Home
أكثر  حداثة... أشدّ  التزامًا

37 عامًا: أهلًا بكم في مطار الثورة!

مقالات
المحاور: 

 

يتابع الرفيق المناضل ماهر اليماني ذكرياتِه عن محطّاتٍ وشخصيّاتٍ رئيسة في الثورة الفلسطينيّة وفي الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. بعد شهاداته عن جورج حبش، ووديع حدّاد، وغسّان كنفاني، هنا شهادتُه عن "خطف الطائرات" في أيلول العام 1970. في الحلقات القادمة سيتناول اليماني محطّاتٍ من الحرب اللبنانيّة، وسيخصّص صفحاتٍ طويلةً للحديث عن أخيه القائد الراحل أبي ماهر اليماني.

 

كنتُ قد عدتُ من الأردن، غداةَ إطلاق سراحي من السجن اليونانيّ في عمليّة تبادل،* حين وصلني طلبٌ من الدكتور وديع حدّاد لترك معسكر التدريب الخاصّ بـ"العمليّات الخارجيّة في الجبهة الشعبيّة" في "جرود نَحْلة" في لبنان. فانتقلتُ مع الشابّ، ناقلِ الرسالة، إلى بيروت.

كنّا في أوائل شهر أيلول من العام 1970. وصلنا إلى الفيلّا التي وضعها صاحبُها في تصرّف د. وديع (كنّا نسمّيها "فيلّا اليهوديّ" نظرًا إلى وجود نجمةٍ سداسيّةٍ على باب مدخلها الداخليّ). أمضيتُ يومي هناك من دون أن يخبرَني أحدٌ بالمطلوب. لكنّني حصلتُ، فجرَ اليوم التالي، على بطاقة هويّة أردنيّةٍ صفراء، باسمٍ مستعار، وعلى مبلغٍ ماليّ بسيط مصروفَ جيْب. ثمّ وصلتْ سيّارةُ أجرة، يقودها رجلٌ لبنانيٌّ، بدت لهجتُه بعلبكيّةً، وانطلقتْ بي إلى الأردنّ.

اجتازت السيّارةُ الحدودَ اللبنانيّة ــــ السوريّة بسلام، ومرّت بطاقةُ هويّتي المزوَّرة بين أيدي الضبّاط السوريين، فلم تُثِر ريبتَهم؛ بل إنّني لم أُضطرّ إلى الترجّل من السيارة ــــ وكنتُ راكبَها الوحيد ــــ فأنهى السائقُ كلَّ المعاملاتِ بنفسه، ثمّ عبرنا دمشق من دون توقّف، وبعدها الحدود السوريّة ــــ الأردنيّة، ووصلنا إلى عمّان عصرًا.

في موقف السيّارات في عمّان استقبلني الرفيق أبو خالد لطفي، وكنّا قد تعارفنا سابقًا. ركبتُ سيّارتَه الفولزفاجن السكّريّةَ اللون، وانطلق بي إلى "المستوصف،" وهو مقرٌّ سرّيٌّ للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين يقع قرب مخفر البادية، في منطقة الأشرفيّة في عمّان. هناك أخذتُ قسطًا من الراحة مع مجموعة من الرفاق، وجلستُ في انتظار أوامرَ جديدة.

بعد وقتٍ قصير، وصلتْ سيّارةٌ أقلّتْني مع رفيقيْن، وعبرتْ بنا شوارعَ عمّان، لتخرجَ منها باتّجاه منطقة الزرقاء. طالت الرحلةُ أكثرَ من ساعةٍ ونصفِ الساعة، قبل أن تخرج السيّارةُ من الطريق العامّ وتغوصَ في طريق ترابيّ فرعيّ.

هنا تحوّل سائقُنا إلى بطل "سباقاتِ رالي"؛ إذ راحت السيّارةُ تطير بنا من غير أن يعبأ سائقُها بكلّ الاهتزازات فوق تلك الأرض الوعرة. بقينا على هذه الحال نصفَ ساعة تقريبًا، قبل أن تنفرج المساحاتُ أمامنا على ما يشبه السهلَ الواسعَ الكبير.

