حزبه الجديد (28.9% من الأصوات لـ"البيت اليهوديّ" تحوّلتْ إلى 31% إلى "نحو اليمين").

[8]  بالاستناد إلى أرقام مكتب الإحصاءات المركزيّ، بلغتْ نسبةُ التصويت لحزب بني غانتس في الأحياء الغنيّة في تل أبيب 55%، بينما لم تتعدَّ 27% لحزب الليكود، وحصل "المعسكر الديمقراطيّ" (المؤلَّف من "ميرتس" و"إسرائيل الديمقراطيّة") على 6,6%، و"إسرائيل بيتُنا" على 6,1%، و"العمل - غيشر" على 3,8%، ويمينًا (نحو اليمين) على 2,7%. بالإضافة إلى ذلك، لم تُسجَّلْ فجوةٌ مهمّةٌ في نِسب المشاركة في التصويت بين الأحياء الغنيّة في تل أبيب (التي بلغتْ نحو 72% ممن يحقّ لهم التصويت) والأحياء الفقيرة (التي وصلتْ إلى 71%).

[10]  هناك تراجع واضح في إقبال الشباب العلمانيّ على الجيش، مع لحْظ تزايد نسبة اليهود المتديّنين في الوحدات القتاليّة (العمليّاتيّة على الأرض). ومع ذلك، تظلّ خدمةُ المتديّنين في الجيش مسألةَ جدل نظريّ وسياسيّ. فالحريديم، الذين يشكّلون 30% من المجتمع الإسرائيليّ ما زالوا يعتبرون المؤسّسة العسكريّة مؤسّسةً مارقةً وكافرة، ويرفضون انضمامَ أبنائهم إلى الوحدات القتاليّة في الجيش.

[11]  رندة حيدر، مصدر سابق.

بشار اللقيس

كاتب وإعلاميّ لبنانيّ. كتب في الصحافة اللبنانيّة وعمل مقدّمَ برامج تلفزيونيّة.