لمحتُ أضواءَ سيّارات. وما إن اقتربنا حتى بدت محمّلةً برشّاشاتٍ ثقيلة. ثمّة مقاتلون انتشروا في كلّ مكان، من "قوّات صلاح الدين،" التابعة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

نحن الآن، إذن، في "مطار الثورة"!

هذا المطار كانت تستخدمه، في الأصل، القوّاتُ الجوّيّةُ البريطانيّة في الحرب العالميّة الثانية. وبات بعد رحيلها مهملًا وغيرَ معروف. فأعاد الشهيد وديع حدّاد تأهيلَه، حتى غدا صالحًا لهبوط الطائرات.

توقّفت السيّارة، فترجّلنا منها، ورحنا ننظر حولنا. استقبلني صوتُ أبي بسّام (فايز قدّورة) يصيح بالشباب حوله كي يُجهّزوا "تنكات" المازوت، ويصفّوها بشكلٍ مستقيمٍ تحضيرًا لإشعالها.

                               وديع حداد وليلى خالد.

إشارة... من الأرض

اكتمل الغروبُ، وأنارت المكانَ كشّافاتُ السيّارات العسكريّة التي تتحرّك في غير اتّجاه. وبينما كنّا نقف من غير أن نعرفَ ما يجري من حولنا، أطلّ وجهٌ أعرفُه ويملأني بالطمأنينة: إنّه وديع حدّاد!

بصحبةِ وديع، كان الحاج فايز جابر، وصبحي التميمي، وهما مسؤولا "منظّمة أبطال العودة." ناداني وديع لأقتربَ منه، وسلّمني راديو متوسّط الحجم، وطلب منّي التوجّهَ إلى تلّةٍ كنّا قد مررنا بقربها في طريقنا، وتبعد حوالي خمس دقائق بالسيّارة. طلب منّي أن أشغِّل الراديو أعلى التلّة، وأن أنتظرَ إشارةً محدّدةً تبثّها الرفيقة ليلى خالد من طائرة "العال" الإسرائيليّة، التي كان يُفترض أن تخطفَها وتأتيَ بها إلى "مطار الثورة." وكنتُ مكلَّفًا حينها بإطلاق "طلقة إنارة،" من مسدّسِ إشارةٍ أعطاني إيّاه وديع، كي أُعْلم الرفاقَ في المطار، فور تلقّي البثّ من ليلى، أنّ الطائرة المخطوفة دخلتْ مجالَه الجوّيّ.

سلّمني الشبابُ بندقيّةً، ورافقني ثلاثةُ رفاقٍ في سيّارةٍ أوصلتنا إلى التلّة، قبل أن تعود أدراجَها.

ارتقيتُ التلّةَ حاملًا الراديو بحذر، وصوتُ وديع لا يبارح أذنيّ: "إيّاكَ أن تحرّكَ إبرةَ الراديو. تبقى هناك حتّى تسمع ليلى، فتُطلق الإشارةَ وتعودُ إليّ! أنتظرُكَ."

وصلنا أعلى التلّة. أوجدتُ مكانًا للراديو وشغّلتُه، ثمّ جلستُ أراقب الشبابَ في البعيد. كانوا قد بدأوا بإشعال "تنكات" المازوت، فارتسم خطّان شكّلا مدرّجَ هبوطٍ متّجهًا صوب الشمال. كان كلُّ شيء منبسطًا من حولنا، والارتفاعُ الوحيدُ كان التلّةَ التي أقف عليها. أمامي هوائيُّ الراديو، أستمع إلى خشخشة الموجة الفارغة، منتظرًا إشارةَ ليلى.

بعد حوالي أربعين دقيقة، سمعنا هديرَ طائرة، ثم رأينا طائرةً كبيرةً تقترب. حوّمتْ فوق المطار، ثمّ انخفضتْ تدريجيًّا وهي تطير في اتّجاهنا، ولامستْ عجلاتُها الأرضَ القاسية. خفّفتْ سرعتَها بين صفَّيْ تنكات المازوت حتّى تجاوزتْهما، وتابعتِ التقدّمَ حتّى توقّفتْ تمامًا. ثمّ استدارت يمينًا مبتعدةً عن المدرّج.

بقينا مكاننا على التلّة على الرغم من هبوط الطائرة؛ إذ لم تأتني أوامرُ جديدة من د. وديع. وبعد أقلّ من ساعة، حوّمتْ فوقنا طائرةٌ ثانية، ثمّ هبطتْ أيضًا واتّخذتْ مكانَها إلى جانب الطائرة الأولى.

بقي تركيزي منصبًّا على الراديو اللعين الذي صار في حضني. ولكنْ فجأةً جاءتني الإشارةُ من الأرض، لا السماء؛ فقد شاهدتُ رتلًا من السيّارات والدبّابات يقترب باتّجاه المطار.

شعرتُ بخطورة الموقف، فقرّرتُ تركَ موقعي والنزولَ لاعتراض الموكب. أسرعنا بالهبوط من أعلى التلّة، واعترضتُ سيّارة اللاندروفر الأولى شاهرًا سلاحي، وخلفي رفاقي وأيديهم على الزناد. دوّى صوتي ملعلِعًا:

ــــ قف... قف...

توقّفت السيّارة، والرتلُ كلُّه. فُتح البابُ إلى جانب السائق، وترجّل منه ضابطٌ طويلُ القامة مادًّا يديه في اتّجاهنا:

ــــ الجيش العربيّ. نحن إخوانُكم في الجيش العربيّ. لا تطلقوا النار. نحن هنا لحمايتكم.

ــــ ممنوع أن تقتربوا إلى هناك، رددتُ.

ــــ نحن هنا لحمايتكم. يجب أن نصلَ إلى هناك.

في تلك اللحظة، دارت في رأسي العشرينيّ عشراتُ الأفكار. مِلتُ، أوّلَ الأمر، إلى اعتراض طريقهم ولو أدّى ذلك إلى الاشتباك معهم... بل قد يكون الاشتباكُ مفيدًا لأنّه سيَلفت انتباهَ المقاتلين في المطار. لكنّ الاشتباكَ كان سيعني سقوطَنا، نحن الأربعة، شهداء؛ فالميزان ليس في صالحنا البتّة: أربعُ بنادق في أرضٍ مكشوفة، أمام رتلٍ فيه عشراتُ الجنود والرشّاشات الثقيلة والدبّابات. وفكّرتُ أيضًا: ماذا لو كان الأمرُ منسَّقًا مع د. وديع؟ ماذا لو كانت هذه القوّات قد جاءت فعلًا للحماية؟ لحسن الحظّ أنّني لم أكن أعلم أنّ "الجيش العربيّ" هو نفسُه... الجيشُ الأردنيّ!

الأسلم، إذن، أن نعود إلى رفاقنا ونتركَ القرارَ للدكتور وديع، ولا سيّما أنّ القوات الموجودة لدينا قادرةٌ على التعامل مع هذه القوّة إنْ جاءت بحركةٍ عدائيّة.

وافقتُ الضابطَ من "الجيش العربيّ" على طلبه، ولكنّني اشترطتُ عليه إيصالَنا معه في سيّارته، فوافق. احتللتُ ورفاقي المقاعدَ الخلفيّة، وتوجّهنا إلى حيث الطائرتان ورفاقُنا الآخرون.

لم يعترضْ أحدٌ طريقَنا حتّى بتنا على مسافةٍ قريبةٍ جدًّا من الطائرتين. كانت الدبّاباتُ الأردنيّة منتشرةً في حلقة كاملة حولهما. صعد عدد من رفاقنا الفدائيين إلى الطائرتيْن، وانتشر الباقون بالقرب من القوّات الأردنيّة، والأسلحة عالية وجاهزة. أسرعتُ بالنزول مع رفاقي من السيّارة، وانضممنا إلى إحدى المجموعات الفدائيّة المستنفرة.

الكلّ كان في حيرةٍ من الإقدام على خطوةٍ غيرِ محسوبة قد تفضي إلى وقوع مجزرةٍ تطاول المقاتلين من الطرفيْن، فضلًا عن رهائن الطائرتيْن.

كان الضابط من "الجيش العربيّ،" واسمُه العقيد عيسى كما علمتُ فيما بعد، قد ترجّل من السيّارة. وصل إليه وفدٌ قياديٌّ من الجبهة الشعبيّة. وبعد مناقشات سريعة طلب العقيد من قوّاته الابتعادَ إلى مسافة ثلاثمائة متر من الطائرتيْن.

في هذا الوقت، كان الرفاق يَجمعون جوازاتِ سفر ركّاب الطائرتين، بحثًا عن الركّاب الإسرائيليّين، من أجل مبادلتهم برفاقٍ لنا أسرى في سجون الاحتلال الإسرائيليّ والسجون الأوروبيّة. وتمّ عزلُ المسافرين الإسرائيليين على حِدة، ونُقلوا صباحًا من المطار إلى جهةٍ مجهولة.

 

أبو علي مصطفى!

لم تصلني أوامرُ جديدة، فبقيتُ حول الطائرتين، أراقب وأتحدّث مع الشباب المستنفرين. صعدتُ إلى طائرة الـTWA الأميركيّة (وهي الطائرة التي حطّت بعد الأولى، التي عرفتُ أنّها سويسريّة فيما بعد). كان الركّاب مذعورين في مقاعدهم، وكان الرفاق يمرّون عليهم، فيجمعون جوازاتِ سفرهم، ويخبرونهم أنّهم في عهدة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، وأنْ لا داعي للقلق أو الخوف. وشرح أحدُ الرفاق لهم أنّ خطفَ الطائرتين مرتبطٌ بتحرير أسرانا؛ وأنّنا لسنا هواةَ خطفٍ وترويع، بل أصحابُ قضيّة عادلة؛ وأنّ الإمبرياليّة العالميّة حليفةُ العدوّ الإسرائيليّ، مغتصبِ أرضنا.

فجرًا، أطلّ علينا وديع حدّاد، فعَيّن لكلّ بابٍ مفتوحٍ في الطائرتين حارسًا، وزوّد الحرّاسَ بأوامر واضحة: لا أحد يدخل إلى الطائرتين باستثناء أبي بسّام. وطلب منّي أن أكون مسؤولَ الارتباط بين هؤلاء الحرّاس من جهة، وبينه وبين أبي بسّام من جهةٍ أخرى.

بين المقاتلين، كانت هناك مجموعةٌ من أربعة ملثّمين. لم نرَ وجوهَهم طوال الليل. أحدُهم، على ما اتّضح من حركته وقامته، كان امرأةً. عند بداية الصباح، توجّه إليهم الشهيد أبو علي مصطفى، فوقف ينظر إليهم بعينيه الطيّبتين اللتين اتّقدتا بالغضب، وصاح فيهم:

ــــ لماذا لا تزالون هنا؟

لم يتلقّ ردًّا، وهو لم ينتظرْه. نادى أحدَهم، وأشار إليهم قائلًا: "الآن، فورًا، إلى عمّان." وعرفنا في ما بعد أنّ هؤلاء هم مَن نفّذوا عمليّتيْ خطف الطائرتين!

 

الخيمة... والختْم

عند الصباح، نُصبتْ خيمةٌ استقبلتْ صناديقَ الطائرتيْن الداخليّة، بكلِّ ما فيها من وثائقَ ومجوهراتٍ وأغراضٍ متفرّقة. كلّفني د. وديع بحراسة الخيمة، مع أوامر مشدّدة بمنع أيٍّ كان من الدخول. كانت حراسةُ الخيمة مهمّتي ليومين متتالييْن، شهدتُ خلالهما حركةَ نقلٍ لمسافرين عبر الحافلات الأردنيّة، وغابت الدبّاباتُ الأردنيّةُ عن نظرنا. ثم جاء وفدٌ من منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وعقد اجتماعًا فيها انتهى بارتفاع صوت أبي علي مصطفى. وكان وديع يستعمل الخيمةَ أحيانًا، فيَعقد فيها اجتماعات، خصوصًا مع أبي بسّام. وكنتُ أستغلّ وجودَه هناك لأجد متنفّسًا لي، وللتحدّث مع الرفاق.

هنا أذكر أنّي صعدتُ مجدّدًا إلى الطائرة الأميريكيّة، وراقبتُ الرفيق علي طه يَختم جوازاتِ سفر الركّاب الذين كانوا ما يزالون هناك، بالختم الشهير: "دخول مطار الثورة." وأذْكر أنّ أحدَ الركّاب الأجانب المسنّين، وكان برفقة زوجته، رفع جوازَه إليّ محتجًّا أنّ عليًّا لم يختمْه له. ضحكنا، وناولتُ عليًّا الجوازَ كي يستدركَ "تقصيرَه"!

 

هذه أخلاقُنا!

وفي زيارةٍ ثانية إلى الطائرة ذاتها، فوجئتُ برفيقيْن (أتحفّظ عن ذكر اسميْهما) وهما في حالة سكْر شديد، وبينهما مضيفةٌ أميركيّةٌ ممتقعةُ الوجه، ما يشير إلى حصول حالةٍ من "التودّد" بينهم. وقفتُ أمامهما، وبصوتٍ آمرٍ طلبتُ منهما أن ينزلا معي من الطائرة. الأوّل ــــ وهو صحفيّ في الهدف ــــ صمتَ. أمّا الثاني، وهو مسؤول في "الجبهة الشعبيّة ـــــ المجال الخارجيّ،" فنظر إليّ وضحك، ثمّ طلب منّي ان أبتعد. لم أتردّدْ في شهر سلاحي وتلقيمِه، وأعدتُ الأمرَ عليهما بالنزول من الطائرة. ازداد وجهُ المضيفة شحوبًا. وقفا، ومشيا أمامي بصمتٍ إلى مخرج الطائرة.

نزلنا إلى أرض المطار، وأنا أخطِّط لإعدامهما؛ فهما قد خالفا أمرًا صارمًا هو في أساس حدودنا الأخلاقيّة والنضاليّة: ممنوع التعاطي مع الركّاب ــــ ممنوع التعرّض لهم ــــ ممنوع الكحول ــــ ممنوع استعمال أيٍّ من محتويات الطائرة (أكل، شرب،...) ــــ ممنوع أيّ ممارسة غير أخلاقيّة تشوِّه وجهَ الثورة! سارا أمامي غيرَ عالميْن بما أنويه. لكنّ صوتَ وديع أوقفنا؛ فقد كان هناك مَن نقل إليه أنّ ماهر أخذهما خارجًا.

ــــ لوين آخدهم؟

ــــ هدول عم يتزعرنوا عالبنات فوق، وعم يِسْكَروا.

ــــ ولوين آخدهم؟

ــــ بدّي قوّصهم بحسب الأوامر!

طلب منّي تسليمَهما إليه. ابتعد معهما عنّي. سمعنا صراخَه عليهما، على الرغم من كلّ محاولاته لعدم إسماعنا إيّاه.

 

طائرة جديدة!

في التاسع من أيلول، كانت الحياة على ما كانت عليه في مطار الثورة خلال اليومين الماضييْن: المقاتلون والمسؤولون، كلٌّ في مكانه، ينفّذون المهامَّ المطلوبة منهم بلا تأفّفٍ أو قلق. الروح المعنويّة للرفاق في أوجها. كثير من الركّاب أُطلق سراحُهم. حرسُ مداخل الطائرتيْن ما زالوا على استنفارهم. لكنّ المعلومات لم تكن كثيرةً لدينا عن المفاوضات والخيارات المتوفّرة. بيْد أنّه كان من الواضح أنّ الأمور في حاجةٍ إلى "دفعةٍ" لتحريكها.

وُزّع الغداءُ علينا كالعادة: معلّبات لحم وجبن وسردين. الهدوءُ يعمّ المطار. مع اقتراب الساعة من الثالثة عصرًا، شعرتُ بحركةٍ غريبة؛ فأحدُهم أخبر وديعًا عن طائرةٍ مخطوفةٍ ثالثة، بريطانيّةٍ هذه المرّة، قادمةٍ إلى هنا! انتقل وديع إلى الطائرة الأولى (السويسريّة)، واستعمل وسائلَ اتّصالها للتواصل مع خاطف الطائرة البريطانيّة BOAC القادمة من البحريْن. تساءلنا: مَن "ضيفُنا" القادم؟ ثمّ خرج وديع من الطائرة مبتسمًا، وقال:

ــــ عرفتُه. الطائرة الثالثة لنا!

أُخليَ المدرّجُ سريعًا من السيّارات والعوائق، وقبعنا بانتظار الطائرة الجديدة التي لاحت لنا عند الرابعة والنصف عصرًا. قامت بمناورتيْن فوقنا، ثمّ هبطتْ برفق. واتّخذتْ مكانَها إلى جانب شقيقتيْها السويسريّة والأميركيّة.

بدأنا الإجراءاتِ الاعتياديّة في الطائرة الثالثة: سَحب الجوازات (وكانت في معظمها عربيّة)، تأمين الطائرة وحراستها، إنزال الركّاب وإجراء تحقيقٍ سريعٍ معهم (لاحقًا أُرسلوا في حافلاتٍ إلى عمّان).

                                                   الشهيد باتريك أرغويللو

اجتمع وديع بقائد عمليّة خطف الطائرة الجديدة. كان يناديه "مروان،" وعرفنا لاحقًا أنّه قريبٌ له. سأله وديع عن زميليْه في العمليّة، وكانا مصريًّا وفلسطينيًّا (مروان سوريّ الجنسيّة بالمناسبة). أخبره مروان أنّ الشابّيْن كانا متحمّسيْن لأيّ عملٍ يؤدّي إلى إطلاق الرفيقة ليلى خالد من سجنها البريطانيّ. (وكنتُ قد علمتُ من وديع، قبل يومين، أنّ ليلى ورفيقَها "باتريك" أخفقا في خطف الطائرة الإسرائيليّة، وأنّ باتريك استُشهد، وأنّها اعتُقلتْ في لندن). وقال مروان إنّ رفيقيه كانا من العمّال البسطاء، لكنّهما أصرّا على تنفيذ العمليّة، واستعملا مسدّسًا صنعاه في المخرطة التي يعملان فيها في البحرين.

رحّبنا بهم، وصاروا جزءًا منّا، وبقوا معنا حتّى لحظة إخلائنا المطارَ. ولم ألتقِ بهم إلّا في بيروت، حين شاركوا في معسكرٍ خاصّ بـ"العمليّات الخاصّة" (بقيادة د. وديع).

حتى مساءِ الحادي عشر من أيلول 1970، لم تكن الجبهةُ الشعبيّة قد تبلّغتْ ردًّا على إنذارها بإطلاق سراح مناضليها من أوروبا والكيان الصهيونيّ، وبتنا على غموضٍ ممّا سيحدث في اليوم التالي.

 

تنفيذ مطالبنا وإلّا...

في صباح اليوم التالي كانت القيادة قد حسمتْ قرارَها. أرسلني وديع مع ضابطيْن من "الجبهة" إلى موقع الطائرات. عملتُ على رفع ثلاثة صناديق من القنابل اليدويّة والمتفجِّرات إلى الطائرتين السويسريّة والأميركيّة، فيما تولّى أحدُ الضابطيْن الطائرةَ البريطانيّة. وزّعنا الصناديقَ في أوّل الطائرات وفي وسطها وآخرها. ثمّ فخّخ الضابطُ الثاني الصناديقَ بالـ تي. أن. تي، وجهّز الصواعقَ والمفجِّرَ السلكيّ.

كان الركّابُ المتبقّون قد صاروا في الحافلات الثلاث الواقفة قرب الطائرات، ومعهم الحرّاس. على أرض المطار، وقف بسّام أبو شريف، المكلَّفُ من قبل "الجبهة" بالتواصل مع الصحفيين الأجانب، مع مصوّريْن، أحدُهما يحمل كاميرا سينمائيّة. خرجنا من الطائرات. ابتعدنا مسافةً آمنة. ضغط أحدُ الضابطيْن المفجِّر، فدوّت الانفجاراتُ المتتالية.

تناثرتْ أشلاءُ الطائرات في الهواء. وعمّت فرحةُ الرفاق: ها قد أسمعْنا صوتَنا إلى العالم الظالم. نعمْ، أسرانا... أو فلينفجر هذا العالم!

في إحدى الحافلات، كان معي بسّام أبو شريف، والمصوّران، والطيّارون، وضابطٌ أمريكيّ. الطيّار السويسريّ دمعتْ عيناه حين أخبرني أنّه أمضى على هذه الطائرة سبعَ سنين، وأنّها كانت بمثابة ابنتِه. نظرتُ إليه مصدِّقًا قولَه، لكنّني لم أكن في وارد التعاطف معه في هذه الظروف؛ فقد كانت يدي على سلاحي، وسيّاراتُ الجيش الأردنيّ تحفُّ بنا من كلّ اتّجاه.

وصلنا عمّان، فانفصلتْ حافلتُنا عن الموكب. انطلقنا باتّجاه وادي السير، ثمّ توجّهنا إلى مخيّم الوحدات، حيث مكثنا في أحد المنازل وقتًا قصيرًا. بعدها، سُحبتُ مع رفيق آخر إلى مواقف سيّارات السفر، ووُضعنا في أوّل سيّارة متوجّهة إلى دمشق. ومن هناك، تابعتُ وحيدًا إلى بيروت.

***

أمضيتُ الأيّام التي تلت أتابعُ أخبارَ القتال في الأردن، بين قوات النظام الأردنيّ وقوّات الثورة الفلسطينيّة. وكنت أنتظر أوامرَ جديدةً.

في هذه الأثناء، تكالب الكثيرون على لوْم الجبهة الشعبيّة، ولوْمِ الشهيد وديع حدّاد بشكل خاصّ، باعتبارهما "السببَ" في اندلاع حرب الإبادة التي نفّذها النظامُ الأردنيّ، بالتآمر مع الولايات المتّحدة والكيان الصهيونيّ. لقد تناسى المتكالبون أنّ قرارَ تصفية المقاومة الفلسطينيّة في الأردن كان متّخذًا مسبّقًا؛ فوجودُ هذه المقاومة في الأردن شكّل خطورةً على الكيان الصهيونيّ بفعل العمليّات شبهِ اليوميّة على خطّ الحدود العربيّة الأطول معه، وبفعل قدرة المقاومة من هذا الموقع على التواصل مع الداخل الفلسطينيّ، ولا سيّما الضفّة الغربيّة.

مع وجود مقاومةٍ مستعدّةٍ للقتال، لم يكن مشروعُ رودجرز ليمرّ، وهو المشروعُ القائمُ على تصفية القضيّة الفلسطينيّة. فهل كان على الجبهة الشعبيّة تسليمُ أبي عمّار الأمرَ، وهو الساعي دومًا إلى "التفاوض" مع العدوّ من أجل دولةٍ مسخٍ؟

أكانوا يتوقّعون من جورج حبش، ووديع حدّاد، وأبي علي مصطفى، ومن رفاقهم الكثيرين، أن يَجْنحوا إلى الاستسلام "للأمر الواقع"؟!

من السهل اليوم أن ندينَ عمليّات خطف الطائرات قبل خمسة عقود تقريبًا. لكنّنا كنّا نعي وقتها، مثلما نعي اليومَ، أنّ مواجهةَ العدوّ الذي احتلّ أرضَنا وهجّر شعبَنا لن تكون بالمفاوضات العقيمة، بل بإلحاق أكبر قدْر من الخسائر في صفوفه وصفوفِ داعميه الاستعماريين والرجعيين العرب، وعلى الصعد البشريّة والاقتصاديّة كافّةً. وكان الحكيم جورج حبش يركّز على ضرورة أن يكون الأردن "قاعدةَ ارتكازٍ" للثورة الفلسطينيّة. وأمّا النظام الأردني، ومن خلفه الرجعيّة العربيّة والإمبرياليّة العالميّة، فكان يريد أن يجعل من الأردن قاعدة حمايةٍ للعدوّ.

المواجهة كانت حتميّة، وخطفُ الطائرات كان أحدَ أساليبها. ولن نعتذر عن شيء!

بيروت

* راجع تفاصيل عمليّة ماهر اليماني واعتقاله هنا:

https://goo.gl/6hPnys

اتّصل بنا من نحن دار الآداب